المحتوى الرئيسى

جدلية الزمن والذات فى مجموعة "ثغرة فى جدار الوهم للدكتور محمود اسماعيل" دراسة أعدها الدكتور أشرف حسن

03/19 22:15

تمهيد: شغل الزمن الكثير من اهتمام الأدباء والفلاسفة، أما النقاد فلقد اهتموا بالزمن الروائي عن زمن القصة القصيرة والأقصوصة حيث أن كاتب القصة القصيرة يركز اهتمامه فى حدث واحد، أو شخصية واحدة أ وبدلا من أن يصور لنا تطور هذه الشخصية فهو يضعها تحت الضوء في لحظة معينة ، وغالبا تعبر الشخصية القصصية عن التغيير الحاسم والفاصل في لحظة تمر بها الشخصية . أما الرواية فتعرض الحياة في شمولها بينما القصة القصيرة هي نقطة يتلاقي فيها الحاضر والماضي والمستقبل ، فالرواية تصوير من المنبع إلي المصب ، أما القصة القصيرة فتصور دوامة واحدة فقط علي سطح النهر. وعندما ننظر فى عمل القاص وهو مؤرخ فى الأساس كان من الطبيعى أن يشغلنا كيف تعامل مع الزمن فى نصوصه . تقع المجموعة فى أربع عشرة قصة وجاء العنوان وهو أول عتبات النص ليحمل دلالة زمكانية حيث تقول النظرية النسبية أن الفصل بين الفعل والزمن أمر محال لأن الزمن هو البعد الرابع للمكان. وهنا يحيلنا الوهم إلى زمن غير حقيقى. على العموم يشير الزمن الخارجى وهو زمن الكتابة أنها تمتد على مسافة زمنية تمتد من الأربعينات حتى أوائل التسعينات فجاء المجتمع الريفى قبل الثورة والثورة ثم النكسة وحرب اكتوبر ثم زمن الانفتاح والغزو العراقى. حتى عام الجفاف فى المغرب العربى . أما زمن التلقى فقد صدرت بعد طبعة اولى محدودة بتاريخ 2009 وزمن القراءة أظنه لايتعدى الجلسة الواحدة لأن الكاتب نجح فى جذب اهتمام القارئ ولم يكن من الصعوبة بمكان تمثل العالم الذى تقدمه المجموعة وسنحاول الإجابة على سؤال يطرح نفسه هل استطاع الكاتب بعمل يفصلنا عنه عقدين من الزمان إضاءة الواقع فى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة أم لا؟ هناك مفارقة منذ كتابة أول جملة يكون كل شىء قد انقضى الراوى يحكى أحداثا انقضت هذا الماضى يمثل لنا نحن القراء حاضرا قصصيا . الفعل الماضى هو أقوى وأقدم الأفعال المستخدمة فى الحكى حيث يرتبط بتاريخ الشخصية وماضيها.لكن مع كتاب تيار الوعى يصبح الماضى جزء من الحاضر لاينفصل عنها مطبوع فى ذاكرة الشخصية تستدعيه اللحظة الحاضرة بلا نظام أو ترتيب. لاتظهر الأحداث الماضية فى كتلة نصية واحدة ولكنها منتشرة فى النص كله ومهمة تجميعها هى مهمة القارىء. لم يعد الراوى اذن ذلك الحكاء الشعبى الذى يبدأ بكان ياما كان ويسير فى خط كرونولوجى متسلسل. ربما يتبادر إلى الذهن أن مؤرخا مثل محمود اسماعيل سيحتفى بالفعل الماض ويطمئن ليقينه ولكن علينا التمهل فى أحكامنا. فى قصة "لعنة كيلوباترا" يراوح بين الماضى فيبدأ الاستهلال " لقد ظفر بعلبة تبغ كليوباترا"والحاضر فى لحظة الذروة. زمن الحكى هو الحاضر الزمن الكافى لإشعال عدة لفائف حتى يجىء الأتوبيس "كان سعيدا وهو يشعل اللفافة الأولى"فى شغف أشعل اللفافة السادسة " وهى فترة كافية ليعدل فيها المثقف من فكرته عن العالم ويغير مثالياته. هناك حركة ارتدادية بين ماضى الراوى الحديث ما يحدث من فساد فى مصلحة الضرائب " أنت الوحيد بين هؤلاء المرتشين الأوغاد تحمل مؤهلا جامعيا... أما أنت أيها الرواقى فلا محل لك فى هذا العالم" و ماض آخر بعيد وهو ماض تاريخى تستدعيه الشخصية فى أزمتها للمقارنة وهى شخصيات تاريخية وثقافية وسيصبح هذا ملمحما يمتد فى معظم قصص المجموعة مثل "كليوباترا وأبطال روما" بنتام وفلسفته النفعية ، كانت، وأبيقور، وطاليس" . يقرر المثقف المأزوم فى زمن الانفتاح أن يبيع مقلدا الصحفى الألمعى ويموت موتا مجانيا من أجل علبة سجائر. القصة حكم إدانة على البطل الذى يموت متمسكا بالفتات -مجرد علبة سجائر أو نصفها -.هذا الانتحار سبقه انتحار فكرى من أجل الحصول الأشياء إنه يحلم ب" الفيات 127". أى أن المثقف صار يبيع -أو على استعداد لبيع -مبادئه لكن المصيبة والمأساة أنه يبيع ولا يحصل على شىء يذكر لايمنحه المجتمع أكثر من الفتات. علبة السجائر متعددة الدلالة فالتدخين فى حد ذاته فعل تدميرى لكنها تشى أيضا بسخرية الكاتب والاتكاء على اللعنة الشهيرة كنوع من الاستباق. كذلك رقم الحافلة 13 ولايخفى على القارئ ارتباط هذا الرقم فى التراث المسيحية بالشؤم وسوء الطالع. يسقط المثقف تحت عجلات الأوتوبيس وحينئذ يصبح الزمن الصرفى هو المضارع فيجعل الحدث الدرامى طازجا حيويا وأقرب مايكون للسينما فى نوع من السرد الدرامى المكثف" ضجيج وصراخ وسباب داخل الحافلة. "وجوه عابسة تنظر فى الفراغ ..يتزايد الضغط ..اصبع واحد يلتف حول المقبض .. تدور العجلة 13 العجلة تدور 127." لكن يعود الفعل الماضى حاملا فكرة اللعنة والقدرية لينهى القصة .انفلتت كليوباترا من جيب السترة مد يده لالتقاطها التقطته عجلة الحافلة رقم 13. المولود اسمه عوض زمن الحكى هو رحلة الأستاذ قرنى لإحضار طبيب ويتزامن ذلك مع مخاض الزوجة. البحث عن اسم مناسب للمولود هو حيلة لاسترجاع زمن ماضى بعيد وهو طفولة الشخصية التى طالما شقيت بهذا الاسم. انه أمام امتحان فى فلسفة الأسماء البطل له مبرر ذاتى اسمه "اللعين" قرنى. الاسم مشتق من السمو، بمعنى العلو ، أو من الوَسْم ، وهو العلامة .الاسمُ إشارة على المسمى ، وعنوانه الذي يُميزه عن غيره . انه يمنحنا وجودا بالفعل ويصبح علماً علينا وعلى أولادنا من بعدنا، ويفنى الإنسان ويبقى اسمه .من حق البطل أن تشغله المسألة. يرفض أسماء المسلسلات ... حتى فى موقفه من الموافقه أو الرفض كان يستند لمبررات تاريخية ورغم انها لايذكرها بشكل مباشر لكن يستطيع القارئ فهم قصدية الكاتب. مثلا يرفض أسماء طغام بنى امية مثل وليد ومروان أليسوا هم من مغتصبى السلطة والسبب فى مقتل الإمام وسم الحسن وقطع رأس الحسين كما أنهم أول من جاءوا بالملك العضوض وأنهم أنهوا زمن الشورى ليبدأ زمن توريث السلطة بولاية العهد هذا أول حكم قيمى فى القصة وكأن البطل يقف ضد توريث السلطة .يرفض الأسماء التركية لارتباطها بعصور الانحطاط. انه ضد اللامعنى والأسماء التى "يتهافت عليها العوام دون إدراك كنه معانيها"مثل نيفين "وكذلك هو ضد ثقافة مضوية رعوية مستوردة فيرفض أسماء مثل سالم "تبا لعصر تحول فيه العربان إلى أصحاب شركات للنقل بالسيارات ." اللحظة الدرامية نقطة التقاء زمنين صرخة ابنه تحت عجلات البيجو وصرخة ام هيثم لحظة انفلات رأس المولود ويتدخل الكاتب بالتعليق " التقى الأب والابن لحظة تآخى الموت والميلاد" القصة رغم مرارتها لاتخلو من تفاؤل. ثقافة البطل مبررة لقد مات اسم يحس الأب فيه بنوع من الميوعة -بحكم العادة وليس الدلالة -اسم اختارته الزوجة اى يرتبط بالشهوة وهى ظرفية ووقتية لكن الجد وهو معادل موضوعى لتراث وثقافة وجذور الشخصية يختار للمولود الجديد اسم عوض .اسم خرج من بيئة وثقافة هذا الشعب ويبرره تاريخ الأستاذ ثقافة البطل. ولكن ثمة اشكالية فى ورودها مباشرة بعد القصة الأولى حيث تنتهى الاثنتان بحادث تصادم .ربما كان من الأفضل لو باعد بينها وبين سابقتها حتى لاتصيب الرتابة زمن القراءة. المشهدية فى مقتل الابن الوحيد عمد الكاتب إلى تلخيص الفاجعة فلم يعبر عنها سوى بجملة واحدة "حمل جثة ابنه ". هل افلت القاص من شراك التراجيديا أو من رومانسية بائدة كانت ستفيض على المشهد الحكم متروك للقارىء. لكن سرعة النص هى فعل انتقائي . الزمن يزيد وينقص يتوقف ويستطيل ليخدم فكرة الكاتب . قصة لكنه ضحك كالبكا : هى إحالة لقصيدة حافظ ابراهيم . يتوسل الحكى بالضمير الأول -الأنا -الأكثر حميمية .زمن السرد هو ماتستغرقه الجنازة .هنا نوع من الاستباق وهى دخول أبو سمرة المهرج العجوز الجنة "هنيئا لك بالظل المدود. يسوق مبرراته مستشهدا بماضى المتوفى الذى استحق به الثواب وهنا ليس الأمر مجرد تبرير ولكنه عدم القطيعة وكأننا أمام عالم واحد وزمن متصل فى صيرورته ليس فيه تراتب بل تزامن حيث الفعل موصول ويمارس المتوفى فى الجنة ماكان يمارسه فى الدنيا. رأس الحكمة مخافة الله تتكىء العناوين فى معظم قصص المجموعة على موروث اسلامى أو ثقافى محلى وعالمى .الجملة معلقة دائما عند اللوحة العتيقة .. اطار الوحة ذو اللون الذهبى الذى اكتسى لونا ذبابيا يحتضن عبارة رأس الحكمة مخافة الله. الجملة زمنها ملاصق لتاريخه والجملة مرواغة رأس الحكمه مخافه الله هو حديث مرفوع عن ابن مسعود وإسناده ضعيف جداً وقالها من قبل سليمان الحكيم فى سفر الأمثال رأس الحكمة مخافه الله ومعرفه القدوس فهم ام 10:9. الجملة موجودة فى بيت ريفى تعنى كثير من التسامح وقبول آخر مختلف فى الاعتقاد. لكن هل فهم الأب جوهر العقيدة . كما يقول تشيكوف عندما يدق الكاتب مسمارا فى القصة فعليه أن يعلق عليه شيئا هنا الوصف غير مجانى سنفهم فى نهاية القصة لماذا صار اللون الذهبى ترابيا. يصل الراوى بيته ليمارس طقسا ليس عبثا إذن أن يصف الراوى اجتماعه بأبيه وأمه بالعشاء الربانى والثالوث المقدس. الفرد فيها يسترجع الماضى بعذوبة، ومن ذلك العودة الى الطفولة، إنه الماضى الأليف "فى مقابل اهتراء الواقع الحياتى الآنى الذى تعيشه الذات، البيت عند باشلار هو من اماكن الألفة ويعيدنا الى زمن البراءة والطمأنينة، إنه بمعزل عن عواصف العالم. العاصفة هنا يمثلها خطبة أحد المتشددبن من المتأسلمين الجدد يبشر بالنار ويؤجل مؤقتا جمع شمل الأسرة هذا زمن مؤجل. صوت مشروخ يجلجل يهدر مرغيا مزبدا الصوت المحموم يجلجل. مابين المغرب والعشاء- زمن كونى- تدور الحكاية. مابين المغرب والعشاء يلعن الخطيب الأنثى فيستدعى الراوى صورة الأم وصورة الحبيبة" لم يدر بخلده ان الواعظ الموتور يعنى بطوفان سبابه من خلقهن الله للرجال لباسا وسكنا استبعد أن يكون أحباب الله زينة الحياة الدنيا هدفا لسيل لعناته" مابين المغرب والعشاء يتم غسيل مخ الأب نلاحظ أن الأذان 34 هامة جدا ويأتى إثرها مقولات مسيحية" سرى الأذان بردا وسلاما دقائق معدودات ويعود الوالد عندئذ يلتم شمل الأقانيم الثلاثة حول العشاء الربانى" . نحن فى زمن العنف. البطل الذى يهرب من قسوة القاهرة وداعة القرية يصبح ضحية عنف وبطش خطاب دينى مغلوط . العنف دخيل على مجتمع ريفى طيب متسامح . بعد العشاء وبعد فهم مغلوط من الخطيب يصدره للأب فيهوى الأخير بعصاه على الأم ثم على ابنه الراوى. صحيح أن الراوى هنا لايعرف أكثر مما تعرفه الشخصية فلا يخبرنا بدخيلة الأب والخلفية التى بنى عليها ردة فعله، " تامل اللوحة المعلقة أيقن أن الدرس الدينى المشئوم لاحظ أننا نجد ذلك فى فتح البارى لشرح صحيح البخارى . تفسير تحت باب شؤم المرأة كان شرحا مخلا للآية الكريمة ياأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " ونسى الشيخ أن يستكمل الآية "وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم" صحيح أن الأم حسب وصف الراوى عجوز شمطاء وأن الأب أحدب فربما تناسى ذلك .لكن القارئ كان يستحق أكثر من هذا التلخيص ربما بجملة ولا نقول بمشهد. السادة المحترمون هى مغامرة حداثية تكسر البناء التقليدى وتتمرد عليه بتفتيت لحظة الحكى .خط الزمن هنا ليس طوليا تقع عليه الأحداث لكنه زمن التشظى . شأن كل فنان يجرب فيصيب ويخطىء يتم تعطيل الزمن بعناوين فرعية "أشياء" ، "أشياء أخرى"، "ملامح الوجوه"، "حركات الأيدى"، "حركات الأرجل" ، "أصوات". "الأشياء مرة أخرى". يفصل الأشياء عن حركة الأيدى الوجوه الأصوات. هكذا يتم تفتيت الفعل الانسانى نفسه وليس الزمن فقط . ولنلاحظ أيضا المنظور التنازلى الذى يرسم به الكاتب فهو يبدأ من أعلى اللوحات المعلقة على الحائط ونزولا إلى القدمين هل هو سقوط متعمد للكاميرا أم سقوط المؤسسة عدم التواصل وانعدام الحوار بين الشخصيات (أساتذة جامعيون يتشابكون حول تقسيم المنهج وتوزيع الكتب ) ينتهى الأمر بهم بتبادل الشتائم والتشابك وكأنه يدلل على فوضى المجتمع الثقافى و فوضى الزمن وفوضى الحواس... ياكوش تتجلى هنا جدلية الحاضر والماضى. ماضى الشخصية وماضى المغرب العربى وتحديدا بورغرواطة. هل هى مجوسية أم باخوسية أم موسوية . لعل أول مستوى من جدلية الماضى الحاضر هو جهلنا بتاريخ المغرب العربى، فالذات/البطل هنا مشغولة بإثبات فرضية أو نفيها ولكن على مستوى آخر من الحكى. هناك مستوى آخر آنى " اليوم مستهل فبراير انتهى الفلاحون من حرث الأرض حسب عرف قديم عرف بالتويزة " ، أى أن الحاضر هو امتداد لفعل ماض. "العام عام جوع" سيول فى دار الكفر وقحط فى دار الإسلام . ويريد البطل المؤرخ المصرى أن يهزم المؤرخ اليهودى الذى يدعى أن أهل بوغرواطة يهود (الآن) كما هزمه فى سيناء (فى الماضى). هم بالكتابة (حدث آنى) تشتت أفكاره شتات أهل أورشليم بعد بختنصر (حدث ماض). ويقارن بين زمن بن موسى "يستطيع شراء كبش بمقابل بعض الخبز" (الآن) بزمن الرشيد "الكبش السمين يباع بدافق أيام الرخاء" "تباع كباش تاميسنا بدراهم أيام الشقاء" وهناك مشهدية رائقة فى لوحة سردية تذكرنا بكامى فى الطاعون حيث يتحرر القاص من قبضة المؤرخ وهو بالمناسبة يعرف كيف يفلت منها اغلب لحظات الحكى. "كانت الشمس فى الأفق تحتضر ..قرصها الذهبى يحمر ..ينتحر أشجار حدائق القصور السامقة تجردت من ثيابها الخضر..فى إعياء تدارى عريها لاأثر لأريج الليمون والنارنج الذى كان يعبق جو الشارع فى السنين الخوالى.. فليأمن وجهاء المدينة شر السوقة والمتلصصة الذين كانوا يسرقون من حدائقهم ماتيسر من ثمار.. لاأحد من العوام يلتقط ماتناثر من زهور الياسمين التى كانت تبيض وجه الأسفلت الداكن..العام عام جوع..عام الرمادة" وفى اللحظة التى يثبت فيها أن عقيدتهم اسلامية نسمع "هدير جماعى مستجير.. اللهم اسق عبدك وبهيمتك وانشر رحمتك واحيي بلدك الميت" ثم وزمن غائب لايحس به "راح فى سبات سديمى شفيف". ملابس الفقير بنموسى مختلطة بدم الضحية ودم المطر الذى نزل. "ياكوش تعنى واهب المطر" وتلك من صفات الإلوهية فى عقيدتنا يقول تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)﴾ (الشورى). إن أزمة الراوى الفردية والجماعية مرتبطة بالتاريخ من أجل أن يقيم أود الحياة، وبنموسى يعود لممارسة طقوسه التاريخية بجانب صلاة الاستسقاء لم يكن فى طقسه شرك. مع الأضحية والصلاة يسقط المطر وفى الحالتين هو وفى لعقيدة توحيدية وبالقياس الأرسطى بورغواطية إسلامية. ثغرة فى جدار الوهم البطل الذى يخرج للحرب دون غسل يذكرنا بقيس بن الخطيم. وبنية القصة دائرية تدور الأحداث فى أربع وعشرين ساعة. لقد مر يوم ولكن شتان بين الاستهلال (أمس )زمن النفسى للمهزوم "جر بدنه جرا.. لايستطيع قطع اللحم فيقرأ الجريدة". وبين زمن الخاتمة (الآن) الزمن النفسى للمنتصر "تناول فى اشتهاء الفطور وبصق على مقال الكاتب المشهور عن استحالة العبور". ويتوسط الحكى مشهدية حلم ليلة القتال جاءت مبررة لمقاتل يفتقد زوجته فكان التمهيد "قفزت زوجته إلى مخيلته تصورها تغالب الأرق فى فراشها الجديد.. كشفت الملاءة البيضاء عن فخذها البض..دبت الرغبة فى عروقه استعرض.. مجريات الأيام الستة من شهر العسل الموءود استبد به الشبق......... أرجأ الاغتسال لما بعد السحور" ثغرة فى الحكى تعفينا واياه من التفاصيل " عرائس البحر عرايا على الشاطىء الاخر من القناة يمشطن شعرهن فى دلال ود لو ضاجعهن بلا استثناء" ثم يتجول الحلم الى كابوس "مسخت العرائس مردة ..جروه عبر كثبان رمل تعانق السماء.. أسلموه لثلة من زبانية الجحيم " وسيتمر المشهد حتى " سيق إلى قلعة عملاقة يرفرف فوقها علم ذو نجمة مسدسة ..لعن الأيام الستة السوداء واستسلم لمصيره" لكنه على مستوى الواقع يستطيع تحقيق مالم يحققه فى الحلم . حلت ساعة العبور ثم فراغ سطرين تعبيرا عن وقفة فى الحكى يليها تلخيص سردى "كان أول من عبر..وأول من مزق العلم ذو النجمة المسدسة ..وأول من رفع العلم الوطن" . ولاحاجة بنا لتأويل الرقم ستة وتوظيفه وشحنه بدلالات واضحة. القصة إلحاح على حتمية المعركة فالحرب ضرورة تاريخية. فبينما يرى كانط أن على كل الأمم السعي إلى تحقيق السلام الدائم من خلال تحالف القوى العقلانية من أجل تكوين سلطة كونية تحفظ هذا السلم ، يرى هيغل أن فكرة السلم الدائمة فكرة ساذجة، وأن الحرب ضرورية لتقدم التاريخ ويرى عكس كانط أن الحرب أداة فعالة لصهر الشعوب وبناء الروح القومية، ويعتبر هيغل الحرب ضرورة تاريخية للأمم، وذلك لأنها أداة تصهر الشعوب وتمكنها من التقدم والاتحاد أمام المخاطر، وعندما يزول الخوف من الخطر الخارجي، تنشب النزاعات الداخلية، الريح التى تهب على البحيرة تمنعها من الركود. ولا ننسى قول الحق: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) البقرة /216 حيرة ياناروس لماذا يخاف القاص من وصف العيون والوجوه فى حين أنه قد يصبح ضرورة خاصة لو قدم شخصية استثنائية، يظل وجه بائعة الهوى أوبائعة الخضار بارد الدلالة لأنه جاء مجرد جملة وليس على مستوى الحس، حتى وهو قادر على رسم جمال الطبيعة أومشهد الحور العين فى قصص سابقة يكتفى بالقول "زادها الله بسطة فى الحسن والسذاجة،" وهذه لغة صحفية تقريرية وليست اللغة الفنية التى يستطيع الكاتب لو شاء رسمها. تقريبا فى معظم القصص نجد الراوى/ البطل هو محمود اسماعيل، يقول دو لوز بوجود صورتين للزمن : الأولى أساسها الماضي والثانية أساسها الحاضر، فالحاضر هو الصورة المتحققة أما ماضيه المزامن فهو الصورة الكامنة ، تماماً مثل كون صورتنا في المرآة هي الصورة الكامنة التي تقابل وجودنا الحقيقي ، وفي العمل الأدبي يكون المؤلف هو الصورة الحقيقية بينما يكون الراوي هو الصورة الكامنة ، ولكن الراوي يتحول إلى صورة حقيقية لدى القارئ بينما يصبح المؤلف هو الصورة الكامنة . هنا يحدث التماهى بين الراوى والمؤلف على هذا يصبح الاستشهاد بكتاب مسرح العبث مبررا لمفكر بمثل قامته. واختيار الأمثلة كان قوى الدلالة ؛عبثية أداموف وهو قناع لموقف المؤلف هو وسط بين بريخت المتحيز لبائعة الخضار ويونسكو المتحيز لبائعة الهوى ونذكر القارىء أن دور المرأة في مسرح العبث هو دوماً أقل أهمية من دور الرجل وتكون المرآة أكثر كآبة من الرجل لما تعانيه من اضطهاد اجتماعي. يقول عنه أحد النقاد عن بريخت. "اعتقد أن بريخت قد خلق أجمل الأدوار النسائية في تاريخ المسرح الألماني." وهل ننسى الأم شجاعة وجان دارك ودائرة الطباشير القوقازية. وبالمناسبة كان بريخت تغريبيا تقع الخناقة بين الاثنتين وتنتصر بائعة الخضار هى وأنصارها فى البداية ثم نجد مقارنة غريبة بعض الشىء وهو تحول المعركة لصالحها "كما تحولت أحد لصالح الكفار". ويشهد البطل فى المحكمة لصالح بائعة الخضار ثم راجع موقفه فانحاز ليونيسكو أى لبائعة الهوى لأنها لم تبدأ بالعدوان. هناك توفيق فى اختيارات الكاتب لكتاب أو أبطال روايات مشهورة خاصة وهو يتذكر حيرة ياناروس الذى لم يكن يعلم فى الحرب هل يقف مع الملكيين ام الشيوعيين فى حرب اليونان فى الأربعينات .كان الأب متهما من الطرفين بالخيانة ويعرف أنها حرب عبثية وهناك في الكنيسة أمام صورة المسيح اخذ يصيح: " يا يسوع! فيرد ... أنت حر، أنا خلقتك حرّاً، فلماذا تريد أن تتعلّق بي؟ قم يا ياناروس! دع السجود والركوع واحمل مسؤوليتك ولا تطلب النصيحة من أحد.. ألست حرّاً.؟ غداً اختر طريقك" أما التناص الجميل فجاء أقوى مما نظن ؛ قال" اين يسوع؟ ان كنت يسوعا حقا اهبط من عليائك اهبط واحمل سيفا خلص هذا العالم".. ولأن الأسلوب هو الرجل ذاته. نجد أن الكاتب يستخدم لغة رصينة كلاسيكية. لايمزج بينها وبين العامية التى تأتى على استحياء بين قوسين، حين يجد نفسه مضطرا كشاهد أمين على زمن ما وأحداث ما فيستخدم مفرداته المسألة ليست تفضيل لواحدة عن الأخرى أو عجز لغة الكاتب الفصحى فى التعبير عن الموقف بقدر ماهى تحرى الدقة، ولكن قد يرى البعض أن المبالغة فى ذلك كانت عائقا بصريا يعطل ويبطىء الإيقاع البصري لزمن القراءة خاصة وأنه الكاتب قد استخدم مفردة مثل جزمجية دون تقويس. فرويد يركب حمارا وهى قصة استثنائية فى المجموعة والقصة تحكى ببراعة عن لحظة نفسية مكتملة تذكرنا بنصوص يوسف ادريس أو خيرى شلبى ولكن العنوان لاشىء غيره هو ماقد يؤاخذه عليه القارىء ولأن كل عنوان ورطة لأنه يدعونا لقراءة العمل بشكل معين حيث يصبح الحكى معالجة من الخارج. شخصية البطل أبسط من أن تعرف فرويد الذى يرجع كل نشاط يقوم به الإنسان الى الليبيدو ومفاتيح السيكولوجية الفردية عند فرويد ثلاثة: الجنس والطفولة والكبت.لكن العنوان القصة قد يصادر على قصة جميلة نجد فيها براعة فى تصوير المشاهد وتدل على قاص متمكن يضفر وحدات سردية محكمة الوصف. البطل العاجز جنسيا يفكر "فى وسيلة ترد اليه رجولته " حتى يستطيع مواجهة امرأته الحانقة عليه والتى لايسلم من شتائمها. "يحتشد ليس فقط باجترار اللحظة "يجوس بعينيه المتلصصتين خلال غابة من السيقان العارية" ونظراته "تهاجم نحور صبايا وأرداف نسوة يملأن الجرار من مياه الترعة" ولكن باجترار عنترياته تاريخه الخاص" كانت فحولته مضرب الأمثال" لطالما تندرت بغايا ماخور البندر باسمه ورسمه "ويحسن الكاتب اختيار لغة تناسب ثقافة الشخصية. أعود معترضا على العنوان الراوى أى يعرف ماتعرفه الشخصية لا أقل ولا أكثر، يتماهى مع الشخصية ويخبرنا بالأحداث من وجهة نظر ذلك الرجل الذى لايسميه، فنتوحد معه فى مأساته ونرى الأزمة بعينيه، وقديما سألوا الجنيد ما بال كلام سمنون يؤثر في قلوب الخلق مالا يؤثر كلام غيره؟ فقال : ليست النائحة ‏الثكلى كالمستأجرة . عسكر وحرامية: القصة تبدأ وتنتهى بحوار مسرحى جميل ولامعقولى. فى الحوار الأول يدعى اللص أنه يسرق ليكفر عن ذنوبه ليرضى الله ويسافر للسعودية ويستكمل نصف دينه. السلطة ممثلة فى الضابط هى سلطة معطلة لأن الضابط يمثل سلطة حديثة وافدة بينما سلطة العمدة قديمة راسخة متوارثة. السلطة لاتعاقبه، بل يستكمل له العمدة النقود اللازمة ليسافر إلى السعودية. حوار مسرحى آخر فى ختام القصة حيث تحقق لحرامى الفراخ ما أراد، تتشكك السلطة بأنه ينتمى لجماعة دينية ويقسم بالله "أنا لسه حرامى وحأفضل حرامى" ويزيد أنه نصاب وتاجر عملة السلطة غير عابئة بكل ذلك ولايهمها سرقة أموال المودعين أنها تفزع أمام ما يهدد النظام لاما يهدد المواطن. على هذا يضحك الضابط ويتركه لشأنه . الآن صار يفكر فى هدم المسجد حتى لايقع فى مشاكل مشابهة. مابين الحوارين يقع زمن صعود نجم البطل عبد الستار أبو الليل إبان الانفتاح. المسرح لغته مثل السينما هى لغة الحاضر ورحلة عبد الستار رويت بصيغة الماضى الذى يتوسط زمنين حاضرين. سخرية الكاتب من غباء السلطة مازالت قائمة أما الحقيقة فجاءت بيقين الفعل الماضى الذى يثبت الوقائع التاريخية الصحيحة . من ناحية أخرى الحوار المسرحى يحيلنا إلىفكرة العب والتمثيل والاستيهام ؛ تمثيل وادعاء السلطة أنها تدافع عن الشعب. واللص يمثل البراءة فى الحوار الأول متمسحا بالدين وفى الثانية يتنكر للدين. هذه الحربائية تجعل عبد الستار بطلا لهذا الزمان. وقع أقدام القصة تروى زمن الانتظار وتجيد رسم التوتر، فالأستاذ الجامعى يريد أن يتزوج بإحدى طالباته وهى أرملة طروب. "حاول طرد صورة المرحومة لقد أقسم يوم الرحيل ألا يعاشر أنثى غيرها." وفى تبرير أو محاولة تبرير هذا التبدل فى الموقف تأتى التفاصيل غير بريئة ولكنها تسير فى نفس اتجاه فكرة الكاتب وكلها مسخرة فى خدمة الحدث "مر مرور الكرام على صفحة الوفيات" لاحظ استخدام مفردة أنثى وليس امرأة. كذلك محاضرته عن فلسفة الطبيعة عند أرسطو. جذبه الوفاق الى صفحة حواء وهو الذى تأنق فى ملبسه "تشاغل بالمرور على أخبار الشباب والرياضة" وهو ينتظر مجىء وقع أقدامها يتنصت لسماع دبيب الحذاء عالى الكعب والحذاء الثقيل. ونلاحظ أنه هو المؤرخ والفيلسوف يخاف ذلك الحذاء ألم يقل جابوتنسكي أن التاريخ تكتبه الأحذية الثقيلة. الحذاء ودبيب الأقدام لها دلالات شعبية واضحة مثلا يقول العامى أنه يموت فى "دباديب الحبيب" وهل ننسى حذاء سندريللا الذى طالما دق أمسيات طفولتنا وكيف أن قدم المرأة له دلالة خاصة والتوتر المشحون "يدق الكعب قلبه يدق يدق. "يذكرنا بقصيدة وليم بتلر ييتس : "لاأننى مسكين لا أملك سوى أحلامى فلقد نثرت أحلامى تحت قدميك. خففى الوطء لأنك تطئين أحلامي . والقهوة مع التدخين ليس مجرد تفصيل إضافى دال لشحن اللحظة فنجال القهوة الفارغ يرتبط بقراءة الطالع أى بنوع من القدرية التى لامهرب منها وهو ارتباط المرأة بالحية فيفيق على "لسعة عقب السيجارة. " الجراد: الانتظار الآن هو زمن الحبس والترقب والمراقبة. الراوى عبر ستار النافذة الشفيفة يتابع الأحداث التى تقع إبان الاحتلال العراقى للكويت فى حر أغسطس90. يرى المؤرخ أنه صراع طبقى هذا هو التفسير الماركسى السهل لكن دروب الفن أكثر وعورة وجمالا. لنتأمل وصف الجندى " كان وجهه الطفولى مصبغا بطلاء من عرق ورمال ودخان ..كان بدنه النحيل يئن تحت وطأة خوذة نحاسية داكنة..كتفه الأيسر يميل مع كلاشينكوف لعين تلامس فوهته الأرض" الضابط الأشورى اللعين " يحصد مع الضباط "غزوة مباغتة لسوبر ماركت". أما الجندى الجائع ،فيراقب النخلة المثمرة فى نهم، يعرف أنه لن يسد جوعه غيرها. يأتى انقضاض الجندى وكأنه اغتصاب فى جمل حادة باترة قصيرة تشى بعنف "تعلق كسهم بجيد النخلة..انتزع سباطة تمر.. امتطاها كأفعى.. افترسها كنمر". ويقلده الباقون "هجموا على النخلة المستسلمة كقرود رشيقة.. ماد رأسها الأخضر على صدرها الذهبى ..هوى الرأس والصدر أيضا.. أتى الجراد على الأخضر واليابس" النخل الذى يستباح بكل هذه الوحشية التى كرمت فى القرآن.النخلة التى تموت واقفة إن سقط رأسها وليس جذعها .النخلة التى ارتبطت بالحماية والقداسة والأمومة فى لجوء مريم العذراء (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) سورة مريم: 25. وفى الحديث الشريف " لَيْسَ مِنْ الشَّجَر شَجَرَة أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْ شَجَرَة نَزَلَتْ تَحْتهَا مَرْيَم بِنْت عِمْرَان" . النخيل المستباح معادل موضوعى لسقوط أخلاقيات أمة. والمعتدى الذى تضاءل حتى صار أعواد ذرة صفراء يتضاءل أكثر إلى أن يصبح جرادا مجرد جراد. الصقر المجنح لايزال حيا : لاتمثل تناقضا فى موقف الكاتب رغم أنه فى الهامش يؤكد أنها حدثت للراحل الدكتور محمد رجب النجار وكلاهما الراوى والمروى عنه كتبوا عن "العيارين والشطار" الذين كانوا رغم امتهانهم السرقة أصحاب قضية وكانت لهم مع ذلك أخلاق المروءة والفروسية والشهامة. المسألة هنا ليست تناقضا فى موقف الكاتب من الاحتلال العراقى لكن الزمن هنا يلعب دوره فى القصة الأولى يؤثر زمن الحكى على رؤية العالم كان فزع الكاتب المحاصر وهو وسط الحدث لكن فى الثانية هناك مسافة نفسية وزمنية تفصل بينه وبين الحدث فيستطيع تقييمه. كما أن تاريخ البطل وانتماؤه للصقر المجنح -وهى إشارة واضحة لعبد الناصر وثورة يوليو -هو الذى جعله ينجو من بطش الضابط العراقى ويحافظ على الشاحنة فى رحلة محفوفة بالمخاطر. تسمرت عينا الضابط المتعجرف ذو الغليون بصورة الصقر المجنح " فى حركة عسكرية سريعة انتزع الضابط غليونه من فمه ونحاه جانبا فى أخرى أمسك الكتاب وضمه إلى صدره فى ثالثة دق أرص الغرفة بقدمه اليسرى أدى التحية أمام صورة الصقر المجنح الذى يراقب مايجرى فى صمت وحكمة.." فى حكايات معلومة: جاءت كلها مروية بصيغة الماضى وقال عنها الكاتب باعترافه فى الهامش إنها تأريخ :"تلك حكايات واقعية" وللقارئ أن يعترض على جملة "اختارها الراوى بعناية ليؤرخ بها أحوال القرية" فالفن هو انتقاء قبل كل شىء. جاء ترتيب الحكايات كرونولوجيا تصاعديا من الأربعينات حتى الثمانينات. ولضيق الدراسة نكتفى بالقصة الأخيرة "القاتل المجهول" حيث يبرز الكاتب عنف السلطة بعد أن سبق له الحديث عن عبثيتها. الراوى /المؤرخ يستطيع بعد أن أوردت تاريخ شخصية القتيل أن تفسر الواقع . الجريمة تتعلق بالشرف وارتكبها أحد العائدين من السعودية ممن كان للقتيل مغامرات مع زوجته. إن عنف السلطة وتخبطها ووالقبض على المتهمين وتعذيبهم غير مبرر فالقاتل معروف . فى كتابها عن العنف اعتبرت حنة أرند، أن البيروقراطية الحديثة المتجسدة في أجهزة الدولة تمثل أعلى درجات ممارسة العنف والقهر وذلك لانّ بيروقراطية الدولة تحول عملية الإكراه إلى ممارسة شرعية محمية بالقانون، وبرعاية أجهزة الدولة التي تحتكر حق وشرعية ممارسة العنف واحتكار شرعية امتلاك أداواته. يجيد الكاتب اختيار القصة التى ينهى بها مجموعته. انه الراوى لم يظهر سوى فى نهاية القصة وبشكل مفاجئ. مؤرخ لايكتفى بتدوين الوقائع. ان دوره تاريخانى يبدأ بعد انتهاء الحكاية. هكذا فى بلد تهمش دوره، يعى المثقف أن السلطة لا تقرأ التاريخ فلا تستطيع فهم الماضى أو استشراف المستقبل . غباء السلطة مزدوج لأنه حتى لو حاول المثقف إفهامها حقيقة مايحدث سيكون متهما بإزعاج السلطات ولكن أليس دور المثقف دائما هو أن يزعج كل سلطة راسخة فوق صدورنا. الخاتمة: يرى جيل دولوز أن الزمن، لا المكان، هو الحاضن للإبداع. المكان نتيجة عرضية غير أساسية، نتيجة من نتائج الزمن، والارتباط بالمكان يشبه الارتباط العاطفي الحماسي، بينما الارتباط بالزمن هو علاقة معرفية للعالم، لأن المكان لايفسّر حركة التأريخ، وفي المقابل يقوم الزمن في وصفه حاملاً للمكان وللكينونة معاً في جنباته بتفسيرهذه الحركة. الارتباط بالمكان هو من مخلّفات الذاكرة الريفية الجمعية. يؤكد ماركيز، في أكثر من مقال، بأن أكثر ما يرهقه ويخيفه في الكتابة القصصية والروائية، هو عنصر الزمن. هكذا يصبح الزمن عنصر هام ودال وفاضح، على تمكن المؤلف من عمله. فى بناء القصة القصيرة عموما وفى مجموعة ثغرة فى جدار الوهم تحديدا ،استطاع القاص التعامل بمهارة مع الزمن الطبيعي (الموضوعي) والزمن النفسي، لأبطال قصصه. وأن الزمن جاء انتقائيا سواء فى اختيار لحظة الحكى وسواء باختيار الأحداث والحوادث المفصلية فى تاريخ وماضى الشخصيات . لجأ الكاتب كما رأينا فى تقنياته للتراتب والتزامن والاسترجاع والاستباق. كل هذا فى حركات ارتدادية وفى ديالكتيك بين الذات والزمن وكذلك إلى استخدام تقنيات تيار الوعى مثل الحوار الداخلي والتداعي ، كذلك تحكم فى ايقاع النص فأسرع وأبطأ الحكى بما يتفق فى معظم الأحوال مع فكرته. ونلاحظ أن العلاقة الجدلية التي تربط الشخصية مع الزمن الطبيعى وهو النصف الثانى من القرن العشرين مالت إلى التلخيص والثغرة أحيانا، وفي إبطاء السرد بدرجة أقل عن طريق المشهدية والحوار . تتجلى الجدلية أيضا في المزاوجة بين حاضر الشخصية وماضيها باتجاه الموت، وبين حاضر الشخصية وماضيها لاستشراف الآتي، وأن الزمن الصرفى المهيمن فى النصوص كان هو الفعل الماضى لقوته ودلالاته فى اللغة حيث أنه حسب النص القرآنى يستطيع التعبير عن المستقبل. يستخدم الراوي أيضاً التوثيق التاريخي، من خلال إشاراته إلى تواريخ أحداث حصلت في الماضي للإيهام بحقيقة ما يروي، مثل إشارته إلى حرب الأيام الستة وحرب أكتوبر والاحتلال العراقى للكويت.. أما الحاضر أو الفعل المضارع فجاء ليعكس اهتمام القاص بنفسية الشخصية أكثر من تاريخها . وعمد الكاتب إلى مقارنات تحدث بين الحاضر والماضى المقارنة مع الماض الخارجى والحاضر القصصى جاءت لتفسير حاضر الشخصية أو لتفسير موقف قديم يستطيع الآن تفسيره فى ضوء معطيات الحاضر. كذلك دأب الكاتب على المقارنات من اجل إبراز معالم التغير والتبدل والإشارة الى مسار الزمن. د. أشرف حسن عبد الرحمن عضو اتحاد كتاب مصر عضو نادى أدب قصر ثقافة المنصورة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل