المحتوى الرئيسى

حتى لا نخذل أنفسنا

03/20 12:00

أعرف أننا فى خضم القلق والخوف على مكتسبات الثورة. تغرقنا التفاصيل موجة وراء أخرى: معركة إزاحة وزارة أحمد شفيق، إعادة هيكلة أمن الدولة، ومؤخرا الدستور. لكن دعونى آخذكم إلى مكان أبعد من ذلك بعض الشىء، فقد قضيت الأسبوع الماضى فى جنوب أفريقيا مشاركة فى مهرجان للكتّاب الأفارقة. وكانت مصر شديدة الحضور بثورتها وبالسؤال عما إذا كانت مصر ستحوز الديمقراطية المأمولة. وقد دفعت الحوارات الخاصة بمصر وبالديمقراطيات الوليدة فى أفريقيا إلى ذهنى بمجموعة أفكار تخص الديمقراطية. أولا: لابد أن ندرك أن ما نرغبه من ديمقراطية هو عملية طويلة الأمد وطولها يعتمد على حكمتنا فى إدارة المرحلة. أعرف أن صبرنا قد نفد مع نظام مبارك الطويل، إلا أن الصبر والجلد والتصميم هى أسلحة الفترة القادمة، فالانتقال بمصر من كونها خرابة سياسية إلى دولة ديمقراطية يتطلب بنية سياسية تحتية تلفظ كل ما هو بلا مضمون وغير مشتبك مع قضايانا الحقيقية. ثانيا، فى إطار تلك العملية طويلة الأمد، على كل منا- أفرادا وجماعات- أن يمارس ديمقراطية حقيقية تقوم على تقبل بعضنا البعض كمصريين يرغبون الخير لهذا البلد، كلٌ بطريقته. ولأن استفتاء الدستور يمثل المحك الأول فعلينا أن نتقبل النتيجة ونفكر فى الخطوة التالية، فمن سيقول «نعم» للتعديلات ليس بخائن.  أما العنصر الأهم الذى يمثل من وجهة نظرى العمود الفقرى لما سبق فهو مسألة البنية الأخلاقية التى بدونها لا يكتب للديمقراطيات النجاح. ففى جنوب أفريقيا التى تتمتع بديمقراطية عمرها 17 عاما، بعد انتهاء الحكم العنصرى للبلاد، لديهم حكومة ورئيس منتخب إلا أن تلك الحكومة تخطط الآن لتشريعات تحد من حرية الصحافة وحرية تداول المعلومات. ستمر تلك القوانين من البرلمان بشكل شرعى رغم أنها غير مرضية للشعب. هل بدأ ساسة الحكم الديمقراطى يخافون على مناصبهم أكثر من احترامهم للشعب الذى انتخبهم؟ يبدو لى أن ثمة تناقضاً عميقاً بين مفهوم «الديمقراطية» وطبيعة «السلطة»، فللسلطة إغراءات تتطلب صلابة أخلاقية لمقاومتها. وإذا عدنا إلى الحالة المصرية لوجدنا أن كل الفئات والجماعات السياسية، سواء الوليدة منها أو تلك التى كان لها وجود فى عصر النظام السابق، لديها نهم للممارسة السياسية. كلنا مثل سجين قضى عقوبة لا يستحقها ثم خرج إلى الحياة فأراد أن يعوض ما فاته. مثل هذا السجين، إن لم يتمتع بوعى كاف، سيقع فريسة لغرائزه التى تم كبحها فى فترة السجن دون مراعاة لآخر. هل ستستخدم الأحزاب ذات الأيديولوجية الدينية نفس أسلوبها القديم لجذب الناخبين؟ هل ستقوم تيارات بتخوين تيارات أخرى؟ إن الرادع الأخلاقى الوطنى هو الضامن الأساسى لسلامة المرحلة. وعلى التيارات السياسية أن تتخلى عن أنانيتها وانتهازيتها واعتقاد كل منها أنها تمثل الحقيقة دون غيرها. على تلك التيارات أن تعرف أن فى الوطن متسعاً للجميع، وأن من يريد أن يلعب سياسة لابد أن يمارس قدرا من التخلى واللاأنانية والتسامح الذى يمكننا من أن نتجاور جميعا من أجل وطن جديد نستحقه ويشرف بنا. كيف يمكن للساسة الجدد فى الساحة المصرية أن يدخلوا دوائر السلطة دون الوقوع فى فخ غرور السلطة وغبائها؟ أعتقد أن هذا هو أحد أسئلة المرحلة التى نمر بها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل