المحتوى الرئيسى

ليبراليون واشتراكيون

03/19 09:49

بقلم: جمال عبد الجواد 19 مارس 2011 09:30:56 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; ليبراليون واشتراكيون  تتطلع مصر إلى الأحزاب السياسية الجديدة التى ستنشأ بعد الثورة. تأخر الأحزاب الجديدة ليس فقط فى الظهور، وإنما أيضا فى الوصول بأفكارها ومبادئها لقطاعات كافية من المصريين يسبب القلق لأنه يشير إلى أننا بعد أن كنا محشورين بين الوطنى والإخوان، أصبح ظهرنا للحائط وليس أمامنا سوى الإخوان فقط.أعلم أن هناك أحزابا عديدة قائمة، وأن بعض هذه الأحزاب، خاصة الوفد والتجمع والجبهة والناصرى والوسط، لديها فرصة ليست قليلة فى مرحلة ما بعد الثورة، لكن طاقة هذه الأحزاب الخمسة على الاستيعاب وعلى تمثيل جميع أشكال التنوع الثرى الموجودة فى المجتمع المصرى أقل من أن تستوعب الرغبة العارمة للمشاركة السياسية التى أفرزتها الثورة. أهم الأحزاب المتوقع تكونها بعد الثورة هى الأحزاب الاشتراكية والليبرالية، فلهذه التيارات أرصدة فى الشارع السياسى تزيد كثيرا عن الطاقة الاستيعابية للأحزاب القائمة الآن، بما فيها تلك التى ترفع رايات اشتراكية وليبرالية شبيهة. فثورة الخامس والعشرين من يناير تم تنظيمها والدعوة لها من جانب شباب يتبنى أغلبهم أفكارا ليبرالية واشتراكية لكنهم غير منتمين ــ غالبا ــ لأى من الأحزاب القائمة، ولو كان هؤلاء الشباب وجدوا لأنفسهم مكانا فى أى من الأحزاب القائمة لكانوا التحقوا بها منذ زمن، الأمر الذى لم يحدث، بما يعزز الاعتقاد بالحاجة إلى أحزاب جديدة تثرى الحياة السياسية فى مصر. فشباب الخامس والعشرين من يناير هم الدماء الجديدة التى بدون ضخها فى شرايين حياتنا السياسية ستظل هذه الشرايين متصلبة مسدودة حتى بعد زوال الطغيان.قوى ما بعد الخامس والعشرين من يناير تتنازعها من ناحية الرغبة فى مواصلة العمل المشترك العابر للإيديولوجيات عبر تكوين أحزاب ذات مظلات عريضة تتسع لأنصار رؤى إيديولوجية متباينة، والرغبة من ناحية أخرى فى التعبير عن نفسها فى أحزاب مستقلة يعكس كل منها الرؤية الأيديولوجية الخاصة بأصحابه. ينطبق هذا بشكل خاص على التيارين الاشتراكى والليبرالى المحدثين، واللذين تقاربا كثيرا فى مبادئهما وبرامجهما السياسية فى السنوات السابقة. فالاشتراكيون الجدد، والذين يحبون أن يطلقوا على أنفسهم تسميات من نوع اليسار الديمقراطى أو الديمقراطيين الاجتماعيين، لم يعودوا دوجمائيين أصحاب رؤية اشتراكية جامدة تقوم على تأميم الملكيات الخاصة والتدخل الزائد عن الحد للدولة فى الاقتصاد. أما الليبراليون المصريون المحدثون فقد تجاوزوا أفكار الدولة الحارس، وباتت شبكات الضمان والأمان الاجتماعى والتنمية البشرية جزءا لا يتجزأ من مبادئهم. هذا التقارب بين التيارين عندما يضاف له اشتراكهما فى الإيمان بالدولة المدنية والحريات وحقوق الإنسان يقرب المسافات بين التيارين، ويبرر سعى بعض النشطاء من الجانبين للعمل ضمن حزب سياسى واحد يعبر عن الرؤية المشتركة للتيارين.على قدر وجاهة الدعوة لجمع التيارين الليبرالى والاشتراكى معا فى حزب سياسى واحد، وعلى قدر المكاسب التى يمكن أن تتحقق نتيجة للوحدة والعمل المشترك، على قدر الخسائر التى يمكن أن تلحق بالتيارين حال تحقق هذه الدعوة. فالتقارب بين المحدثين من الليبراليين والاشتراكيين لا يلغى التفاوت والاختلاف بينهما، وإلا ما كان أى منهما يستحق اللافتة المستقلة التى يرفعها أو يقف تحتها. فدمج الاشتراكيين والليبراليين المحدثين معا فى حزب سياسى واحد سيؤدى إلى مسخ الهوية الإيديولوجية والمبدئية لكل منهما بشكل يهدد بجعل حزبهما المشترك كيانا أكبر لكنه هجين محروم من المذاق الواضح القادر على إثراء الحياة الفكرية والسياسية فى بلادنا. ومع أن الأحزاب فى النظم الديمقراطية المتطورة تميل فى أغلب الأحوال إلى تبنى برامج ورؤى وسطية تمكنها من الفوز بتأييد قطاعات الناخبين الوسطيين غير الملتزمين إيديولوجيا وهم الأغلبية فى أى مجتمع، إلا أن حركة الأحزاب السياسية جهة الوسط فيما يتعلق بالبرامج والسياسات لا يرتبط بتحرك مماثل فيما يتعلق بالمبادئ والفلسفات والمنطلقات، فأحزاب اليسار الأوروبى حافظت على استقلالها وهويتها حتى وهى تأخذ بسياسات السوق، وهو نفس ما فعلته الأحزاب اليمينية حتى وهى تطبق سياسات الحماية الاجتماعية. الهجين الأيديولوجى بين الاشتراكى والليبرالية لا يضر فقط بهوية أحزابهما، ولكنه يضر أيضا بفرصهما فى الفوز بتأييد الناخبين. فالأحزاب حتى وهى تتحرك جهة الوسط تظل حريصة على الاحتفاظ بمؤيديها الأصليين الملتزمين فكريا وأيديولوجيا، الأمر الذى يمكن تحقيقه فقط عبر احتفاظ الأحزاب بهوية أيديولوجية محددة حتى عندما تتغير البرامج السياسية. فللتيار الاشتراكى أنصاره الذين لا يرضون بمسخ هوية حزبهم حتى عندما يشجع القطاع الخاص ويقر بأهمية الاندماج فى النظام العالمى. وبالمثل فإن للتيار الليبرالى أنصاره الذين يريدون لمبادئ الحرية والفردية أن تحتل مكانة بارزة فى الهوية الفكرية لحزبهم، حتى عندما يتحدث عن دور الدولة فى حماية مصالح الفقراء والفئات المهمشة وعن دورها فى توجيه الاقتصاد. فالكثيرون من العمال والاشتراكيين الملتزمين قد يمتنعون عن تأييد حزب لا يرفع راية الاشتراكية ولو باعتدال شديد، وبالمثل فإن الفئات الوسطى العليا ومجتمع الأعمال قد يترددون فى تأييد حزب يحمل شبهات اشتراكية بينما يتردد فى تأكيد التزامه المبدئى بالحرية الفردية والمبادرة الخاصة. الأكثر من هذا هو أن فى جمع الاشتراكيين والليبراليين معا مخاطرة كبيرة تهدد الانسجام والسلام الداخلى للحزب الهجين. فرغم التشابه الكبير بين المحدثين من الليبراليين والاشتراكيين إلا أن ميراث الفكر والخبرات والمزاج النفسى لأنصار كل منهما يختلف عن الآخر. وقد تبدو أهمية هذه العناصر محدودة فى لحظة الفوران والثورة ومواجهة تحديات جدية تفرضها مرحلة الانتقال التى تمر بها مصر، إلا أن خبرات الحركات السياسية المصرية، وحداثة التجربة السياسية التى تمر بها البلاد، ومحدودية خبرات العمل المشترك بين أنصار هذه التيارات، كل هذا يهدد بتعريض الحياة الداخلية للحزب الهجين لضغوط وتوترات مكروهة فى هذه المرحلة المبكرة.تحبيذ الاستقلال الذاتى والوضوح الإيديولوجى للأحزاب السياسية لا يعنى الخصومة أو الصراع، على العكس، فالأحزاب الليبرالية والاشتراكية المحدثة هى أكثر الأحزاب السياسية قدرة على التنسيق والعمل المشترك بسبب مساحة الاتفاق المشترك الكبيرة بينها. فتبادل تأييد المرشحين، أو تشكيل قوائم المرشحين المشتركة، وغير هذا الكثير كلها تظل أشكالا ممكنة من العمل المشترك، الذى قد يتطور إلى اندماج كامل مع تغير الظروف ومع تعمق تقاليد التعاون والتنسيق بين قواعد الأحزاب كما بين قياداتها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل