المحتوى الرئيسى

> «المسافات البعيدة».. ساكن في «نيويورك» وحبيبي ساكن في «سان فرانسيسكو»!

03/19 21:17

كتبت كثيرا عن صعوبة كتابة كوميديا رومانسية جيدة لأسباب مختلفة أهمها البحث عن معالجة غير تقليدية والقدرة علي المنافسة مع كل قصص الحب في كل أنواع الأفلام تقريبا، يمكن أن تترجم هذه الصعوبة كمتفرج عندما تشاهد فيلما فتجد أنك تردد الحوار مع الممثلين لأنك سمعته من قبل، يقول البطل للبطلة مثلا: «أحبك»، فترد مثل العبارة الشهيرة في فيلم «روكي»: وأنا أحبك أيضا، بعض المواقف تبدو أيضا مكررة سواء في فكرة التعارف عن طريق الصدفة، ثم نمو الحب والاستلطاف المتبادل، مرورا في مكائد العوازل، ووجود أصدقاء مخلصين لدي الطرفين يقودون سفينة العشاق إلي مرفأ النهاية السعيدة. لكل هذه الأسباب سالفة الذكر فإن أبرز ما يستحق الالتفات في الفيلم الأمريكي «Going the distance»، أو كما عرض في الصالات المصرية تحت اسم «المسافات البعيدة» هي فكرته المختلفة التي يمكن صياغتها علي النحو التالي: «هل يمكن أن يعيش الحب بين طرفين بينهما آلاف الكيلومترات؟». ولكن مشكلة المسافات البعيدة الواضحة جدا أن صعوبة الفكرة واختلافها لم يقابلها العمل علي معالجتها بشكل جيد، لذلك أخذنا ندور ونلف في نفس الحلقة المفرغة علي مدي أكثر من ساعة ونصف الساعة وأصبحت المشكلة الأكبر أن الأفلام الرومانسية عموما تعتمد علي اللقاء المباشر بين الطرفين في حين يفترض أن يكون معظم الاتصال بين البطلين هنا غير مباشر عن طريق التليفون أو الانترنت علي فواصل للقاءات مباشرة قليلة، لذلك انهار الايقاع تماما قرب النهاية، ثم قرر المؤلف «جيوف لا تيوليب» والمخرج «نانيت بريستين» التخلص من الموضوع بأكمله بحل شديد البساطة جعلنا نتساءل: فيم -إذن- اضعنا كل هذا الوقت في الانتقال بين «نيويورك» حيث يقيم العاشق، و«سان فرانسيسكو» حيث تعيش المحبوبة وكأننا أمام صياغة أمريكاني لأغنية محمد عبدالمطلب الشهيرة: «ساكن في حي السيدة.. وحبيبي ساكن في الحسين وبعد التحوير يمكن أن نقول «ساكن في نيويورك وحبيبي ساكن في فرانسيسكو». ما شاهدته يكشف عن أن المؤلف والمخرج كانا يدركان صعوبة المغامرة ويعرفان صعوبة الاجابة عن هذا السؤال: كيف يمكن نسج قصة حب بين طرفين لا يلتقيان كثيرا؟، ولكنهما لم يستطيعا أن يجدا حلا لهذه الصعوبة رغم أن فيلما شاهدته منذ سنوات بطولة «جون كوزاك» و«كيت بيكنسيس» قدم عملا رومانتيكيا بديعا رغم أن بطلي الحكاية لم يلتقيا إلا في عدد محدود من المشاهد، بل كانت المشكلة أكبر لأن القضية لم تكن فقط في المسافة البعيدة التي تفصل بين العشاق ولكن في عدم توافر معلومات كاملة لدي كل طرف عن الطرف الآخر. في «المسافات البعيدة» كانت هناك حلول تعويضية ولكنها لم تفلح في تحقيق الكثير، أولا كان لدينا اثنان من الممثلين يتمتعان بدرجة عالية من القبول: «دروبا ريمور» في دور الشابة «إيرين» التي جاءت للتدريب في صحيفة بمدينة «نيويورك» و«جاستن لونج» في دور الشاب «جاريت» الذي يعمل في شركة للاسطوانات، «دور» تمثل جيلاً كاملاً من الشابات المنطلقات الباحثات عن تحقيق الذات، ورغم أن «جاستن» يعطيك شعورًا بأنك تشاهد مسلسلاً تليفزيونيا إلا أنه يتمتع بالقبول وبالقدرة علي أداء المشاهد المرحة، والأثنان بينهما درجة عالية من التفاعل، ولكن المطلوب بعد أن يتعارف الطرفان، ثم يقضيان ستة أسابيع معًا في «نيويورك» أن تعود «إيرين» إلي جامعتها في الغرب الأمريكي، وأن يبقي «جاريت» في «نيويورك»، وعلينا أن نحتمل بعد ذلك أن تذهب هي إليه أحيانًا، ثم يذهب هو إليها وهكذا دون أن تشعر بأي جديد، ولأن الفيلم أمريكي بامتياز فإن كاتب السيناريو لا يريد لأي طرف أن يتنازل عن وظيفته، «إيرين» التي أصبحت صحفية في «سان فرانسيسكو» لا تستطيع الانتقال إلي «نيويورك»، و«جاريت» الذي يعمل في شركة الاسطوانات لا يمكن أن يترك وظيفته ليعيش في «سان فرانسيسكو»، والاتصالات شغالة بين الطرفين عبر الموبايل أو الكمبيوتر أو الرسائل المكتوبة علي شاشة التليفون، والثرثرة مستمرة سواء بين «جاريت» ورفيقيه «دان» و«بوكس»، أو بين «إيرين» وأختها وصديق الأخت وابنة الأخت الصغيرة. كان واضحًا أن فترة التعارف والحب بين «إيرين» و«جاريت» أخذت وقتًا طويلاً في بداية الفيلم، وكان مقبولاً أن يصبر «جاريت» العاشق علي فترة استكمال «إيرين» لدراستها لعدة شهور، ولكن ظل غريبًا، أن يستمر الابتعاد بين طرفين تأكدا من مشاعرهما حتي بعد استكمال الدراسة، وظلت الحجة أن الصحافة في «نيويورك» بعافية شوية، وأن الصحيفة التي تتدرب فيها «إيرين» تستغني عن عشرات المحررين، طيب لماذا لم تعمل «إيرين» كنادلة في «نيويورك» بدلاً من أن تعمل كنادلة في الغرب الأمريكي؟! سؤال بسيط مثل هذا لن تجد له اجابة لأن اغراء المغامرة بالاستمرار في اللعبة حتي النهاية أكبر من خيال المؤلف في نسج أحداث تدفع بالفيلم إلي الأمام بدلاً من وقوفنا «محلك سر»، وتزايدت الأزمة بسبب اعتماد المؤلف علي الحوار الطويل رغم أنه عمومًا خفيف الظل خاصة في مشاهد الثنائي «دان» و«بوكس»، وقد خطف الممثلان اللذان لعبا الدورين وهما «شارلي داي» «دان»، و«جاسون سود يكيس» «بوكس» الأضواء من البطلين في كثير من المشاهد. وبين لقطات «نيويورك»، ومشاهد «سان فرانسيسكو» سيكون في كل مرة اختراع سبب لكي يعود كل طرف إلي موقعه «ايرين» تخبر «جاريت»، بعملها في «سان فرانسيسكو» بأن تسافر إليه في «نيويورك»، وهناك يختلفان ثم ينفصلان، وبعد أن تنجح «إيرين» في عملها كصحفية، يدعوها «جاريت» لمقابلته حيث نكتشف أنه ترك عمله في «نيويورك»، وأنه أصبح مديرًا لأعمال فريق غنائي في «لوس انجلوس»، وبذلك اقترب جدًا من «سان فرانسيسكو» مما يتيح عودة المياه إلي مجاريها مع «إيرين»، وقد جعلني تلفيق النهاية المفاجئ اتساءل: ولماذا لم يتخذ هذا القرار مبكرًا بدلاً من هذه «المشورة» من «نيويورك» إلي «سان فرانسيسكو»؟ أن تجد اجابة مقنعة سوي أنه يجب أن يكون الفيلم طويلاً أما التفاصيل فهي غير مهمة، الأكثر أهمية أن تكون النهاية متسقة مع قيم النجاح الشامل الأمريكية إذا لابد أن يتحقق الطرفان في الحب وفي العمل معًا مع أن العقدة الأساسية تجعل العمل في كفة والحب في الكفة الأخري! عندما طلب مني أحد مذيعي الفضائيات بعد نهاية الفيلم أن أمنحه درجة من عشر درجات، قلت أن فيلم «المسافات البعيدة» يستحق خمس درجات فقط من عشر بسبب فكرته ومحاولته الاجتهاد مع بعض المشاهد الضاحكة القليلة، ولكنه يفقد الدرجات الخمس الأهم المتصلة، بالمعالجة وبناء التفاصيل المقنعة، وبسبب ذلك بدا اجتهاد «دور باريمور» و«جاسترلونج» أقرب إلي اجتهاد اثنين من لاعبي فريق لكرة القدم في حين يبدو بقية أعضاء الفريق مرفوعين من الخدمة، ولا أظن أن فريقًا بهذه الحالة يمكنه التسجيل أو الفوز!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل