المحتوى الرئيسى

أطباء مستشفي الأمراض العقلية يگشفون عن مهازل‮:‬حكايات مرعبة من معتقل أمن الدولة في مستشفي‮ »‬العباسية‮«‬

03/21 22:01

في حوار له مع جريدة الأخبار قبل أقل من أسبوعين،‮ ‬أكد الطبيب النفسي الكبير د.أحمد عكاشة أن ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير ستخفض عدد المرضي النفسيين في مصر إلي النصف‮.. ‬وجاء قرار حل جهاز أمن الدولة ليؤكد أن نبوءة الطبيب النفسي الكبير ستتحقق،‮ ‬ذلك لأن هذا الجهاز بشهادة أطباء مستشفي الصحة النفسية بالعباسية هو المفرخة الرئيسية لإنتاج المرضي النفسيين بمصر‮.  ‬حكايات كثيرة رواها أطباء المستشفي عن ما كان يفعله هذا الجهاز في أبناء مصر ليحولهم من مشروع رجال نافعين لمجتمعهم إلي مرضي نفسيين،‮ ‬والذي يتعجب له الأطباء أن هؤلاء لا ناقة لهم في السياسة ولا جمل‮. ‬‮ ‬نبتدي منين الحكاية‮.. ‬من المهندس المشهور الذي أصيب بمرض‮ " ‬الانفصام‮ " ‬أم من طالب الجامعة الذي حولوه لشخص من الذين ترونهم يهيمون علي وجوههم في الشارع،‮ ‬أم من موظف المحكمة الذي وقف أحد ضباطهم حائلا بينه وبين الحصول علي حقه،‮ ‬فطلب مساندة سوزان مبارك فاتهموه بالجنون،‮ ‬أم من مواطن حرموه من حقه في الحياة والتمتع بإرث والده لصالح أحد ضباطهم،‮ ‬أم من المحامي الذي طالب بحقه في الترقي،‮ ‬فلفقت لهم تهم المشاركة في التظاهرات‮.‬الحكايات كلها مؤثرة،‮ ‬وتشعر عند سماعها انه لم يكن جهازا لأمن الدولة،‮ ‬بل،‮ ‬كان كما كتب الأستاذ سليمان قناوي في مقال له بجريدة الأخبار‮ " ‬جهاز رعب الدولة‮ ".‬هذا الرعب،‮ ‬الذي أشار إليه الأستاذ سلمان في مقاله،‮ ‬هو الذي تسبب في فقدان الإحساس بالأمان،‮ ‬الذي يأتي‮ - ‬كما يقول د.حسام صبري طبيب الأمراض النفسية والعصبية بمستشفي الصحة النفسية بالعباسية،‮ ‬في مقدمة الهرم النفسي،‮ ‬وهو إحساس شعر به المصريون بشكل عام،‮ ‬لكنه زاد بمعدلات مرضية عند أولئك الذين زارهم زوار الفجر‮.‬حاولنا الاقتراب من بعض أولئك الذين قادهم زوار الفجر إلي مستشفي الصحة النفسية بالعباسية،‮ ‬لكن الدكتور صبري،‮ ‬اعتذر عن تلبية رغبتنا حفاظا علي خصوصية المريض،‮ ‬لكنه وزملاءه بالمستشفي تطوعوا بنقل هذه القصص عنهم،‮ ‬مع الاحتفاظ بسرية اسم المريض‮.‬فمن بين الحالات التي ذكرها الدكتور صبري كانت لمحام،‮ ‬تم تخطيه في الترقية بالمصلحة التي كان يعمل بها،‮ ‬وكان نتيجة ذلك أن هذا الشخص أصبح ناقما علي المجتمع،‮ ‬وقاده هذا الشعور للاشتراك في أي مظاهرة،‮ ‬وصنفه بسبب ذلك جهاز أمن الدولة علي أنه من الناشطين سياسيا،‮ ‬وأودي به إلي المعتقل،‮ ‬ومنه خرج مريضا نفسيا‮.‬وفي العنبر‮ ‬58‮ ‬بالمستشفي،‮ ‬وهو العنبر الذي يستقبل المشردين الذين يتم تجميعهم من الشوارع عند زيارة شخصية هامة لمصر،‮ ‬يحكي د.صبري قصة شاب كان نزيلا عليه أثناء زيارة أوباما لمصر‮.‬‮ ‬ويقول‮: " ‬هذا الشاب كان يبدو من حديثة انه علي درجة من التعليم والثقافة،‮ ‬مما أثار تعجبنا كيف آل به المصير إلي الشارع‮ ".‬وكان خلف هذه المأساة جهاز أمن الدولة،‮ ‬الذي أعتقله أثناء مشاركته في مظاهرة بالجامعة،‮ ‬وتم الإفراج عنه،‮ ‬لكنه ما أن عاد إلي بيته حتي أعتقل مرة أخري،‮ ‬وظل هكذا كلما يخرج من المعتقل ويعود إلي بيته يعتقل،‮ ‬ففقد هذا الشاب الثقة في أهله وفي محيط سكنه وظن أنهم مسئولون عن إبلاغ‮ ‬الأمن عنه،‮ ‬فقرر الإقامة بالشارع‮.‬وحاول موظف في المحكمة مقاومة خططهم،‮ ‬وقطع شوطا كبيرا في المقاومة،‮ ‬لكن في النهاية خارت قواه وأصبح نزيلا بالمستشفي‮.‬قصة هذا الموظف،‮ ‬كما يحكيها د.صبري انه أضطر تحت تهديد السلاح إلي التوقيع علي أوراق بيع إحدي ممتلكاته،‮ ‬واستطاع إثبات ذلك أمام المحكمة،‮ ‬فحكمت له باسترداد ممتلكاته،‮ ‬غير ان خصمه قام بالاستئناف،‮ ‬واستطاع بمساعدة أحد أقاربه بجهاز أمن الدولة سحب ورقة من ملف القضية أثرت علي موقفة في القضية‮.‬وأضطر هذا الرجل إلي احتلال مدرسة بأحد الأحياء الراقية،‮ ‬حيث دخل فناءها قبل طابور الصباح ووقف في وسطه وبيده مسدس مهددا بقتل كل من في المدرسة ووضع هذا الرجل أمامه لافتة مكتوب عليها‮ " ‬نداء إلي السيدة سوزان مبارك‮ " ‬،‮ ‬وبعد ان تمكن الضباط من القبض عليه،‮ ‬تم إحالته لقسم الطب الشرعي بالمستشفي للتأكد من قواه العقلية‮.‬أفشل جهازهذه الحالات التي حولها جهاز أمن‮ ‬الدولة من أشخاص عاديين إلي مرضي نفسيين،‮ ‬كانوا من الضعف بحيث لم يستطيعوا تحمل الضغوط النفسية،‮ ‬فآلوا إلي هذا المصير‮.‬لكن،‮ ‬ماذا عن القادرين علي تحمل الضغوط؟يفرق د.صبري بين صنفين من ضحايا جهاز أمن الدولة،‮ ‬الأول أشخاص عندهم مبدأ يدافعون عنه،‮ ‬وهم ذوو الاتجاهات السياسية الذين يتم القبض عليهم،‮ ‬وهؤلاء يزيدهم تعذيب أمن الدولة صلابة ويخرجون أقوي من ذي قبل‮.‬أما الصنف الثاني،‮ ‬فهم أشخاص لا ناقة لهم ولا جمل،‮ ‬بعضهم لا يتحمل الضغوط فيصبح مآله إلي مستشفي الأمراض النفسية،‮ ‬والبعض الآخر من الذين لديهم المقدرة علي تحمل الضغوط يتحولون من أشخاص بلا قضية إلي أشخاص لديهم قضية،‮ ‬وقد تكون هذه القضية سلبية مثل تكفير المجتمع الذي أودي بهم لهذا المصير‮.‬ويقول د.صبري‮: " ‬يعني الناشطين الذين هم الهدف الرئيسي للجهاز أصبحوا أكثر قوة‮.. ‬والصنف الثاني تحول بعضهم ممن تحمل الضغوط النفسية إلي شخص يملك قضية،‮ ‬بعد أن كان يعيش بلا قضية‮ ".‬ويتساءل‮: " ‬أليس هذا الجهاز إذن هو أفشل جهاز علي وجه الأرض،‮ ‬حيث انه لم يحقق هدفه،‮ ‬بل وزاد عليه أشخاص آخرون أدخلهم في بؤرة الاهتمام بالحياة السياسية دون قصد‮.‬الانفصام والهلاوسمآسي هذا الجهاز لا تتوقف عند الحكايات التي يحتفظ بها د.صبري،‮ ‬فالدكتور سامح إبراهيم نائب إداري المستشفي يحتفظ بعدد لا بأس به،‮ ‬ويقول د.سامح‮: " ‬كثير من مرضي الهلاوس هم من نزلاء معتقلات أمن الدولة‮ ".‬وتتسبب العزلة التي يعيشون فيها لفترة طويلة بالمعتقلات في إصابتهم بهذا المرض،‮ ‬الذي ينتج عن أنهم ينفصلون لفترة طويلة عن المؤثرات الخارجية،‮ ‬فيتخيلون أنهم يسمعون أصواتا‮ ‬غريبة،‮ ‬أو ان هناك أشخاصا تراقبهم‮.‬ويمكن ذ أيضا ذ ان يصل المريض لهذه الحالة دون ان يدخل المعتقل إذا كان ضعيفا لدرجة كبيرة في مواجهة الضغوط‮.‬ويتذكر د.سامح في هذا الإطار رجل أعمال كان ضحية هو الآخر لممارسات جهاز أمن الدولة‮.‬‮ ‬مشكلة هذا الرجل أنه كان يقيم في منطقة يسكن بها أحد قادة الجهاز،‮ ‬فأختلف معه خلافا بسيطا كالذي يحدث بين الجيران،‮ ‬فما كان منه إلا أن قام بكسر سيارته،‮ ‬واستخدم بعض ضباطه في التضييق عليه في أعماله،‮ ‬حتي شعر الرجل أنه مراقب في كل خطواته،‮ ‬فأصيب بداء الهلوسة،‮ ‬الذي كان من أعراضه تخيل أن كل الناس تراقبه‮.‬ضحايا الفسادقصة هذا المهندس تكررت بشكل‮ ‬آخر مع شاب دخل المستشفي،‮ ‬ورفض شقيقه الذي كان ضابطا في أمن الدولة خروجه‮.‬وتحكي د.حنان‮ ‬غديري رئيس وحدة التأهيل بالمستشفي قصة هذا الشاب،‮ ‬الذي دخل يعاني من اضطرابات نفسية خفيفة،‮ ‬وشفي منها،‮ ‬وعندما طلبنا إخراجه رفض شقيقه لأنه كان قد قام برفع قضية حجر عليه ليكون وصيا علي ميراثه‮. ‬وتستطرد د.حنان‮: ‬ولم يكتف بذلك بل قام بسحب بطاقة شقيقه الشخصية من ملفه بالمستشفي بطريقة‮ ‬غير مشروعة حتي لا يستطيع الخروج،‮ ‬وكلما حاولنا استخراج بطاقة بدل فاقد له،‮ ‬كان يتابع تحركاتنا ويفشل أي محاولة لذلك بواسطة علاقاته،‮ ‬حتي اضطررنا إلي استخراجها له من مكتب أحوال مدنية بإحدي محافظات الإقليم‮.‬وتقود هذه القصة د.حنان إلي القول ان ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير لم تسقط جهاز أمن الدولة فقط،‮ ‬لكنها ستقضي‮ - ‬أيضا‮ - ‬علي الفساد في الجهاز الإداري للدولة الذي تسبب في تعطيل محاولات استخراج البطاقة الشخصية للمريض‮. ‬وتشير د.سلوي فرج نائب مدير المستشفي إلي مظهر آخر من مظاهر الفساد وهو‮ "‬البطالة‮" ‬و‮ " ‬الواسطة‮ " ‬الذي تتوقع ان تقضي الثورة عليه‮.‬وتقول‮: " ‬نسبة لا بأس بها من النزلاء من الشباب،‮ ‬والسبب‮ " ‬البطالة‮ " ‬و"الواسطة‮" ‬التي تجعل فرص العمل تؤول لمن هم أقل منهم كفاءة‮ " .‬وتعتبر د.سلوي الظلم الذي يتعرض له هذا الشباب أكبر بكثير من ذلك الذي يتعرض له المعتقلون في أمن الدولة،‮ ‬لأن شابا بلا فرصة عمل،‮ ‬يعني حياة بدون هدف‮.‬ويلتقط د‮. ‬محمد سامي الطبيب بالمستشفي من بين كل هذه القصص ملحوظة هامة وهي أنها لا تفرق بين مهندس ومحام ورجل عادي،‮ ‬أي أن الكل معرض للضغوط النفسية التي تؤدي به للمرض النفسي‮.‬وكما نجحت الثورة في تغيير كثير من المفاهيم،‮ ‬حتي بتنا نتعامل مع كلمة‮ " ‬الإخوان المسلمون‮ " ‬بمنطق مختلف،‮ ‬وأصبحنا نري رموزها في كل وسائل الإعلام بحرية،‮ ‬فإني أتوقع أن تتغير النظرة‮ - ‬أيضا‮ - ‬إلي المريض النفسي‮.‬فالمريض النفسي‮ - ‬كما يؤكد د.سامي،‮ ‬هو شخص عادي لم يقدر علي تحمل الضغوط النفسية التي نتعرض لها جميعا‮.‬قمة الهرم النفسيوإذا كنا جميعا كنا نعيش تحت‮ ‬ضغوط نفسية،‮ ‬كما يقول د.سامي،‮ ‬فكيف إذن نجح شباب ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير في القيام بثورتهم في هذا المناخ؟أطباء المستشفي أجمعوا علي أن شباب‮ ‬25‮ ‬يناير تجاوزا مقدمة الهرم النفسي إلي قمة الهرم،‮ ‬وهي القدرة علي الإبداع والتأثير في الآخرين‮.‬وصول هؤلاء الشباب لهذه القمة في ظل المناخ الذي كانت تعيشه مصر،‮ ‬يفسره الأطباء بقاعدة التباين بين البشر في التعامل مع الضغوط النفسية‮.‬ويشرح د.حسام صبري ذلك بالفرق بين لاعبين تعرضا لخشونة في الملعب،‮ ‬أحدهما يشغل باله بالانتقام من اللاعب الذي أصابه،‮ ‬والآخر يركز في انتقام من نوع آخر وهو إحراز هدف‮.‬وقياسا علي هذا المثل يقول‮: " ‬شباب مصر اختاروا طريق إحراز الأهداف‮".‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل