المحتوى الرئيسى

بعد صباح الخيرالاستقلال هو التحدي الأكبر الذي يواجه مصر بعد الثورة

03/21 22:01

أياً‮ ‬كانت نتيجة الاستفتاء يوم ‮٩١/٣/١١٠٢ ‬ب‮ "‬نعم‮" ‬أم‮ "‬لا‮" ‬فإن مصر ستحصل علي دستور جديد‮.‬‮"‬نعم‮" ‬وهو المتوقع نظراً‮ ‬للمؤشرات الأولية تعني دستورا جديدا وفق آليات واضحة ومنهجية محددة،‮ ‬عن طريق جمعية تأسيسية من مائة عضو ينتخبهم الأعضاء المنتخبون من البرلمان بغرفتيه والذي يتم انتخابه بصورة شفافة ونزيهة،‮ ‬وفي مدة محددة لا تزيد علي سنة ونصف‮.‬‮"‬لا‮" ‬وهو الاحتمال الأبعد تعني أننا سنحصل أيضاً‮ ‬علي دستور جديد ولكن من‮ ‬غير الواضح الآن لا الطريقة ولا المنهجية ولا الوقت المحدد،‮ ‬ومع احتمال بقاء الجيش في إدارة البلاد إلي أجل‮ ‬غير مسمي‮.. ‬أتوقع وهذا المقال سينشر إن شاء الله بعد ظهور نتيجة الاستفتاء أن تأتي النتيجة ب"نعم‮" ‬وفق المؤشرات التي تلقيتها ليلة الفرز‮.. ‬إذن ستواجه مصر،‮ ‬ويواجه المصريون تحديات كثيرة أهمها‮: ‬إنجاز استقلال للوطن ليس زائفاً،‮ ‬وفي ظل هذا الاستقلال الحقيقي كيف تدير مصر علاقاتها الدولية‮.. ‬في هذا الإطار تواجه مصر تحدياً‮ ‬مهما حول دورها الإقليمي والدولي في وطن عربي يحتاج إلي قوة قائدة بعد فراغ‮ ‬مقعد القيادة لسنوات عقب‮ "‬كامب ديفيد‮" ‬1979‮ ‬وفي شرق أوسط أوسع تتصارع أو تتحالف فيه قوي إقليمية علي حيازة دور ما في صياغة السياسة الأمنية والعلاقات الاقتصادية،‮ ‬ونظم سياسية وطنية تتأثر بموجة الثورات المتوالية وكذلك النظام السياسي الإقليمي الذي يهتزّ‮ ‬بقوة تحت ضغط الشعوب‮.‬مصر والمصريون يواجهون تحدياً‮ ‬لا يقل أهمية وهو التحدي الاقتصادي الذي هو أساس الاستقلال الحقيقي والمؤهل للقيام بأي دور دولي أو إقليمي أو عربي،‮ ‬وهو التحدي الذي إن نجح فيه المصريون سيحققون فعلاً‮ ‬الاستقلال الوطني والقرار المستقل،‮ ‬ويقودون قاطرة الاستثمار والتنمية في المنطقة كلها،‮ ‬ولا ننسي هنا التمايز الواضح بين الدور التركي المتنامي‮ (‬اقتصاد تركيا رقم‮ ‬17‮ ‬في العالم‮) ‬وبين الدور الإيراني الذي يعتمد علي الملف النووي والقوة الصلبة بينما يعاني اقتصادياً‮ ‬بسبب الحصار المفروض منذ سنوات طويلة،‮ ‬والدور السعودي الذي يعتمد أساساً‮ ‬علي الفائض المالي الضخم الذي يأتي من ريع البترول‮.. ‬هذا التحدي يحتاج إلي جذب الاستثمارات الخارجية خاصة رؤوس الأموال العربية،‮ ‬ويحتاج إلي تدريب قطاعات واسعة من المصريين لرفع كفاءاتهم المهنية والعملية،‮ ‬ويحتاج إلي توزيع عادل لعوائد التنمية بدلاً‮ ‬من نزحها إلي البنوك الخارجية،‮ ‬ويحتاج إلي تشجيع المصريين علي الادخار بدلاً‮ ‬من سيادة النمط الاستهلاكي‮.. ‬هذا كله يحتاج إلي إعادة النظر في سياسات التعليم والتدريب والبحث العلمي‮.. ‬وهذا كله يحتاج أيضاً‮ ‬إلي منظومة صحية من الطفولة وحتي الشيخوخة تعيد للمصريين حيويتهم ونشاطهم‮.‬التحدي الداخلي الأخطر الذي يواجه المصريين هو أن يتحولوا إلي نظام ديمقراطي لا يؤدي إلي نزاعات سياسية أو بروز تكتلات طائفية أو يهدد التماسك المجتمعي‮.. ‬هذا النظام الديمقراطي هو الذي يسمح بتوافق مجتمعي وسياسي وفكري علي دستور ينظم الحياة السياسية والتداول السلمي علي السلطة مع بقاء دستور مستقر لا يتم تغييره بأغلبية مهما كانت،‮ ‬ولا تعديله إلا لضرورات تفرضها التجربة والخطأ كما حدث مع التعديلات ال‮ ‬36‮ ‬علي الدستور الأمريكي خلال مائتي سنة أو يزيد‮.. ‬هذا النظام الديمقراطي هو الذي يؤدي في النهاية إلي اقتصاد قوي ويجذب الاستثمارات التي تبحث عن بلاد آمنة مستقرة،‮ ‬ويزيد اللحمة الوطنية حيث يسمح بالاختلاف في وجهات النظر مع استقرار المقومات الأساسية للمجتمع،‮ ‬ويحدد الهوية الحضارية العربية الإسلامية للمسلمين والمسيحيين واليهود الذين نريد أن نجذبها إلي حضن العروبة من جديد بأن يتخلوا عن الفكرة الصهيونية التي نبتت في الغرب لتخدم مصالح الغرب الاستعماري يعدم ملايين الضحايا من اليهود الجدد‮  ‬بعد أن أحرق هتلر منهم الملايين من قبل ويعدون لصدام تؤدي إليه السياسات الأمريكية العدوانية التي تغذيها أفكار المحافظين الجدد واليمين المتطرف في أمريكا‮.. ‬النموذج المصري الديمقراطي بنكهته المصرية المتسامحة التي تستمد جذورها من الحضارات التي توالت عليها وصهرتها في النهاية الحضارة الإسلامية،‮ ‬الحضارات الفرعونية المصرية،‮ ‬والهيللينية اليونانية،‮ ‬والرومانية المسيحية الغربية التي عارضها المسيحيون المصريون الشرقيون‮.‬هذا النموذج سيقود مسيرة التطبيق الديمقراطي في العالم العربي،‮ ‬علي الأقل،‮ ‬إن لم يمتد تأثيره إلي العالم الإسلامي بل العالم كله‮.. ‬سنقدم نموذجاً‮ ‬ديمقراطياً‮ ‬يستلهم حضارة أخري‮ ‬غير تلك الغربية التي تستمد جذورها من تراث يهودي مسيحي فقط،‮ ‬بينما يستمد النموذج المصري جذوره من تراث إسلامي‮- ‬مسيحي‮ - ‬يهودي‮.. ‬نموذج مصر الديمقراطي سيقدم نموذجاً‮ ‬ثالثاً‮ ‬في البلاد الإسلامية في إقليم الشرق الأوسط بعد النموذج الإيراني الذي أثار فزع كثيرين بينما هو خاص جداً‮ ‬بالمذهب الشيعي،‮ ‬والنموذج التركي الذي أثار إعجاب كثيرين بسبب المزج بين العلمانية والتيار المحافظ ذي الجذور الإسلامية،‮ ‬بعد نموذج سعودي خاص جداً‮ ‬أيضاً‮ ‬قدّم من قديم تفسيراً‮ ‬مغالياً‮ ‬في المحافظة بسبب النشأة بين أسرة حاكمة ومذهب سني ليس معروفاً‮ ‬في بقية أنحاء العالم الإسلامي،‮ ‬ويتبع تقاليد شورية عربية تراثية فقط وتتقدم فيه الإصلاحات ببط‮.. ‬طالبان كنموذج لم تستمر طويلاً‮ ‬ولن تعود في الأغلب بعد الثورات المتتالية في العالم العربي والإسلامي،‮ ‬وكان معادياً‮ ‬للفكرة الديمقراطية من الأساس‮.. ‬السودان يجاهد للبقاء كدولة موحدة بعد ان جاءت حكومته بانقلاب عسكري ولم يتحول إلي الديمقراطية حتي الآن فلم يتم أي تداول للسلطة فيه‮.‬أمامنا إذن ثلاثة نماذج للتطبيق الديمقراطي‮: ‬الإيراني ذو مذهبية خاصة جداً‮.. ‬التركي وهو ذو خلفية تاريخية خاصة جداً‮.. ‬المصري الذي يولد الآن،‮ ‬وهو أمل لبقية شعوب العالم الإسلامي السني‮.. ‬هذه التحديات واجهتها مصر وتفاعل معها المصريون قبل ستين سنة عندما قام الجيش المصري بحركته في يوليو‮ ‬1952‮ ‬التي تحولت إلي انقلاب ثم أيدها الشعب فكانت ثورة‮.. ‬حققت‮ "‬يوليو‮" ‬إنجازات علي الصعيد الاقتصادي والاجتماعي بينما فشلت تماماً‮ ‬في التحدي الديمقراطي واحترام كرامة الإنسان فكانت المعتقلات والتعذيب والقتل خارج القانون والإقصاء والعزل السياسي‮.‬أملنا اليوم أن يتوحد المصريون رغم اختلافاتهم وخلافاتهم الطبيعية والضرورية لأي نظام ديمقراطي من أجل مواجهة تلك التحديات وأن ينخرطوا فوراً‮ ‬في حوار مجتمعي ثقافي وفكري دون ضغوط نفسية أو إغراءات خارجية أو تقليد للغرب من أجل إنجاز دستور مدني ديمقراطي متوازن يحقق آمالنا جميعاً‮ ‬كعرب وليس‮ ‬كمصريين فقط في أن نتبوأ مكاننا بين الأمم تحت الشمس‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل