المحتوى الرئيسى

العبور الثوري من "الواقع الافتراضي" إلى "الواقع الحقيقي"!بقلم: جواد البشيتي

03/19 21:47

العبور الثوري من "الواقع الافتراضي" إلى "الواقع الحقيقي"! جواد البشيتي يسعى البشر دائماً إلى تغيير واقعٍ ما بما يعود بالنفع عليهم، أي بما يوافِق ويخدم مصلحة واقعية حقيقية جوهرية تجمعهم، أو يلبِّي لهم حاجة أساسية؛ وهذا التغيير، وبحكم طبيعته العامة، لا يتحقَّق إلاَّ بجهد عملي جماعي واعٍ ومنظَّم، وفي الصراع، وبالصراع، ضدَّ قوى لها مصلحة مضادة لهذا التغيير. والتغيير الواعي، والذي نريد، إنَّما هو ثمرة الممارسة الجماعية الثورية؛ لكنَّ هذه الممارسة تحتاج قبل أنْ تبدأ، ومن أجل أنْ تبدأ وتستمر وتتطوَّر، إلى استيفاء جُمْلة من الشروط الذاتية، فالجماعة يجب أنْ تعرف وتعي أهدافها ومطالبها، وكيف يمكنها تحقيقها. وهذا التفاعل الفكري بين أفراد الجماعة (المعنية بتغيير ما) هو ما كان يحتاج إليه الشباب العربي أشد احتياج، فأنظمة الحكم الاستبدادي العربية منعت، في استمرار، التعبير الحر (عن الآراء والمواقف والمشاعر) والاتِّصال والاجتماع (بين مواطنين يريدون تغييراً ثورياً أو ديمقراطياً). في الحزبية السياسية (الثورية) القديمة، كان الحزب مضطَّراً إلى العمل في سرِّيَّة تامة؛ وطريقته في تنظيم نفسه كانت تلبِّي له حاجته إلى أنْ يدرأ عن نفسه مخاطر الأجهزة الأمنية؛ أمَّا العضو الحزبي، ولأسباب أمنية في المقام الأوَّل، فلم يكن في مقدوره الاتِّصال والتفاعل إلاَّ مع بضعة أعضاء. وللأسباب نفسها، ولسبب آخر هو تعذُّر الحصول على "المكان"، لم يكن في مقدور الحزب عقد اجتماع حزبي واسع (يضم المئات والآلاف من أعضائه). والحزب، على وجه العموم، كان يضيق بالمعارضة والمعارضين، بدعوى أنَّه وحدة إرادة تتنافى ووجود اتِّجاهات (فكرية وسياسية) مختلفة، ولو قليلاً عن الاتِّجاه الرسمي للحزب. الآن، وقعت الواقعة، وتغيَّر كل شيء؛ فكل شاب أصبح في مقدوره أنْ يقول كل ما يريد قوله، وأنْ يعبَّر عن رأيه ووجهة نظره وموقفه ومشاعره في حرِّيَّة تامَّة، فالرقيبان، أو الدركيان، الخارجي والداخلي، أصبحا أثراً بعد عين. كل العيون والآذان الأمنية أصبحت عمياء صمَّاء، عاجزة، وتزداد عجزاً، عن منع الناس في "الواقع الافتراضي" من التعبير الحر عن آرائهم. وفي هذا الواقع، الذي نجحت الثورتان التونسية والمصرية في مدِّ جسر بينه وبين "الواقع الحقيقي"، أصبح في مقدورك أنْ تتفاعل فكرياً وسياسياً، وأنْ تتبادل الآراء ووجهات النظر في أيِّ شأن أو أمر، مع العشرات والمئات والآلاف.. من الشبَّان المنتشرين والمجتمعين في مواقع كثيرة في "الواقع الافتراضي". إنَّكَ، ومن غير أنْ تضطَّر إلى مغادرة مكانك، وقطع مسافات طويلة، وفي ثوانٍ، تستطيع الاتِّصال وتبادل الآراء والاجتماع مع العشرات والمئات والآلاف من الشبَّان الذين يوافقونك الرأي (كليَّاً أو جزئياً) أو يخالفونك إيَّاه (كليَّاً أو جزئياً). وفي هذه الاجتماعات واللقاءات "الفضائية" الواسعة واليومية، وبفضل ما يتخلَّلها من حوار وجدل ونقاش بين شباب مختلفين في أمور كثيرة، وفي الآراء ووجهات النظر والمواقف، تنشأ وتتطوَّر الأفكار الجديدة والجيِّدة، ويصبح ممكناً تمييز خيوط الاتِّفاق (الفكري والسياسي) من خيوط الاختلاف، وتتهيَّأ، من ثمَّ، الفرصة لعملٍ مشترَك، تقوده جُمْلة من الأهداف والمطالب والشعارات التي تواضع عليها جمهور كبير من الشباب. عشرات الآلاف من الشباب، المتحرِّرين من قيود الزمان والمكان، ومن الأجهزة الأمنية ورقابتها وقمعها، يلتقون ويجتمعون الآن في موقع ما من مواقع "الواقع الافتراضي"، فإذا توصَّلوا، بعد، وبفضل، حوار يومي، وعلى مدار الساعة تقريباً، إلى اتِّفاق على أهداف ومطالب وشعارات ثورية معيَّنة، عيَّنوا مكان وزمان احتشادهم في موقع ما من مواقع "الواقع الحقيقي"، يُراعون في اختياره أنْ يكون ذا أهمية إستراتيجية، مُكْتَظٌ عادة بالناس الذين على هيئة برميل بارود ينتظر شرارة، فتتهيَّأ لكرة الثلج هذه أن تتدحرج، فتنمو وتكبر؛ لقد امتلكوا أيضاً "عنصر المباغتة". وما أنْ يبدأ حراكهم الشعبي الثوري المباغِت حتى نرى العشرات والمئات منهم يمارسون عملاً إعلامياً أيضاً، فحراكهم مع ما يتخلَّله من صدام مع أجهزة وقوى القمع يُبَثُّ على الفور، صوتاً وصورةً، وبفضل "الموبايل"، فيصبح المشهد مرئياً ومسموعاً في أنحاء "القرية العالمية الكبرى"، وفي ثوانٍ معدودات، فيُزَجُّ "الرأي العام العالمي"، بعد الشعب، في المعركة المكشوفة، والتي ضحيتها الأولى الرواية الحكومية بما تشتمل عليه من كذب وتزييف وتلفيق. الشعب الآن امتلك مقوِّمات الوجود السياسي، وغدا صانعاً مباشِراً للأحداث السياسية والتاريخية، فهو ما عاد جَمْع من الناخبين، يذهبون كل بضع سنوات إلى صناديق الاقتراع، فيعودون، بعد الإدلاء بأصواتهم، إلى بيوتهم، مُنْهين كل وجود سياسي لهم بعد ذلك. الشعب الآن، أو من الآن وصاعداً، قوَّة ضغط وتغيير، سريعة الحضور والاستحضار، لا تغادر المكان إلاَّ بعد أنْ تلبَّى لها مطالبها، فنوَّاب الشعب وحدهم ما عادوا يَكْفُون. ومستقبلاً، أو عمَّا قريب، ومع توطُّد ورسوخ التقاليد والثقافة الديمقراطية حيث انتصرت الثورات الشعبية الديمقراطية العربية، يمكن أنْ نرى ميداناً فسيحاً وقد خُصِّص للاعتصام والتجمهر، يحرسه، على مدار الساعة، جيش إعلامي دولي، فيُدْعى المعارضون الشعبيون إلى الاعتصام والاحتشاد فيه، لإشهار مطالبهم، وممارسة الضغط من أجل تلبيتها. وهذا إنَّما يعني أنَّ عمل (ونشاط وسلوك) الحكومة والسلطات جميعاً والمؤسسات العامة قد أصبح موضع رقابة شعبية دائمة، وقابلاً للتقويم والتصحيح من خلال الضغوط الشعبية المنظَّمة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل