المحتوى الرئيسى

في طابور استفتاء ما بعد الثورة: جدل «لا» الممكنة و«نعم» المختلفة

03/19 21:15

  أمام مجمع المدارس بأرض الجمعية في إمبابة، وقف شحاته حماد، المدير العام المتقاعد بإحدى شركات القطاع العام، وابنه العشريني يتأملان الطابور الطويل الممتد بمحاذاة السور الذي يحيط بالمجمع ويمتد إلى مدخل المدرسة وصولا إلى اللجان الانتخابية للاستفتاء على التعديلات الدستورية. يشير أحمد لأبيه ضاحكا إلى الطابور القصير أمام كشك بيع الخبز المجاور. يتذكر أحمد أن الأمر كان معكوسا في آخر انتخابات برلمانية. يتذكر شحاته المرة الأولى التي أدلى فيها بصوته في استفتاء، كان على بيان 30 مارس 1968 الذي أعلنه جمال عبد الناصر متضمنا إصلاحات باتجاه الديمقراطية بعد احتجاجات من عمال وطلاب. لا يتذكر شحاتة حماد النتيجة ولكنه يضحك قائلا: «تقريبا كانت 99.9%». يتذكر أنه قال «نعم» وقتها مع الجموع التي يقول أنها لم تكن تتصور أصلا أن هناك إمكان لـ«لا». ولكن هذه المرة مختلفة والنقاش يدور بين كل اثنين حول مزايا وعيوب «نعم» و«لا». أمامه في الطابور يشتعل نقاش بين ناشط في حزب التجمع بامبابة وشاب سلفي. الناشط كان يتحدث عن ضرورة «لا» لأننا نريد إعلانا دستوريا ودستورا جديدا والشاب السلفي احتد عليه وطالبه بالتوقف عن الدعاية لرأيه أمام اللجنة. يحتدان للحظات قبل أن يتدخل آخرون للتهدئة ويطالبون الجميع بالانتظام في الطابور والنقاش بهدوء وبدون صوت عال. يقترب شحاتة حماد من مدخل المدرسة حيث يقف جنديان من القوات المسلحة مع فردي أمن من الشرطة يتابعان في كسل الطابور الطويل ويتدخلون كل فترة عندما يطالب أحدهم بمنع أي مواطن من تجاوز دوره. مجموعة من الشباب تتطوع لتنظيم الطابور ومراقبته ويشكلون طابورا خاصا موازيا لكبار السن. لا يترك شحاتة مكانه في الطابور الرئيسي ويظل يتناقش مع ابنه ومجموعة من الشباب حوله. يقول لهم أنه كان يشارك في السياسة ولكن بحذر، وانضم إلى منبر اليسار بقيادة خالد محيي الدين في السبعينات عندما أنشأ السادات المنابر، لكنه خرج منه بعد انتفاضة 18 و19 يناير1977 مع جموع خرجت خوفا بعد اتهام كوادر يسارية بالتورط في الانتفاضة، ولكنه رفض أن يدخل مع الجموع منبر الوسط الذي تحول فيما بعد إلى الحزب الوطني. يبدي شحاتة أسفه لأن بعض الشباب المتحمسين الذين يدعون لرفض التعديلات يصفون المؤيدين بأنهم فلول الوطني وأتباع الإخوان والسلفيين ويقول: «عهد الوصاية انتهى بعد ثورة الشباب الأنقياء. بلاش الكلام ده. سيبوا الشعب يختار». يتقدم مع الطابور إلى داخل المدرسة. بجانبه تظهر مجلة حائط صنعها التلاميذ تتحدث عن ثورة 25 يناير وسط ألوان العلم وفي المنتصف تحية للجيش المصري وفوقها صورة للمشير محمد حسين طنطاوي. يعلق شحاتة أنه سيقول «نعم» من أجل سرعة الانتقال إلى الديمقراطية لكي نحمي الجيش من السياسة ونحمي السياسة من الجيش، وفي النهاية سنحصل على دستور جديد بعد الانتخابات البرلمانية، ويضيف ببعض الغضب :«فيه ناس بتفهم الناس إنهم لو وافقوا مافيش دستور جديد. ده غلط. في كل الحالات لازم هاييجي دستور جديد. هو احنا والشباب دول هانسيب حقنا تاني بعد الثورة؟». يبتسم شحاتة في أسى لأن جيله فرط أحيانا في حقه. يقول أنه كانت لديه 3 تذاكر انتخابية. واحدة في الباجور مسقط رأسه حيث يدلي بصوته لكمال الشاذلي من باب العصبية، وواحدة في شبرا الخيمة حيث مقر عمله ويترك رؤسائه يصوتون باسمه وواحدة في روض الفرج حيث يسكن قبل أن ينتقل إلى إمبابة:«تركت آخرين يصوتون باسمي لكن في منطقة سكني صوتت أحيانا لصالح مستقلين ومرشحي المعارضة المحترمين. عمري ما صوتت لمبارك ولا مرة. ما كانش عندنا أمل، الكل كان عارف الطبخة إزاي. دلوقتي الشعب هايقول كلمته بقى». يدخل ابنه في نقاش مع ماجد الذي يبدو الصليب من فتحة قميصه، الذي يؤكد أنه سيقول «لا» من أجل فرصة لكل التيارات لكي تنظم نفسها قبل الانتخابات البرلمانية. مجموعة من الشباب المسيحيين يوافقون ماجد ولكن بينهم يقول مينا أنه سيقول «نعم» ولا يخشى من سيطرة الإخوان المسلمين على البرلمان لأنه شارك بجوار بعضهم في الثورة ولأنهم أعلنوا أنهم لن ينافسوا على أكثر من ثلث البرلمان وأن كل من شارك في الثورة يريد الآن دولة مدنية. مثل مينا كان هناك محمد عبد الفتاح الشاب السلفي الذي يخوض نقاشا مع زملائه السلفيين مختلفا معهم أن الجدل ليس حول المادة الثانية وأنه سيقول «لا» مخالفا لهم جميعا لأنه يريد إعلانا دستوريا جديدا باسم الثورة التي شارك فيها. يتابع شحاتة نقاشهم قليلا قبل أن يقرر الانتقال إلى طابور كبار السن، يدلي بصوته سريعا ويخرج. يمازحه الشباب أنها ثورة شباب ويجب أن يكون الاستثناء لصالحهم. يربت على كتف أحدهم ويقول ببعض التأثر: «إحنا خلاص يا بني عشنا أيامنا. دي دولتكم بقى. خلوا بالكم منها.إنتم مسئولين عنها».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل