المحتوى الرئيسى

دفاعا عن اللغة العربيّة بقلم:عبد الرزاق قيراط

03/20 23:16

كيف تتصالح الأمّة العربيّة مع لغتها؟ ما هي الأسباب التي ساهمت في تغييب اللغة و إضعافها لدى الخاصّة و العامّة كما يرى الباحث نبيل بنعمرو* الذي يعتقد أنّ ازدراء اللغة العربيّة من أهلها ظلم كبير لها؟ ما هي الأسباب التي أدّت إلى ذلك الضعف المزعوم و أنتجت ذلك الازدراء؟ تلك أسئلة لا بدّ من طرحها اليوم بعد الثورة التي ساهمت في مصالحة المواطن العربيّ مع هويّته. لا حياة للغة بدون ممارسة. والممارسة تنقسم إلى أنشطة محدّدة منها ما يتّصل بالمكتوب فهما و إنتاجا و منها ما يتّصل بالمسموع فهما و إنتاجا. فإذا انعدمت هذه الأنشطة أو إحداها تكون النتيجة ما يسمّيه بعضنا ضعف اللغة و ما يراه بعضنا الآخر قصورا بنيويّا. غير أنّ الأسباب التي أدّت ـ في نظرنا ـ إلى هذا الحكم متعدّدة فمنها ما يتّصل بعوامل نفسيّة ترتبط بدورها بالعامل التاريخيّ الاستعماريّ. ومنها المتعلّق بعوامل سياسيّة. فكيف نعالج هذه العلل؟ تتصل العلّة النفسيّة بفئة اجتماعيّة تزدري اللغة العربيّة و تراها متخلّفة بكلّ ما في الكلمة من بساطة و خطورة فتلجأ إلى التعامل بلغة أجنبيّة في حواراتها اليوميّة سواء كان ذلك في البيت أو في الشارع، و تلك اللغة غالبا ما تكون لغة الاستعمار السابق التي بقيت رمزا لنوع من الاستعلاء و النبل. لذلك لا نستغرب أن تختار هذه الفئة المدارس الأجنبيّة لأبنائها بما يترجم ثقتها في النموذج الأجنبيّ لغة و ثقافة على حساب النموذج المحلّيّ. غير أنّ هذه الفئة تتعرّض في أحيان كثيرة إلى مصاعب عدّة في تعاملها مع الواقع المحيط بها الأمر الذي يضعها في موقف المتسائل عن جدوى اختياراتها الثقافيّة و خطورتها حين تنتج أفرادا منبتّين عن المجتمع الذي يعيشون فيه. و قد لاحظنا في تونس ما بعد الثورة أنّ الكثير من هؤلاء عبّروا عن رغبة متنامية في المصالحة مع محيطهم فاختلطوا أكثر بعموم الناس من مختلف الفئات و توجّهوا إلى الإعلام المحليّ الناطق باللغة العربيّة و اهتمّوا بالشأن الوطنيّ و حاولوا الانضمام إلى هياكله الفاعلة و هي تجلّيات تعكس المصالحة على مستويات ثلاث اجتماعيّ و ثقافيّ و سياسيّ. و أمّا العلّة السياسيّة فعلاجها تعزيز القناعة لدى أصحاب القرار بضرورة التفكير في إصلاحات عاجلة لمؤسّسات التعليم و ذلك باتخاذ اللغة العربيّة وسيلة لتدريس العلوم حتّى يثبت للجميع قدرتها ـ التي لا شكّ فيها ـ على التعامل مع كلّ العلوم دون استثناء. فلا يمكن تحقيق المصالحة بين المجتمع و لغته دون تعريب و لا يمكن للتعريب أن ينجح دون إصلاحات تشمل البرامج و إطار التدريس الذي يحتاج إلى تكوين مستمرّ لمواكبة العصر و الإلمام بكلّ جديد في مجال تطوير التعليم من حيث الأساليب والمضامين. و يحتاج كلّ هذا إلى موارد ماديّة لا تنقصنا في العالم العربيّ بقدر ما ينقصنا الرجال الشجعان الذين يتّخذون هذا القرار و لا يتراجعون عنه. كما يجب أن يشمل الإصلاح طرائق تدريس اللغة العربيّة نفسها. و لعلّ المتأمّل في الكتب المدرسيّة لتعليمها، يلاحظ مدى الحاجة إلى رؤية جديدة تتعامل مع لغتنا باعتبارها لغة حيّة لا لغة تاريخ عربيّ سحيق فقط. فلا بدّ من تنويع أكثر للمقرّرات و الوثائق المدروسة إذ لم يعد تعلّم اللغة العربيّة منحصرا في النصّ المكتوب بل يجب أن يشمل الصورة بأنواعها و الخبر في الجريدة و و المقطع المسجّل من التلفزيون و موقع الأنترنت و النصّ المسموع في الإذاعة والأغنية، و ما أكثر ما نسمع و ما هو جدير بالدرس،... كلّ ذلك سيخرج العربيّة من لغة الجاهليّة و الماضي السحيق الذي يمكن أن نفتح له نافذة بالطبع و لكنّ النوافذ الأخرى كثيرة و مفيدة أيضا و هي مغلقة في أكثر بلداننا العربيّة لأنّ القائمين على الشأن التعليميّ يصرّون على القطيعة بين اللغة و محيطها الحاضر بدافع الخوف. السلطة الحاكمة تقرّر بمفردها فتختار النصّ الذي تراه صالحا و ترفض الخروج عنه. غير أنّ الثورة التي تفتح الأبواب المغلقة و تفتح المجال للرأي الآخر من شأنها أن تتحقّق الانفتاح المنشود على المجتمع و قضاياه ليكتشف طلاّبنا لغة عربيّة قريبة منهم ومن قضاياهم، فيقبلون على تعلّمها برغبة حقيقيّة. و بذلك فقط نؤسّس لجيل ينتمي إلى لغته و ثقافته انتماء طبيعيّا فيحميها من المظالم التي تعانيها اليوم حين يكتب بها غدا في جميع المجالات العلميّة. التعليم المتطوّر هو الحلّ لإصلاح الخلل و هو الحجر الذي سيصيب جميع الغربان التي تنعق أصواتها المعادية للّغة العربيّة لتسكتها نهائيّا. إنّه ليس صدفة أن تختار فرنسا و بريطانيا و أمريكا و روسيا و ألمانيا العربيّة لغة لمحاورتنا فنظرة سريعة من حولنا تكشف لنا تعدّد القنوات التلفزيونيّة الأجنبيّة التي تتكلّم العربيّة لتخاطبنا بها دون تكلّف أو عجز عن تناول كلّ القضايا حتّى و إن كانت علميّة تكنولوجيّة. و في ذلك دليل على أنّ العامل التاريخيّ الاستعماريّ لم يعد قائما بحدّة لأنّ المستعمر القديم نفسه بدأ يتصالح مع لغة أعدائه السابقين و بدأ يتخلّص من عقدة الاستعلاء, فهل يعقل أن يتصالح الآخر مع لغتنا و نواصل نحن العزوف عنها و الادّعاء عليها ظلما و عدوانا. عبد الرزاق قيراط تونس ـ مارس 2011. ـــــــــــــ * نبيل بنعمرو العربية تلك اللغة الظالم اهلها ـ جريدة القدس العربي ـ عدد 2011-03-13.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل