المحتوى الرئيسى

> صناعة الحاضر والمستقبل

03/20 21:02

مما لاشك فيه أن الحاضر الذي تعيشه البلاد هو صناعة الشباب الذين شكلوا نواة لتحرك شعبي تمكن من ترجمة المشاعر التي كانت تجيش في الصدور، والأفكار التي كانت تدور في العقول، والكلمات التي كانت تهمس بها الشفاه، إلي أفعال ملموسة علي أرض الواقع. فالماضي القريب ساده الشعور والإحساس بوجود الفساد وتراكم المشاكل وتقطع السبل في وقت انقسم فيه المجتمع إلي طبقة محدودة تضم الأغنياء وأصحاب السلطة والنفوذ، وأخري واسعة تشمل شرائح متعددة يجمعها جميعا الخضوع ويتوقف النجاح أو الإخفاق فيها غالبا علي مدي القدرة علي التكيف مع الواقع ودرجة الاقتراب أو الابتعاد من نواة السلطة والنفوذ ومحيطها الخارجي، ومع الثورة علي هذا الواقع والتي شكلت قطبا جاذبا لكافة قطاعات الشعب التي تكاتفت في مواجهة حاسمة مع الماضي بدأت أولي معالم الحاضر في التحقق من خلال الإطاحة بالوضع الذي ساد خلال عقود وتناقضت فيه التصريحات الرسمية مع الحقيقة المُعاشة للجميع في وطن ساده شعور الأغلبية بالغربة. الأمر الذي دفع ببعضهم إلي الخضوع وبالبعض الآخر إلي اعتناق وسائل أخري، مشروعة أو غير مشروعة، لشق طريقهم في الحياة دون أدني اعتبار بمصالح الوطن ومستقبله؛ حيث غلبت المصالح الفردية علي تلك العامة وتلاشت القيم والتقاليد القائمة علي الاحترام والتعاون والانضباط لتترك المجال إلي اللامبالاة والبحث عن المصالح الخاصة والاستهتار وعدم الاكتراث بالقواعد العامة التي لا تطبق إلا علي غير القادرين. ومع حدوث القطيعة مع الماضي الرسمي ورضوخ رأس النظام إلي الضغط الشعبي بعد وصوله إلي قناعة بعدم جدوي الدخول في صراع محكوم عليه مسبقاً الفشل، تزايدت قيمة المواطن صانع الحاضر الذي تهاوت فيه قلاع الماضي واحدة تلو الأخري بما يفتح الطريق أمام مستقبل جديد، وفي المقابل زاد حجم المسئوليات الواقعة علي كاهل ذات المواطن وإن تغيرت طبيعتها، حيث لم يعد هناك ما يبرر استمرار النواقص والاختلال وفردية التصرف، في حين بات عليه المشاركة في اتخاذ القرار والتعاطي مع التحديات الخطيرة التي تعصف بالبلاد. وإذا كان من الممكن في الماضي القريب الإلقاء باللائمة علي قادة النظام فلا مكان لذلك في الحاضر الذي تتكالب فيه التحديات بشكل متزامن وفجائي لتتأكد لدي المواطن الحقائق التي كان يسمعها من قبل وتترسخ صورة مفادها أن ما عهده من تصريحات حتي وقت قريب عن الرخاء والتنمية والإصلاح لم تكن إلا شعارات جوفاء هدفت إلي تحقيق الحد الأدني الذي يسمح باستمرارية النظام من جانب، وتجنيبه الضغوط الخارجية من جانب آخر بغية الوصول إلي معادلة لا تصب في جميع الأحوال في صالح الأغلبية الساحقة من الشعب. وانطلاقا من حقيقة أن الحاضر يمثل نواة المستقبل فإن السؤال الجوهري يتمثل في كيفية تعاطي الشعب في مجمله مع الموقف الراهن والدقيق للانتقال إلي مستقبل أفضل تتحقق فيه الآمال وتتلاشي فيه المخاوف، وحتي لا يكون حديثنا نظريا فإنه يمكن تحديد بعض الملفات التي تفرض نفسها علي الساحة والتي يتوقف عليها المستقبل بشكل كبير، ومن بين هذه الملفات: 1- كيفية تغيير المواطن لذاته ليزيل ما تراكم لديه من معتقدات وسلوك سلبي ارتبط بالماضي القريب الذي مازال حاضرا في الأذهان، خاصة أن مثل هذه التغيرات قد تستلزم بعض الوقت والقدرة علي تشكيل الذات للتأقلم مع مفاهيم جديدة صنعها المواطن بنفسه بشكل عفوي يتطلب الأمر أن تصبح نماذج راسخة للتعامل، فالتحدي الذي قاد إلي نجاح الثورة انتقل الآن ليصبح تحديا داخل كل مواطن لإنجاح نماذج سلوكية واجتماعية جديدة تعطي الأولوية للمصلحة العامة والتحرك الجماعي المنظم. 2- كيفية تجنب الوقوع في نماذج جديدة للحكم تقود بشكل غير مباشر وبعد فترة وجيزة إلي بروز أنماط لا تتفق مع روح الثورة وإن كانت تستمد شرعية منها، فإذا كان الحديث قد دار في الماضي حول ديكتاتورية الفرعون الخالد، فإن المخاوف تثار اليوم من ديكتاتورية الأغلبية البرلمانية في ظل عدم قدرة القوي السياسة الناشئة علي تنظيم صفوفها أو من جراء تنازعها فيما بينها علي الشرعية بما يقود إلي شق الصف وترك الساحة لمن تمكن من قبل من الإعداد للمستقبل حتي وإن كانت فكرة تحقيقه سريعا لم تكن واردة. 3- قدرة المواطن علي استيعاب التغيير والإيمان والاستماع إلي الأفكار الجديدة وتقييمها بعيدا عن التيارات السياسة التي تتجاذبه، فاستسلام المواطن لهذه التجاذبات، وعدم انفتاحه علي الائتلافات والأحزاب الوليدة الجادة يعني بشكل غير مباشر تحمله مسئولية تشكيل المستقبل بشكل قد لا يتماشي مع طموحاته التي عبر عنها من خلال ثورته في الخامس والعشرين من يناير.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل