المحتوى الرئيسى
alaan TV

وهم البنى التقليدية ... وهم المثقف النخبوي بقلم:رشيد قويدر

03/19 20:15

رشيد قويدر كاتب فلسطيني فتحت الاندفاعات السريعة التغييرية الاجتماعية السياسية للثورتين المصرية والتونسية؛ على المعضلات الإشكالية للنخب والبنى الثقافية الاجتماعية السياسية الثقافية التقليدية، وكشفت أزمتها وأزمة المثقف النخبوي، وفي الوقت ذاته فتح نموذج الثورات الشعبية الباب على الإرهاصات التغييرية في المجتمعات العربية ... إن زخم التغيير الشعبي كشف صورة المثقف الموهوم، باعتباره فقد قدرته على تقديم الأفكار المؤثرة بالجماهير، التي يفترض بها أن تساهم في حمل هموم الرأي العام، نحو نقل هذه المجتمعات من الديكتاتورية والفساد إلى حقبة التحولات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لعل الأسباب عديدة ومن المبكر حسم استنتاجاتها، حيث سَيُكْتب عنها كثيراً، بيد أنه من الممكن طرق عناوينها، بدءاً مما أُشيع من قبل النُظم الاستبدادية بأن المجتمعات العربية "غير قابلة للقراءة"، أو بسبب الاستبداد المديد وميراثه الطويل فضلاً عما روّجته السلطات ذاتها بأن "البديل سيكون للأحزاب السياسية الدينية المتطرفة"؛ لنيل بركات مراكز الهيمنة القطبية وتبرير قمعها ... اليوم تعيش المجتمعات العربية زخم مخاضاتها الجديدة، وبوتيرة غير مسبوقة على يد الأجيال الجديدة التي أَضْحت هي محركات التغيير، أما المثقف النخبوي والبنى الثقافية التقليدية أمست متأخرة وملحقة بشكلٍ تدريجي بجماهير المجتمع، وعلى ضوء إنجازات التغيير وتقديرات حسمه على يد الشعب. يمكن رصد استنتاجات سريعة منها علاقة هذه البنى التقليدية بوسطها الاجتماعي، فهي لذاتها ومثقفها لذاته، بعد أن اختزلت ثورة المعلومات التكنولوجية هذا الدور التقليدي، وأوجدت فضاءات ثقافية مغايرة للسابق، حيث تكون المعلومة متوفرة للجميع، وبات التحاور متوفراً للجميع من شكله "الافتراضي" إلى الوضعية المادية؛ في دورة التحول الهائل مع "الفيس بوك و تويتر" وتفاعل الأجيال التي تجيد التعامل مع شبكة الإنترنت، وقد أضافت مهارات جماعية جديدة؛ في تواصل الدور الجماعي بشكل مفتوح، نحو سرعة التحشيد عبر الحوار الجامع وخلق قضية رأي عام عبر القراءات الناضجة ... يتصف المثقف بقدرته على إنتاج الأفكار، وقدرة على الاستشعار، لكنه يفتقد القدرة على التحشيد بتحويلها إلى واقع عملي ومادي، حيث أن محركات التغيير تقوم على التحشيد أولاً وقبل كل شيء، كما أن عديد المثقفين في عمقهم التراثي لا يؤمنون بقدرات الأجيال الشابة، لأن هذه الثقافة "تحبذ رأي الكهل على رأي الشباب"، كما لا يهتم المثقف التقليدي والنخبوي إلى علاقته مع الوسط الاجتماعي، ولا تعنيه ظواهر البطالة وأرقامها، ونمط حياة شرائح كبير في المجتمع، فضلاً عن تعاليه عن "النقد" لعقدة "نرسيست"، الأمر الذي جعل الحراك الشعبي بوتيرته المتسارعة مفاجئ بنتائجه للمثقف ذاته ... نحن أمام تحول جديد سيتسع بنموذجه في بلاد العرب، وطالما شكلت الانتفاضات والثورات الشعبية والحركات الجماهيرية قيّمها في بناء ثقافتها الجديدة، فالتغييرات الجديدة أوجدت متطلبات جديدة مختلفة عن التقليدي، عبر جدلية الحرية والديمقراطية ونشدان العيش الكريم والعدالة الاجتماعية ومكافحة البطالة، وضمان آليات التغيير الاجتماعي، وفي حرية الرأي والنقد ومكافحة الفساد ... إن التطلعات الشابة الجديدة منشغلة بضرورة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية كونها المسلمات الأرقى لبناء المجتمع المدني، ودون حاجة المثقف إلى البرهنة على أهميتها أو العمل الدؤوب للوصول إليها، وعبرت إلى مرحلة (الحداثة وما بعدها) أي عصر الحقبة الثالثة من الثورة المعلوماتية دون الحاجة إلى التقليدي، وانتقل الشباب المصري والتونسي وعلى الإيقاع الخالد: "أنا الشعب ... أنا الشعب ... لا أعرف المستحيلا" ومعه الشعب حقاً، من مرحلة إلى أخرى دون الحاجة إلى قراءة عِلْم الثورة والكلاسيكيات الاجتماعية على تلاوينها والفلسفات العقلية ومدارسها، والمراحل التي اجتازتها البشرية المعاصرة، لأن عصر المعلوماتية يقوم على الإدراك السريع للواقع الملموس، ويما يلخص له كامل التراكمات الفكرية الهامة، ويختصر له المسافات بحواسه العادية للوصول إلى النتائج، وبأبعاد ثورية سريعة وبخطوات عملية نحو المستقبل، بينما الواقع المعاش بكامل انتكاساته المديدة؛ وضعت المثقف في وضع متأخر عن اللحاق بما يجري في الساحة الاجتماعية، خاصةً وأنها مُكلفة في وضعية المواجهة وبموقع طليعتها في إنتاجها أشكال للحياة تختلف عن السابق ... إن المثقف مأزوم بذاته وبحضوره المركزي في كل احتشاد اجتماعي ثقافي، وهو الباحث الدائم عن حضوره وليس عن مشاركته في التغيير؛ وقد ابتلعت الأنظمة السياسية المكرّسة باستبدادها حالات واسعة من المثقفين، كذلك الأحزاب وإيديولوجياتها التي حولتهم إلى جهاز للدعاية والتنظير بغية الإمساك بالسلطة أو المشاركة الذيلية بها باسم "المعارضة" ومن باب "الديكور"، لا بهدف تغيير المجتمع ذاته. الأمر الذي وضعه و – وضعها - خارج الكتل الاجتماعية التي تصدت للتغيير، لا ينفي هذا أن العديد من المثقفين هم في وضعية المثقف العضوي في قلب الحركة الشعبية والاحتشاد الجماهيري، ورفع الخطاب الذي أنتجه المجموع، ورددته الجموع رفضاً للديكتاتورية؛ ومن خلال استشعاره لدوره النوعي وأهميته الاجتماعية ولأمانة الحقيقة الثقافية ... اليوم تندفع فواعل اجتماعية جديدة تقوم بدور المثقف، وخلق مناخات مطلبية وعاطفية وطنية وسياسية تستطيع التحشيد والتغيير محمولة على الميديا المعاصرة، تستند قوتها على أرقى أشكال الديمقراطية الصاعدة من أسفل المجتمع إلى الأعلى؛ من الحشود الكبيرة للمهمشين وعشوائيات المدن والأزقة المتربة، من النجوع، ومعهم جيوش البطالة العمال في مُقدمهم جيل الشباب لإنزال السلطان من عليائه وجبروته، فلا أحد يستطيع احتكار صوتهم ...

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل