المحتوى الرئيسى

أسامة كمال : وبدأ الربيع

03/20 00:21

تولى مبارك حكم مصر فى الرابع عشر من أكتوبر عام 1981 ، وأُجبر على تركه فى الحادى عشر من فبراير عام 2011 ، وما بين التاريخين عاشت مصر أطول فترة بيات شتوى فى تاريخها المعاصر والحديث ، وربما طوال تاريخها كله .. وبذهاب المصريين الى صناديق الإقتراع على التعديلات الدستورية ، بدأ الربيع المصرى ، قبل موعده بيومين ، لأن التاريخ رفض حتى أن يهب مبارك يوماً يعتز به ، ففى نفس ذلك اليوم (  19 مارس )  من عام 1989 ، عادت طابا الى التراب المصرى ، كآخر قطعة غالية ، غابت عن الوطن الام .. وذكر مبارك غير مرة أنه يوم يوم فخره ومجده ،  ومحاه له يوم توافد ملايين المصريين على صناديق الإقتراع ، بارادتهم الكاملة ، لأول مرة ، منذ ما يزيد عن الستين عاماً .. وسواء قال المصريون  نعم للتعديلات  ، أو قالوا لا ، ورفضوها ، كما نتمنى ونريد ، سيظل ذلك اليوم ، بداية التقويم الديمقراطى لمصر ، وغرة السنة الديمقراطية عند المصريين .. ووصف فترة حكم مبارك بالبيات الشتوى الطويل ، لا يحمل أى مبالغة منا ، أو من التاريخ ، فثلاثين عاماً مرت من الموات والسكون الكامل ، فمبارك خدر الجسد والروح المصرية ، ثلاثين عاماً كاملة ، وتفرغ و صحبه ، لنهب كل ما تقع عليه أيديهم .. ومن يتذكر يوم مبارك الأول ، لا يتذكر بعده إلا يومه الأخير فقط ، وكأنهم محطتين فى رحلة قطار ، لا يفرق بينهما إلا ومضة ضوء مرت على العين أثناء نومها ، فالرجل الذى اعتلى سدة الحكم ، لم يكن يملك أى أفق للتغيير ، ولم يكن لديه أى خيال سياسى ، وبدأ حكمه بدور عسكرى المرور ، الذى كلف فجأة بتنظيم الشوارع ، وأنهاه كمتقاعد عجوز ، يراقب طموح وريثه ، عن بعد .. المدهش أن معارضيه صاروا مع الوقت ، مستنسخات منه ، فاليسار لم يعد يساراً ، واليمين لم يعد يميناً ، وكلهم شاركوه سكونه وموته ، فحينما يتذكر اليساريون تاريخهم ، يتوقفون فى سرد الأحداث المهمة عند فترة حكم الرئيس السادات ، وكأن التاريخ توقف بعد اغتياله عام 1981 .. واختار خالد محيى الدين ، ومن بعده صديقه ووريثه رفعت السعيد ، المشاركة الاسمية وغير الفاعلة ، وكأنهما جزء من إحتفال سنوى لدولة ميتة .. ولم يجد الوفديون فى عودتهم الى الحياة الحزبية عام 1978 ، غير فؤاد سراج الدين ، رئيساً عليهم وزعيماً لهم ، وكأنهم يعيدون التاريخ من مرقده .. ولم يترك الباشا رئاسة الحزب الا بعد ان عفاه الموت منه عام 2000 ، وهو ابن تسعين ربيعاً ، وتركه لنائبه نعمان جمعة ، الذى يعتبر نفسه حتى يومنا هذا ، الرئيس الشرعى للحزب ، برغم تولى محمود اباظة ومن بعده السيد البدوى رئاسة حزب الوفد  .. وحينما أسس الناصريون حزبهم عام 1992 ، أتوا بضياء الدين دواد  ، لزعامة الحزب ، وتولى القيادة لسبعة عشرة عاماً كاملة ، ولم يعفه منها إلا المرض ، ولم يجد الناصريون بديلاً له حتى الآن ، وتنازعوا فيما  بينهم على الرئاسة .. كما اختلف الفرقاء فى حزب الأحرار بعد وفاة مصطفى كامل مراد عام 1998 ،  الذى تولى هو الآخر رئاسة الحزب منذ إنشائه وحتى وافته المنية ..  واختلف الفرقاء فى حزب العمل ، بعد وفاة المهندس ابراهيم شكرى عام 2008 ، فى زعامة الحزب ، الذى تولاه أيضاً إبراهيم شكرى منذ تأسيسه ، وحتى لحظة مفارقته الحياة .. ولم تختلف جماعة الاخوان المسلمين ، عن أحزاب المعارضة الرئيسية فى ذلك ، وظل مسيطراً عليها حتى وقت قريب ، الرعيل الاول من المؤسسين ، ولم تحاول الاصطدام المباشر بحكم مبارك ، رغم امتلاكها لتواجد كبير وحقيقي داخل الشارع المصرى .. فقط الجماعة الاسلامية وجماعة الجهاد ، هما من أقلقتا منام الدولة المصرية طوال عهد مبارك ، بما امتلاكاه من رؤية راديكالية تجاه نظام الحكم ، دفعتهما للارهاب المنظم والعنيف ، تجاه رموز الدولة ، وللأسف تجاه الأبرياء من أبنائه ، والقادمين اليه لغرض السياحة والترويح .. ولم تتبن الأمة المصرية  بحسها التاريخى والانسانى ، توجهات تلك الجماعات المتطرفة ، وظلت دائماً محصورة فى أماكن بعينها .. ثلاثين عاماً كاملة ، أغلق مبارك فيها كل الطرق ، التى تؤدى الى التغيير  ، وحوّل المعارضة الى طرق جانبية ومظلمة ، وغير ذات جدوى ، حتى نرى طريقاً واحداً يقف فى نهايته إبنه ووريثه .. لكن مصر أنهت بياتها الشتوى الطويل ، وبدأت ربيعها ، ولن يسطو على روحها كائناً من كان بعد الآن ، فمن نال حريته  ، لا ولن يفرط فيها ..مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل