المحتوى الرئيسى

تأملات حول‮ »‬الثورة الجارية‮«‬

03/21 22:01

لقد اعتدت التركيز في كتاباتي علي قضايا الأمن الدولي والأقليمي وعملية السلام في الشرق الأوسط،‮ ‬ونزع السلاح،‮ ‬وفي الآونة الآخيرة علي مسألة بلورة نظام دولي عادل ورشيد،‮ ‬وإنما أعتقد أن الأحداث المصرية التاريخية اعتباراً‮ ‬من‮ ‬25‮ ‬يناير الجاري،‮ ‬تجعل من الملائم البدء ببعض الملاحظات والتأملات حول الوصع المصري الداخلي،‮ ‬قبل الانتقال إلي المنظور الدولي أو القضايا الخارجية فيما بعد‮.‬‮"‬أم الدنيا‮"‬،‮ ‬هكذا يسعد المصريون عادةً‮ ‬وصف بلادهم،‮ ‬إلي أن أصبحوا في الأعوام الأخيرة أقل ثقة في أنفسهم،‮ ‬مترددين في إستخدام هذا الوصف،‮ ‬لشعورهم أن نفوذهم الإقليمي والدولي ينكمش،‮ ‬ثم بدأت ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير،‮ ‬فأصبحت مصر مجدداً،‮ ‬ولمدة ثمانية عشر يوماً،‮ ‬محط إهتمام العالم التي أدهش شبابها الجميع بمصداقيته وإلتزامه السلمي،‮ ‬فإلتف حوله المجتمع بمختلف اعماره وفئاته وإنتماءاته‮ ‬،‮ ‬بغية المشاركة في تحديد مستقبل مصر‮.‬من محاسن الصدف أن مقر إقامتي يقع علي ما يقرب من تسعين مترا من مدخل ميدان التحرير،‮ ‬وبالتالي تمكنت من متابعة سير الأحداث ومشاعر الحشود في الميدان بشكل مباشر ومتواصل‮. ‬وبالنسبة لي شخصيًا،‮ ‬جاء دليل التغيير مبكرًا،‮ ‬وتمثّل ذلك في رد فعل مجموعة من شباب المتظاهرين من أنجال وكريمات الأقارب والأصدقاء،‮ ‬الذين حضروا الي منزلنا مع بداية حظر التجوال الأول،‮ ‬فعرضت عليهم المبيت،‮ ‬علي اعتبار أن حظر التجوال قد بدأ،‮ ‬وكان الرد المدوي هو‮: "‬من يحدد حظر التجوال؟ هذا وطننا وسنتظاهرحتي يستمعوا لنا‮." ‬وبعد دقائق،‮ ‬نزلوا مرةً‮ ‬أخري إلي الميدان‮.‬مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في سبتمبر‮ ‬2011‮  ‬كانت مصر متجهة نحو الصدام السياسي‮. ‬ومع ذلك،‮ ‬فمعظم السياسيين المصريين،‮ ‬بما فيهم أنا شخصيًا اندهشوا من توقيت التظاهرات،‮ ‬ولم يتوقعوا أن تفضي نتائجها إلي استقالة الرئيس السابق في فبراير‮. ‬ومن المفارقة أن مصر في عهد مبارك كانت في الحقيقة أكثر ليبرالية من مصر في عهد عبد الناصر أو السادات،‮ ‬فيما يتعلق بحرية التعبير في مجال الاعلام‮. ‬وإنه في أول خمسة عشر عامًا من عهده استطاعت مصر أن تعيد تثبيت أقدامها،‮ ‬وبناء أساس اقتصادها وإتسعت المساحة المتاحة للإعلام إلي حد ما،‮ ‬اما الخمسة عشر عامًا التالية،‮ ‬فقد فاقت السلبيات الانجازات،‮ ‬مع تحوِل النظام من نظامٍ‮ "‬حاكم‮" ‬إلي آخر‮ "‬سلطوي‮"‬،‮ ‬بكل ما في ذلك من مآخذ وسلبيات من خروقات لحقوق الإنسان،‮ ‬وفساد بما لا يتمشي مع معايير العصر،‮ ‬أوطموحات الشعب المصري‮. ‬وغني عن القول،‮ ‬فكانت نقطة التحول الرئيسية هي رفض النتيجة الفجة للإنتخابات البرلمانية في نوفمبر‮ ‬2010‮ ‬ثم أشعل بارود تونس الزيت المسكوب‮.‬وفي تقييم الأسباب وراء هذه الأحداث التاريخية،‮ ‬أعتقد أن أهمها أن الشباب ممن هم دون ال25‮ ‬من العمر يشكلون‮ ‬56‮ ‬بالمائة من تعداد سكان مصر‮. ‬ومن أهم صفات فئة‮  ‬الشباب عن‮ ‬غيرها القلق،‮ ‬والحماس‮ ‬،والنشاط،‮ ‬والثقة بالنفس،‮ ‬والقدرة علي التواصل‮. ‬وعلي الجانب الاخر،‮ ‬كان هناك القطاع الحاكم،‮ ‬والذي يتراوح عمره بين‮ ‬60‮ - ‬80‮ ‬عامًا‮ - ‬عدا قطاع رجال الأعمال‮- ‬وقد أدي هذا الانقسام إلي فجوة فكرية واسعة بين الحاكمين والمحكومين،‮ ‬كل منهما يري المجتمع والمستقبل بشكل يختلف تماماً‮ ‬عن الآخر‮.   ‬ترتب علي ذلك فشل النظام المصري في استيعاب ما يحدث خلال التظاهرات المستمرة،‮ ‬وأساءة تقدير جدية ومثابرة الشباب الثائر.كان النظام أيضًا ضريرًا فيما يتعلق بصحوة المجتمع المصري الذي تزايد سخطه،‮ ‬خاصةً‮ ‬بعد موقعة الجمال المخزية،‮ ‬وما تلاها من معارك استمرت طوال الليل في ميدان التحرير،‮ ‬ودون تدخل من أحد،‮ ‬وكان رد فعل النظام خلال الثمانية عشر يومًا متأخرًا،‮ ‬ومجزأ،‮ ‬وفي شكل ضعيف مؤديًا في نهاية المطاف إلي تأجيج المطالب المتزايدة من قِبَل المتظاهرين‮ ‬،وتصاعد مساندة المجتمع المصري‮. ‬ومن اللافت للنظر أن ثقة المتظاهرين قد إزدادت بعد خروج الجيش المصري ونزوله إلي الشارع إيماناً‮ ‬بأنه لا يستخدم السلاح ضد المواطنين المدنيين،‮ ‬وكانت مجرد مسألة وقت قبل تصاعد الاحتكاك المحتمل،‮ ‬ويضطر الجيش إلي الاختيار بين استخدام القوة أو مساندة المتظاهرين‮. ‬وكما ذكر مسئول عسكري بعد ذلك،‮ ‬فإن‮ "‬الوقوف بجانب الشعب كان أمرا مسلّما به‮."‬من الصعب أن تعود مصر سياسيًا الي ما قبل‮ ‬25‮ ‬يناير؛ فما حدث يمثل صحوة مجتمعية مذهلة قادها الشباب وإشترك فيها المجتمع،‮ ‬و"سيطرت‮" ‬هذه‮ "‬الثورة الجارية‮" ‬سياسياً‮ ‬علي البلاد أغلب مراحل التظاهر،‮ ‬والتحدي أمامنا الآن هو أن تسود نفس الروح الإيجابية والعزيمة والعمل السياسي لبناء الدولة،‮ ‬وعلينا بناء منظومة تتسم بالشفافية،‮ ‬وتعمل علي تشجيع المشاركة العامة المستدامة،‮ ‬لضمان مصداقيتها،‮ ‬ومنظومة تتجاوب مع التيارات السياسية والإقتصادية والإجتماعية في المجتمع،‮ ‬وتتجنب السلطاوية وفساد الماضي،‮ ‬وكلها نقاط‮ ‬غاية في الأهمية من أجل إيجاد علاقة سوية بين الحاكم والمحكوم في المستقبل‮.‬وكل من تابع الحشود المصرية الضخمة سعياً‮ ‬وراء ممارسة الإستفتاء يوم‮ ‬19‮ ‬مارس تيقن جيداً‮ ‬أن الثورة جارية وإنما لا يزال أمام مصر الكثير قبل الإطمئنان أنها نجحت،‮ ‬ولا أستبعد أننا قد نتعثر في الطريق بين الحين والآخر،‮ ‬لأن تغيير الثقافة السياسية المركزية للحكومة يتطلب الوقت والمثابرة‮. ‬وهناك من علماء السياسة المتحفظون حتي في إستخدام كلمة‮ "‬ثورة‮"‬،‮ ‬قبل توافر دليل واضح علي أن الحصيلة ستختلف بشكل أساسي عما كان عليه الحال قبل ذلك‮. ‬ومع هذا،‮ ‬يجب عدم الإستهانة بالتغيرات التي حدثت في العقلية المصرية‮.‬‮ ‬ولهذا فأنا أسميها‮ "‬ثورة جارية‮"‬،‮ ‬وأولي الخطوات المطروحة بعد ترك الرئيس موقعه وتغير الحكومة هي تغييرات محدودة في الدستور،‮ ‬من أجل تمكين انتخابات حرة ونزيهة لممثّلينا في البرلمان،‮ ‬والانتخابات الرئاسية،‮ ‬علي أن تكون هذه بمثابة خطوة إنتقالية إلي أن نعيد النظر في الدستور بأكمله،‮ ‬والذي كان السبيل الذي كنت ولازت أفضله،‮ ‬مما دفعني للتصويت ضد التعديلات الدستورية المقترحة‮. ‬وبصرف النظر عن أن نتيجة التصويت علي التعديلات الدستورية جاءت في‮ ‬غير الإتجاه الذي كنت أفضله،‮ ‬فأدعو الجميع ممن صوتوا بنعم أو لا،‮ ‬وأدعو مؤسسات الدولة من المجلس العسكري الأعلي إلي الحكومة إجراء مناقشة سياسية وشعبية عامة حول قضايا عديدة حتي قبل المشروع في إعداد دستور مصري جديد‮. ‬تتضمن ما إذا كنا سننتقل إلي نظام رئاسي معدل أم إلي نظام برلماني،‮ ‬وهو نقاش يحتاج إلي فسحة من الوقت،‮ ‬وأتوقع أن تتعدي الشهور الستة التي اقترحها المجلس العسكري لنقل السلطة إلي جهاز مدني‮. ‬وغني عن القول،‮ ‬هناك تناقض ظاهري بين الحاجة لوقتٍ‮ ‬أكثر للنقاش،‮ ‬والإهتمام بالإنتقال إلي حكم مدني بدلاً‮ ‬من حكمٍ‮ ‬عسكري،‮ ‬إلا أني أعتقد أن هناك حلولا عديدة،‮ ‬طالما صدقت النوايا،‮ ‬ولا يوجد سبب‮  ‬ملموس يمنع مصر من الإتفاق عليها،‮ ‬في ضوء الإعجاب الذي يحظي به الجيش المصري من قبل الشعب لمواقفه خلال الأسابيع القليلة الماضية،‮ ‬وفي ظل الإهتمام الشعبي المتنامي،‮ ‬بوضع الأسس السليمة للدولة المدنية الحديثة‮.‬تتابع الدول العربية التطورات المصرية عن قرب لإعتبارات عديدة أهمها إستجلاء ما إذا كانت الثورة ستكتمل بإقامة دولة مدنية صحيحة وسليمة يتم فيها تداول السلطة،‮ ‬ولا يخفي علي أحد أنه منذ أن توالت الأحداث في مصر،‮ ‬اندلعت التظاهرات في الجزائر وليبيا والأردن والبحرين وسوريا وإيران‮. ‬ورغم أن لكل حالة خصوصيتها وأسبابها،‮ ‬وظروف تكوينها وحلولها،‮ ‬إلا أن السمة المشتركة بين جميع تلك الحالات،‮ ‬حتي وإن لم تكن السبب الوحيد لإندلاعها،‮ ‬هي الرغبة في المزيد من الديمقراطية والمشاركة السياسية،‮ ‬والحكم الرشيد،‮ ‬وهي مطالب شعبية عربية مشروعة يجب الإستجابة لها،‮ ‬وطالما توصلت الحكومات إلي علاقات صحية وتلاحمت مع شعوبها وفقاً‮ ‬لهذه المعايير،‮ ‬كلما توصلت إلي نتائج أمنة ومرضية‮.‬ويتابع الأحداث المصرية أيضاً‮ ‬المجتمع الخارجي بعين قلوقة علي مصالحه قصيرة الأجل وعين ثاقبة علي مصالحه علي المدي الطويل‮. ‬وإذا كان تحقيق الديمقراطية في مصر والعالم العربي يحظي بمساندة الدول الديمقراطية حول العالم من حيث المبدأ،‮ ‬فحتي الدول الديمقراطية تترنح‮  ‬عندما يصبح الالتزام بالمباديء‮ - ‬علي الأقل علي المدي القصير‮ - ‬مكلّفا من الناحية السياسية،‮ ‬والأمنية،‮ ‬أو الاقتصادية‮. ‬ولقد تابعت مناقشات عدة بين الأمريكيين والأوروبيين وغيرهم وجميعهم ينتابهم قلق مدفون،‮ ‬سواء ممن هم معنيون بالعلاقات الثنائية،‮ ‬أو ممن يرتكز اهتمامهم علي ضمان إستدامة تدفّق النفط بسعر معقول،‮ ‬وفي إعتقادي أن قلقهم هذا في‮ ‬غير محله،‮ ‬إذا كانوا بالفعل ملتزمين بإدارة علاقاتهم الدولية وفقاً‮ ‬للقانون الدولي والعدالة والحق‮.‬ورسالتي لهم تتلخص في أن العرب والمسلمين وشعوب الشرق الأوسط هم بشرٌ‮ ‬مثلكم،‮ ‬لا أكثر ولا أقل،‮ ‬يسعون مثلكم علي المستوي المحلي والإقليمي والعالمي من أجل الحصول علي حقوقهم وعلي معاملة تحقق لهم المساواة‮. ‬وأنبههم أن الأنظمة العربية الديموقراطية لن تقبل بالإزدواجية في المعايير،‮ ‬واغتصاب حقوقهم وحرياتهم،‮ ‬وستكون أكثر الحاحًا في تنفيذ مطالبهم،‮ ‬مثل كل النظم الديمقراطية حول العالم،‮ ‬التي تتمتع بمواقف استراتيجية ثابتة وعقلانية‮. ‬وإنما عليها الإستجابة لتطلعات وحسابات شعوبها علي المدي القصير‮.‬بإختصار،‮ ‬من وجهة النظر الإستراتيجية،‮ ‬مثلها مثل الشعوب الأخري لا تتحرك المواقف الإستراتيجية العربية سريعاً،‮ ‬وإنما نأمل أن يصبح العالم العربي أكثر مشاركة في العمل الدولي،‮ ‬وأقل إعتمادًا علي القوي الخارجية،‮ ‬وإذا قامت دول منطقة الشرق الأوسط‮ ‬غير الغربية بمسعي جاد لحل المشكلات الإقليمية علي أساس المساواة في الحقوق والواجبات،‮ ‬فإني لا أري مدعاة للقلق من قبل الدول الأجنبية،‮ ‬وإذا كانت الأطراف الدولية تدعو للديمقراطية والمساواة،‮ ‬ليس فقط في ما يتعلق بالشئون الداخلية للدول،‮ ‬وإنما كذلك مابين الدول بعضها علي الساحة الدولية،‮ ‬مرةً‮ ‬أخري فإني لا أري داعي كبيرا للقلق‮. ‬وكلما أصبح صوت الشعوب التي تمارس حقوقها الديمقراطية أكثر وضوحًا قي كل بلاد العالم العربي ستصبح نفس هذه الأصوات أكثر وضوحًا وعزمًا في الممارسات اليومية فيما يتعلق بالعلاقات الدولية،‮ ‬بما يضمن للشريك الأجنبي علاقات متواصلة مع الدول العربية وشعوبها خلال الأعوام القادمة‮.‬‮> ‬عميد كلية الشئون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وسفير مصر السابق للولايات المتحدة واليابان

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل