المحتوى الرئيسى

الإسلام وعيٌ والتزام ! بقلم: رفيق أحمد علي

03/19 23:17

الإسلام وعيٌ والتزام ! لم يكن من غير قصد, أن يتنزل أول ما يتنزل من الله تعالى على نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) كلمة " اقرأ " ويليها " باسم ربك الذي خلق " فالعمل الإلهي لا يخضع للمصادفات أو الموافقات , ولكنه التخطيط بل التقدير الرباني الدقيق الذي جعل من القراءة ـ وهي أول وسائل المعرفة الإنسانية العامة وأوسعها ـ أول فرض يؤمر به الرسول (صل ) ويأمر به أتباعه ! ثم تلا هذا الأمر بقوله " باسم ربك " ليحدد بذلك نوعية هذه القراءة , وبالتالي مصدرية المنهج الذي جاء الأمر بها من أجله .. فقراءةٌ تكون باسم الله الخالق لا تعني ولا تكون إلا على منهج من عنده . وقد رأينا في حضور هذا المنهج ـ وعياً والتزاماً ـ ماذا تحقق للمسلمين من عزٍ وسؤدد , وماذا بنوا من حضارة , جعلت من القرون الوسطى التي كان يمر بها الإفرنج في ذلك الزمان أمثولة التاريخ في التخلف والجمود . ثم رأينا ولمسنا بالتالي , في غياب هذا المنهج : ـ انحرافاً في الفهم وفتوراً في الالتزام , إلى درجة التخلي والانسلاخ ـ ما حدث للمسلمين من انصداع في بناء حضارتهم وتمزق في شملهم , واندحار في صفوفهم ! لذا نستطيع القول باطمئنانٍ وثقة ، في سياق صيحاتنا التجديدية، وتسديد مسار صحوتنا الإسلامية: " إن الإسلام وعىٌ والتزام " وعى بالمنهج : مصدره ومكانه من البناء الحضاري ثم التزام بهذا المنهج , ذلك الالتزام القوي المطلوب والذي وصفه الله تعالى في كتابه إذ يقول : " خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون " [ البقرة : 63 , الأعراف : 171 ] . وإذ يقول أيضاً : " والذين يمسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين " [ الأعراف : 170 ] . ثم وعي بواقع الأمة الإسلامية , وما آلت إليه حضارتها, بما يشمل أسباب انحطاط هذه الحضارة للوصول إلى وسائل النهوض بها, ومن ثم الالتزام بتثبيت هذه الوسائل وقيامها، ثم وعي بطبيعة العالم المتجدد من حولنا , وما يئول إليه من تقدم علمي وفني ( تكنولوجي) حيث لا يجوز لنا الوقوف منه موقف المتفرج أو المقلد أو المتشرب لحضارته , دونما وعي بأصالة تراثنا ودوره الحضاري في العالم .. بل علينا أن نبحث في الجانب المتجدد من منهجنا لنجاري به تكنولوجية العالم , فنسمو بالحضارة الإنسانية الشاملة بدلاً من أن تسف بنا الحضارة المادية الضيقة ! ثم وعي بمراتب الأعمال في الإسلام , وأولاها بالتقديم أو التأخير أو التعجيل أو التأجيل ! فنبدأ بالعمل حسب أولويته , ونعطيه من الإبراز والتركيز حسب أهميته ! هذا ونلاحظ أن المنهج يدخل في كل صورة من صور هذا الوعي المطلوب , فأي منهج هذا الذي يجب أن نعيه وأن نعي به , ونتبعه ولا نتبع سواه ؟ إننا لكي نعرف أي منهج نتبع , علينا أن نعرف أي حضارة نصنع ؟ كما إذا عرفنا معالم الحضارة التي علينا أن نبنيها، عرفنا المنهج الذي علينا أن نتبعه .. فالمنهج بمثابة خريطة البناء وخطة العمل, والتصور الكامل له . وهذه الحضارة الإسلامية التي قامت في العالم بجدارة كاملة , زمناً لا يستهان به , ثم نكصت أو جمدت بعد هذا الزمن , وبالتحديد منذ القرن العاشر الهجري , حيث بدأت حضارة الغرب أو بالأحرى "مدنيته" في الصعود , إنما نقصد بها في عصرنا : هذا النهوض الثاني القادم في صورته الإسلامية الإنسانية الشاملة , والذي ظهرت بشائره منذ مطالع القرن الرابع عشر الهجري, على أيدي مجددين أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي .. ولهذا النهوض دلالات وله معالم , إن قرآنية تتعلق بإكمال أداء الأمانة التي حملها الإنسان , وإن تاريخية تتعلق بحركة التاريخ ودورته . ولما كانت الأمانة هي هذه الحضارة بمعناها الإنساني الشمولي , فإن بناء هذه الحضارة أو النهوض بها من جديد لا يكون ولا يتم على الوجه الصحيح والغاية المرادة , إلا إذا قام على المنهج الذي أراده صاحب هذه الأمانة ومودعها وهو الله الخالق . وقد أنزل الله تعالى على نبينا هذا المنهج وفصّله تفصيلا , فلم يبق علينا إلا أن نعيه وعياً , ونلتزم به التزاماً ! وعلى قدر ما يكون وضوح وصحة هذا الوعي بالمنهج , على قدر ما يكون صدق الالتزام واستمراريته والثبات عليه . وعلى قدر ما تكون قوة هذا الالتزام وجدّيته على قدر ما تكون سرعة الإنجاز الحضاري ومتانة بنيانه .. ونستطيع أن نتبين أهمية المنهج الذي يمثل الدليل من قوله تعالى :" أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أمّن يمشي سوياً على صراطٍ مستقيم ؟ " [ الملك : 22 ] . وبناءً على هذه الصورة الجميلة الواضحة للمنهج , وما يجب أن نعيه منه , بحيث لو غاب هذا الوعي لأصبح المنهج ذاته في حالة غياب؛ مما يعني فقدان خطة البناء الحضاري, أو فقدان الدليل الذي بدونه لا يكون إلا الضلال والتخلف والنكوص , أقول: بناءً على ذلك نستطيع أن نضع أيدينا على سبب رئيس من أسباب انحطاط حضارتنا، منذ الزمن الذي ذكرنا، وأن نتبين بناءً على ذلك وسائل النهوض بها مرة ثانية ! وهو سبب لا يخرج عن عيب يتعلق بأخذ المنهج وعياً والتزاماً , مما يعكس أثره على المناهج الحياتية الأخرى: من تعليمية واقتصادية وغيرها، بما علق بها من شوائب وتصورات غير إسلامية إما ورثناها عن الاستعمار , أو انتقلت إلينا مع الحملات التبشيرية أو الشيوعية أو غيرها .. من هنا كانت الحاجة بنا إلى استعادة وعينا بحقائق ديننا وإدراكنا لغاياته المثلى، ونفض الغبار عن ثياب الكسل والخمول للاتجاه إلى حيث العمل والالتزام القوي بحسب هذا الوعي الجديد ..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل