المحتوى الرئيسى

حكاية سياسيةتهمة الروائية وملفات أمن الدولة

03/19 01:19

روائية لامعة‏,‏ نشرت روايات عديدة حظيت بالتقدير شرقا وغربا وأثار بعضها جدلا وصخبا‏,‏ غير أن الصخب دوي بعنف كأنه انذار بالموت‏,‏ عندما اسدل الستار المعتم والقاتم علي حياتها الأدبية لتورطها في تهمة سياسية مشينة‏. فقد شاء قدر الروائية كرستياوولف أن تنتمي لألمانيا الشرقية وقت طغيان نظامها الشمولي‏,‏ وهيمنة الاتحاد السوفيتي علي الدول الدائرة في فلك منظومته الايديولوجية الشيوعية‏.‏ وكانت كريستيا قد ولدت في بولندا‏,‏ واضطرت إلي الرحيل مع أسرتها هربا من أتون المعارك التي شنها النازي الألماني هتلر إبان الحرب العالمية الثانية‏,‏ واستقر بها المقام في ألمانيا الشرقية عام‏1945,‏ وسرعان ما انضمت طواعية واختيارا لعضوية الحزب الشيوعي‏,‏ وكان الحزب آنذاك يتدثر بعباءة المدينة الفاضلة‏(‏ اليوتوبيا‏),‏ ولم يكن ذراعه الأمني قد استطالت وصال وجال‏,‏ وصار مطرقة لقمع المواطنين‏,‏ يعرف باسم مباحث أمن الدولة أو ستاشي‏.‏ وعندما عصفت الثورات الديمقراطية التي هبت علي أوروبا الشرقية عام‏9891,‏ بالنظم الشمولية‏,‏ كانت ألمانيا الشرقية في قلب إعصار الحرية‏,‏ وانقض أهلها علي سور برلين ودمروه‏,‏ وأسقطوا نظام اريك هونيكر الذي هيمن علي البلاد منذ عقد السبعينيات‏.‏ ولم تكتف الجماهير الغاضبة بإسقاط هونيكر ونظامه‏,‏ وإنما اندفعت ذات يوم من عام‏1990‏ نحو مقار أمن الدولة‏,‏ واقتحمتها في مشهد مثير لم يحدث في بلدان أوروبا الشرقية‏,‏ وتسربت التقارير السرية للدولة البوليسية‏,‏ وطالت شذرات منها كريستيا وولف والتصقت بها تهمة تعاونها مع جهاز أمن الدولة وهي تهمة أدت لانسحابها من الحياة العامة‏,‏ وكأنها قضت نحبها‏,‏ وماتت دون أن تلفظ أنفاسها الأخيرة‏.‏ وهنا يتعين الاشارة الي ان الكتاب الأوروبيين الذين تناولوا بالدراسة ممارسات جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية الشمولية‏,‏ ومنهم جون أرداج في كتابه المهم عن ألمانيا الذي صدرت طبعته الثالثة عام‏5991‏ قد أوضحوا أن ذاك الجهاز كان صارما وفظا‏,‏ لكنه لم يمارس القهر المجاني ولا القمع العشوائي‏,‏ ولم يجرؤ علي عمليات تعذيب مروعة‏,‏ ولم يتورط في اختطاف المواطنين‏,‏ كان يتجسس علي أهل البلاد‏,‏ توطئة لتلفيق التهم ضد من يشق عصا الطاعة علي النظام‏.‏ ويؤكد الكتاب والباحثون في أوروبا أن أهل ألمانيا الشرقية في ظل ذاك النظام الشمولي لم يكن بينهم عاطل‏,‏ ولم يكن أحدهم يتضور جوعا‏,‏ وكانت الرعاية الصحية تشمل الجميع‏,‏ صحيح أن نمط الحياة لم يكن بمثل اليسر والرفاهية التي يتمتع بها أقرانهم في ألمانيا الشرقية‏,‏ لكن حضارة السوبر ماركت لم تكن تؤرقهم كثيرا‏,‏ وإنما كان ما يؤرقهم حرمانهم من حرية الرأي والتعبير والسفر‏.‏ واذا كان الأمر كذلك في نظام شمولي عتيد‏,‏ فإن نظام مبارك الشمولي والاستبدادي بامتياز لا يمكن مقارنته بأي نظام‏,‏ فقد كان موغلا في الفساد السياسي والمالي والإداري‏,‏ ولذلك كان إصرار ثورة‏52‏ يناير علي إسقاط نظام مبارك ومؤسساته القمعية والأمنية والسياسية‏.‏ واللافت للانتباه أن المصريين منذ بدء الحراك السياسي وظهور الحركات الاحتجاجية وهم يصبون جام غضبهم علي جهاز أمن الدولة‏,‏ وكان شعارهم الواعي‏:‏ ياحرية فينك فينك‏,‏ أمن الدولة بينا وبينك ولذلك اقتحم الثوار مقار أمن الدولة في هجوم علي الدولة البوليسية‏,‏ عندما أتاهم نبأ اضطلاع ضباطها بفرم الوثائق واضرام النيران فيها‏.‏ وهو هجوم لم يحدث في العالم منذ هجوم الثوار الألمان علي مقار أمن الدولة شتاسي‏,‏ فقد كان من الضروري وطنيا وانسانيا كسر مؤسسات صناعة الخوف‏,‏ بعد كسر حاجز الخوف في ثورة ميدان التحرير وميادين المحافظات المصرية‏.‏ المزيد من أعمدة محمد عيسي الشرقاوي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل