المحتوى الرئيسى

صحافية أمريكية ترصد انتقال الثورة من التحرير لصحيفة "الأهرام"

03/21 15:48

دبي - العربية.نت هبّت رياح التغيير على الإعلام والصحافة المصرية، بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، ولعل هذا ما لفت انتباه العديد من الصحافيين والمتابعين للشأن المصري، ومنهم الصحافية أورسولا ليندسي، التي كتبت تقريراً مطولاً نشرته صحيفة "نيوزويك" الأمريكية، وترجمته عنها "النهار" اللبنانية. وكتبت الصحافية الأمريكية مستعرضة تاريخ ومسيرة "الأهرام" قائلة: صحيفة "الأهرام" التي تأسست عام 1875 من أقدم الصحف في العالم العربي. أمّمها جمال عبدالناصر بعد الانقلاب الذي نفّذه الضباط الأحرار عام 1952، وكانت صحيفة رائدة في مرحلة معيّنة تنشر روايات نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل، على حلقات. خدمة النظام لكن في العقود الأخيرة أصبحت الصحيفة المملوكة من الدولة رمزاً للمحسوبيات والفساد وعدم الكفاءة التي تعاني منها مؤسسات كثيرة في مصر. وقد جعلها تفانيها الصاغر لرواية النظام عن التاريخ وتجاهلها الفاضح للواقع موضوع نكات لا تنتهي. لكن الوضع تغيّر بعد 12فبراير/شباط. ففي اليوم الذي أعقب سقوط حسني مبارك الذي حكم مصر لفترة طويلة، أعلن العنوان الرئيس على الصفحة الأولى "الشعب أسقط النظام". وصلت روح ميدان التحرير إلى غرفة الأخبار القديمة. وتناولت الصحافية، حتى تكوين المبنى، ووصفت مكاتب الصحيفة الواقعة في وسط القاهرة بأنه متاهة من الغرف شبه الفارغة حيث يتنقّل عمّال المكاتب حاملين أكواباً من الشاي ورزماً من الورق. تتبعثر أجهزة كمبيوتر "آبل" جديدة في المكان، ولايزال بعضها مغلّفاً بالبلاستيك، لكن معظم المحرّرين يكتبون المقالات ويصحّحونها يدوياً، ويرسلونها إلى الطبع بواسطة مصعد صغير قديم. معركة على مستقبل الصحيفة تحوّلت هذه المكاتب التاريخية لمسرح غير متوقّع لدراما عصرية تضع نظاماً قديماً يحاول إعادة اختراع نفسه في مواجهة جيل شاب مفعم بحماسة الثورة. طرد حشد غاضب من الموظفين أحد المحررين بالقوة من مكتبه. ونظّم الصحافيون تظاهرات أمام مكاتب الصحيفة الممتدّة على مساحة واسعة في وسط القاهرة للاحتجاج ضد المديرين الكبار الذين يصفونهم بالفاسدين نظراً إلى السنوات الطويلة التي أمضوها في خدمة النظام. في هذه الأيام، تعجّ الأروقة المتاهية بالحركة. يتهامس المراسلون "هل سمعتم؟" لا يناقشون فقط الأنباء الواردة من الخارج، أي موجة التعيينات والمحاكمات والاحتجاجات والصدامات التي تجتاح مصر. فما يثير انتباه الجميع هو المعركة على مستقبل "الأهرام". ونقلت أورسولا في تحقيقها عن المحرر أحمد عامر قوله: "كان هناك سقف لحريتنا". يعمل على كتابة خبر عن صفقة أراضٍ غير قانونية متورّط فيها رئيس مجلس الشعب السابق. وكان عنوان الصفحة الأولى في العدد الأخير للصحيفة يعلن "سقوط" جهاز مباحث أمن الدولة الذي كان يزرع الخوف في البلاد، بعدما اقتحم المتظاهرون مكاتبه. تمرّد على إدارة التحرير على غرار صحف أخرى في مصر، تنشر "الأهرام" الآن أخباراً ومقالات لم يكن نشرها وارداً قبل أشهر قليلة. لكن البعض يقولون إنه مجرد تغيير شكلي. وتقول صباح حمامو، وهي من الصحافيين الذين يقودون تمرداً صغيراً داخل "الأهرام": "ليس تصرفاً ذكياً أن تغيّر سياستك التحريرية 180 درجة في يوم واحد. يمكنك أن تكون أكثر موضوعية. لكن لا يجوز أن تصبح موالياً للثورة فيما كنت قبل يوم واحد فقط موالياً لمبارك". حمامو، امرأة محجّبة صغيرة القامة في منتصف العقد الرابع من العمر، وتخفي خلف ملامحها البريئة طبعاً حاداً. في حين قلّل كبار المحرّرين المسؤولين عنها من أهمية الاحتجاجات وشوّهوا سمعتها، كانت حمامو تنام في ميدان التحرير وتعرض على مدوّنتها أشرطة فيديو تُظهر العنف المستخدم ضد المتظاهرين. يقول صحافيون كثر إنه من أجل حدوث تغيير حقيقي يجب أن يتنحّى أيضاً رئيس مجلس إدارة "الأهرام" وكبار محرّريها الذين عُيِّنوا في عهد مبارك، ويعتبر الصحافيون أنهم دمّروا صدقية الصحيفة من خلال دعمهم المطلق له. وقّعت حمامو ومئات الزملاء رسالة اعتذار للقرّاء على التغطية المخادعة التي تقوم بها الصحيفة، لكن كبار المحررين رفضوا نشرها. وتأتي في رأس مطالب الصحافيين استقالة رئيس التحرير أسامة سرايا الذي دافع العام الماضي عن صورة جرى تركيبها عبر برنامج "فوتوشوب" ويظهر فيها الرئيس حسني مبارك متقدماً على قادة آخرين في الشرق الأوسط والرئيس أوباما، واصفاً الصورة المعدَّلة بأنها تصوير "تعبيري" لـ"المكانة البارزة" التي يتمتع بها مبارك، وكذلك استقالة رئيس مجلس الإدارة عبدالمنعم سعيد الذي اعتبر أن السبب وراء الانتصار الكاسح الذي حققه الحزب الحاكم في الانتخابات التشريعية الخريف الماضي هو "مقاربته العلمية المدوزَنة بعناية" و"برنامجه المصمّم بدقّة شديدة" (وكانت الانتخابات موضع شجب واستهجان إذ اعتُبِرت أنها الأكثر تزويراً في التاريخ المصري الحديث، وحُلّ مجلس الشعب بعد أيام من إطاحة مبارك). كتب سرايا في رسالة بالبريد الإلكتروني موجّهة إلى "نيوزويك" أنه كانت لصحيفته "صلة قوية بالنظام، وهذه طبيعة كل الصحف الوطنية... نحن ضحايا النظام، عملنا في ظله ولسنا مجرمين يمكن توجيه تهم إليهم، سواء من زملائنا أو من صحف أخرى. المسؤولية جماعية، مع أنني أتحمّل مسؤوليتي الشخصية". أما رئيس مجلس الإدارة، سعيد، فيقول إنه لطالما كان إصلاحياً داخل حزب مبارك، والسبب الوحيد الذي حال دون استقالته هو أن القوات المسلحة لم تعيّن خلفاً له. ويضيف "أريد في الواقع الاستقالة إذا كان هناك من يتولّى المؤسسة مكاني. لكن لمن أعطيها؟ لا يمكنني أن أتركها للشعب كي يديرها. لا يمكنني تسليم المفاتيح وحسب". ونظّم المراسلون اعتصامات عدة خارج مكتب سعيد. وبعد اجتماع عقده مجلس الإدارة في الآونة الأخيرة، اقتحم عشرات المراسلين مكتب سعيد وأطلقوا الاتهامات في وجهه. سأل أحد الصحافيين غاضباً "من يمثّل مجلس الإدارة هذا؟". وقالت الصحفية، يبدو أن الحرس القديم في "الأهرام" وصحف حكومية أخرى يشنون هجوماً مضاداً. فقد اتصل أحدهم ببرنامج حواري تلفزيوني وأقسم أنه مستعد "للاستشهاد" قبل أن يتخلّى عن منصبه. وعندما توجّهت حمامو وثلاث مراسلات إلى مكتب سعيد لطلب عقد اجتماع معه، استدعى السلطات العسكرية وعلّق المراسلات عن العمل إلى أجل غير مسمّى لأنهن "يتسبّبن بالإزعاج". يقول إنهن كنّ "يصدرن ضجة، ويرمين الأوراق، ويشتمن الأشخاص، ويطلقن الاتهامات". لكن على الأرجح أن الإزعاج سيستمر بمختلف أشكاله. فقد اشتكى المرشّح الرئاسي محمد البرادعي الحائز على جائزة نوبل للسلام من أن صحيفة "الأهرام" تواصل تحريف مواقفه. ودعا إلى تغيير الإدارة العليا في كل وسائل الإعلام الرسمية. وفي عصر أحد الأيام، تجمّع عشرات المراسلين خارج مكاتب الصحيفة مطلقين شعارات ضد إدارة الصحيفة. وراح الآخرون يراقبونهم من نوافذ مكاتبهم. فصرخ أحد الصحافيين: "لا تخافوا! انزلوا!" وفي إحدى قاعات المؤتمرات في الداخل، أجرى صحافيون معارضون استطلاعاً لاختيار لائحة بالمرشّحين للمناصب العليا في الصحيفة، فألقوا في صندوق كرتوني بأوراق دوّنوا عليها اقتراحاتهم. وقال المراسل محمد حربي الذي أشرف على التصويت: "إنها خطوة أولى. المهم هو أننا نؤمن بما نفعله". وفيما كان المراسلون يجرون انتخاباتهم غير الرسمية، كان مدير التحرير عبدالعظيم درويش يجلس في مكتبه العابق بالدخان، وقد أقرّ بأن "الأهرام" "تأخّرت" في تغطية الانتفاضة ضد مبارك. أما الآن "فقد تغيّر النظام، ونحن نعكس ما يجري في مجتمعنا"، بحسب قوله. يوافق درويش على وجوب استقالة رئيس التحرير، لكنه يصف مطالب المراسلين بالسماح لهم باختيار الإدارة الجديدة بأنها "غير عملية". "الأهرام" كيان ضخم يتضمّن عشرات المنشورات، وشركة للطباعة والتوزيع، ووكالة إعلانات، ومساحة عقارية كبيرة. يبدو أن الاحتجاجات لا تحدث خللاً في سير العمل في الصحيفة، وعلى الأرجح أن السبب هو أنها تضم عدداً كبيراً ومستهجناً من الموظّفين، فهي تستخدم بين 800 و1200 مراسل. ويُرجع النقاد هذا الأمر إلى أنه طوال عقود كانت الوظائف في الصحيفة تُوزَّع للأشخاص على سبيل الانتفاع والمحسوبيات. تقول وفاء وحيد التي تعمل في قسم الإعلانات في الصحيفة: "يتقاضى أقرباء المديرين الكبار رواتب طائلة من دون أن يأتوا أبداً إلى العمل". تقول حمامو إن المؤسسة تقاوم التغيير لأن أحد المعايير الأساسية للحصول على وظيفة وترقية هو أن يكون للشخص رابط مع النظام. وتضيف "معركة الأهرام، ثورة الأهرام، أصعب بكثير من ثورة ميدان التحرير". وتمضي الصحافية الأمريكية في تحقيقها إلى القول: تكثر المزاعم عن الفساد، ويستحيل عملياً الحصول على صورة واضحة عن الأوضاع المالية للصحيفة. يقول ممدوح الوالي، أحد كبار المراسلين الماليين في الصحيفة، إن الوكالة الحكومية التي كانت تدقّق في الحسابات المالية لصحيفة "الأهرام" كانت ترفع تقاريرها مباشرة إلى الرئيس ورئيس الوزراء، ولم تصدر تقريراً منذ عام 2008. ويضيف أن أرقام التوزيع والأرباح "لا تتمتّع بأي صدقية. هناك تعتيم كامل". يقول الوالي إن التقرير المالي الذي اطّلع على محتواه أظهر أن "الأهرام" قدّمت عام 2008 هدايا لا تقل قيمتها عن 4.3 ملايين دولار لكبار السياسيين ورجال الأعمال، وبينها مجوهرات من الذهب وأدوات كهربائية وهواتف خلوية وساعات. أما مكاسب المديرين الكبار فتثير مزيداً من التكهّنات والسجالات. تشير معلومات إلى أنهم يتقاضون نسبة مئوية من عائدات الإعلانات والتوزيع، ما يعني أن دخلهم الحقيقي "يساوي راتبهم الرسمي مضاعفاً مرات عدّة"، كما يقول الوالي. يقول هشام قاسم، وهو ناشر أدار العديد من المنشورات المصرية المستقلة: "لا أرى أي سبيل ليصمد إعلام الدولة" أمام التغييرات التي تجتاح البلاد. ويضيف "فقدَ صدقيّته بالكامل"، و"لا سبيل لإعادة هيكلته وإدارته بطريقة مربحة". ويقول الوالي إن الأهرام "استبدلت قدسية الرئاسة بقدسية المجلس الأعلى للقوات المسلحة" الذي يدير الآن البلاد وتحرص الصحيفة جيداً على تفادي انتقاده. يقول الوالي: "نريد تغييراً حقيقياً لا سطحياً. لا يزال منزلنا غير منظَّم".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل