المحتوى الرئيسى

الحمار يستعيد مجده..بقلم: نبيل عودة

03/18 19:20

الحمار يستعيد مجده... نبيل عوده كان للجمعية الثقافية التي يديرها سامر حمار جميل، رفيع الصوت في نهيقه، لدرجة أن أعضاء الجمعية، كانوا يسمونه تيمنا ب "الحمار المثقف"، الأمر الذي جعل نورة زوجة مدير الجمعية ونائبته في ادارتها، تعترض على هذه التسمية، التي تلحق بالمثقفين والمثقفات من أعضاء الجمعية، اهانة مباشرة، إذ ستصبح صفه المثقف أو المثقفة تماثلاً مع صفة يحملها حمار، وهذا أمر لا يرضاه الله ، ويشكل وصمة غير مريحة للجمعية وأعضائها، وللصورة التي سترتسم عنهم في الوسط الثقافي، خاصة وان نقاد غير نبلاء ، يوجهون سهاما سامة ضد الجمعية وادارتها، ويجب تلاشي موضوع وصف الحمار بالمثقف قبل ان يلحقهم كلام وقعه سيء على الأذن. تسمية الحمار بالمثقف أشعلت الخلاف بين نورة وزوجها سامر الذي لم يقتنع بوجهة نظرها الثقافية، لأن الحمار حمار، حتى لو نشأ في جمعية مثقفين أو لقب بالحمار المثقف. والمثقفون والمثقفات من أعضاء الجمعية لا يتشبهون بالحمار ، حتى لو تشبه الحمار بهم. فهم لا ينهقون إلا إذا غضبوا وفلتت براغي دماغهم. سامر طلب من زوجته العصبية أن تغلق موضوع الحمير من البحث المتكرر في اجتماعات الجمعية، لأن القضايا الثقافية المطروحة أهم من موضوع الحمار، ولكن بغياب ما يبحثه المجتمعون،وشحة القضايا الثقافية التي يلم بها أعضاء الجمعية، كانت مشكلة تسمية الحمار يالمثقف، او سحب هذه التسمية منه ، هي الشغل الشاغل منذ تأسيس الجمعية،ويبدو ان ذكاء الحمار كان شديدا ، اذ كان ينهق بقوة اثناء بحث موضوعه وكأنه يقول لهم ان لي رأيا يجب ان تأخذوه بعين الاعتبار. الزوجة نورة ،والنائبة للرئيس بنفس الوقت، قدمت مداخلة ثقافية بارعة، ادعت فيها انه رغم اختلاف نهيق الحمار عن نهيق أي عضو من أعضاء الجمعية، فانه من الصعب اقامة الدلائل المشتركة بين نهيق كاتب منضوي تحت لواء الجمعية او نهيق الحمار، وان المشكلة هي في التسمية فقط، وليس بالفعل العملي او بالصوت . فالتشابه غير قائم حقا، ولكن التسمية مؤذية، والخوف ان تنفتح قريحة ذلك الكاتب، الذي "يصُف الكلمات بجانب بعضها" حسب تعبير نورة ، وينتبه ان الحمار أيضا صار مثقفا في جمعية سامر ونورة الثقافية، مما يخلق تشابها في الصفات التي يحملها الحمار وغير الحمير في نفس الجمعية، وربما في المستقبل يقوى الخجل فينفضُ العُقال، ولا يبقى من أعضاء الجمعية الا مديرها ونائبته والحمار ثالثهما . فأي جمعية هذه لا تميز بين حمار وبني بشر؟ والخوف ان تصبح حالهم بائسة وعرضة للكاتب نفسه الذي يجمع بين كلمات، وتتبهدل ألقابهم . الحمار حمار ولا يحتاج الى صفة مثقف. هذا هو الحل الأمثل ولينهق محتجا ، فالنظام أقوى من الحمير .ولأنه من ناحية أخرى، من غير المجدي استعمال لقب متشابه بين الحمار والمثقفين من أعضاء الجمعية، حتى لا يلحق الضرر باسم الجمعية،وتصير حال سامر ونورة مثل القائد بلا عسكر . ولكن ما جعل سامر يصر على رفض مواقف نائبته (في الاجتماع وليس في البيت) أهمية الحمار للجمعية، اذ انه يشكل مصدر دخل لاستمرار نشاط الجمعية، وهنا الإشكالية.فهو مصدر الدخل والاستمرار ،أي العامل الاقتصادي الحاسم، وبدونه لا تقوم قائمة لرئيس الجمعية او نائبة الرئيس او الرئيس الفخري..او أي شخصية معتبره وذات لقب كبير في الجمعية الثقافية. والأمر الذي يتردد سامر من طرحه ، حتى لا يعلق وتنتف شواربه، هو ان ما يقوم به الحمار تعجز عن القيام بمثله مائة نورة... سامر يخرج كل صباح باكراً، يبحث عن كل ما يمكن أن يباع، من هنا قطع حديد أو نحاس أو ألمونيوم من هناك بعض الحطب، من حاويات القمامة بعض القناني الفارغة، ويعود آخر يومه مرهق، وأحياناً كثيرة، ينسى أنه مثقف، وليس مجرد مسؤول عن جمعية وحمار وتمويل نشاطات. وللأسف يتهامس البعض أنه لم يسجل في سيرته الذاتية إلى جانب ألقابه الثقافية المتعددة أنه حّمار أيضاً. ولكن نورة عنيدة منذ عرفها،لا تتوقف عن الشكاوي والإلحاح لأن تنزع صفة المثقف عن حمار الجمعية. حتى الحمار بات يرتعد غضبا كلما سمع صوتها وكأنه لشدة مفهوميته قد استوعب من يقف الى جانبه ، ومن يقف ضده. فهي تصر بالحاح انه من غير المعقول أن يكون زوجها سامر محسوباً على المثقفين ويسوس حمارا ، هذه إهانة لهذا الجنس النادر من المثقفين الذين تستقبلهم الجمعية على الرحب والسعة، ويضر بمستقبل الجمعية، وبناء على طلب نورة عقدت الجمعية اجتماعات كثيرة للتداول بصفة الحمار. هل هو مثقف لأنه تابع لجمعية المثقفين؟ أم هو مثقف لأن صوته لطيف حين ينهق، وليس كأصوات الحمير المزعجة؟ أم هو مثقف مما تعلمه من تكرار السمع في الندوات والأمسيات التي يستمع إليها مضطراً وهو يلتهم العلف ويتجشأ مثل المثقفين المعجبين بقصص نورة وكتاباتها عن النبلاء ؟! ورغم كل الأسئلة الفلسفية حول مدى ثقافة الحمار، لم يجروء أحد ان يمتحنه بقضايا الثقافة، خوفا ان يظهر الحمار متقدما ثقافيا عن ممتحنيه ، خاصة عن سامر ونورة. في إحدى الندوات، خرجت نورة عن الموضوع ،وغافلت رئيسها في الجمعية وعبدها في البيت، وطرحت موضوع الحمار، وهل يصح أن تحمله الجمعية لقبا لا طاقة له به؟! إلا يعتبر لصق صفة المثقف بالحمار ، إهانة لأبناء جنسه من الحمير، التي تخدم الشعوب ويخدم فرد من جنسها جمعية الثقافة؟! سامر حاول إسكات زوجته خوفاً من أن يسمع الحمار احتجاجها، فيغضب ويعلن تمرده وإصراره على إسقاط النظام،ويطالب بترحيل سامر ونورة ، فالحمار ، مهما كان حمارا ، لا يمكن ان يقبل سحب اللقب الذي اعتاده مقرونا باسمه.يكفي انه مستغل ومهان كل نهاره وليله، فهل يبلغ الجحود بنورة ان تحرمه من لقب لا يسمن ولا يغني؟ وهذا ما حذر منه سامر. قال: الويل من رد فعل الحمار على استمرار النق حول ألقابه المحترمة والاستهتار بها فهو أبو صابر، وابن شنة وابن دلام وابو زياد، والجورف والعرد والعكموس، والكسعوم، والمكراف، والنخة، والكباص، والعلج، والقيدار، والجلعد، والأخطب، والصعل، والصلصل، والمصلصل، والهمهيم، والدبل، والنهاز، والكندر، والكندير، والكنادر، والقلح، والقلد، والمغض والمجلح، والمحلاج وهناك أسماء أخرى تجعل المثقفين من أعضاء جمعية الثقافة، بشعرون بالغيرة من الحمار وكثرة القابه في لغة العرب،ولولا قيمته الاستراتيجية للشعوب العربية لما أطلقوا عليه كل هذه الأسماء والألقاب ، بينما هم بالكاد يضيفون لأسمائهم لقب كاتب او شاعر ، فهل يضير الحمار أن يحمل لقباً جديداً بعد كل هذه الألقاب التي حملها إياه البشر؟! في التصويت قرر أعضاء الجمعية أن ما منح للحمار من ألقاب لا يمكن استردادها،لأنه بعد فحص هذه الاشكالية في القانون ، تبين ان الحمار اذا توجه للمحكمة الوطنية العليا ستنصفه وتعيد له ما صار يعتبر صفة ملازمة له في الجمعية الثقافية. لذا يقترح سامر اتخاذ قرار يقول ان الجمعية فخورة بوجود حمار مثقف في جمعيتهم، وأن اللقب يساهم في تشجيع الحمار على خدمة الثقافة بصبر والتزام، وتخيلوا أن يرفض غداً نقل بعض الحديد للبيع، من أي ستجد الجمعية أثمان القهوة والشاي، وبعض الضروريات لجيبة نورة؟! ولكن نورة لم تقتنع وحولت نقدها ونقها على الحمار، إلى زوجها سامر متجاوزة صلاحياته بصفته الرجل صاحب القول الفصل. وضعت نورة خطة جهنمية لجعل زوجها العنيد يقبل أخير بوجهة نظرها. كانت تتأخر عن إعداد وجبات الطعام، فيعود المسكين مرهقاً ولا يجد أمامه إلا كسرة خبز بدون ادام، حتى بات يحسد الحمار على شعيره. حتى الماء صار مشكلة، فالسيدة نورة تغلق قاطع المياه وتخبئه حتى لا يستحم زوجها بعد يوم شاق. ولكن المياه للحمار لا تنقطع، فصار سامر يشاطر حماره ماء الشرب، فهو حمار لطيف وجميل ونظيف. حتى كانت واقعة لا تنسى، كان يتأهب للخروج بحماره في يوم عمل جديد، فالتقط رغيف خبز طيب الرائحة دون أن تلحظه زوجته، ولكن عندما اكتشفت نورة نقصان رغيف واحد، خرجت عن أطوارها، واندفعت نحو زوجها والحمار صارخة غاضبة، وأمام صمت زوجها، لم يصبر أبو صابر، فأطلق العنان لقدميه الخلفيتان بضربة معلم أصابت رأس نورة، فخرت مضرجة بدمائها. فحمد سامر ربه سرا، وقبل الحمار من شفتيه. في الجنازة الكبيرة، وبعد انتهاء خطابات وقصائد الرثاء، لاحظ الشيخ أن النساء يقتربن من سامر ويوشوشنه، وهو يهز رأسه موافقاً. ولاحظ أيضا أن الرجال أيضا يقتربون منه ويوشوشونه يهز رأسه رافضاً. وتكرر ذلك في خيمة التعازي أيضاً. الشيخ لم يفهم لماذا يقول سامر برأسه "أجل" لكل السيدات المثقفات، ويهز برأسه "لا" لكل الرجال المثقفين من أعضاء الجمعية. هذه الحركة الغريبة التي يرقبها سيدنا الشيخ منذ يوم الدفن وصولاً إلى أيام التعازي، أخبرته أن في الأمر سراً، ولا بد أن يكشفه. وتمنى من الله ان لا تكون وراء هذه الحركات فضيحة أخلاقية. يعد انتهاء أيام العزاء اختلى شيخنا الجليل بالسيد سامر .وبعد المقدمات والمواعظ عن الأخلاق والسيرة الحسنة فاتحه في الموضوع: - يا أبني لاحظت أن جميع عضوات الجمعية تحدثن معك اثناء الأجر وأثناء العزاء، وأنك هززت رأسك موافقاً، ولم تهز رأسك رافضاً لأي منهن، ولكني لاحظت أن جميع الرجال أعضاء الجمعية، أيضاً تحدثوا إليك ولكنك هززت رأسك رافضا بقوة ، فهل تفسر لي يا سامر سر ما رأيت؟ قال سامر: - يا سيدي الشيخ الموضوع بسيط، النساء جئن إلي ليقولوا كم كانت السيدة نورة زوجة صالحة وإنسانة طيبة، طباخة ممتازة، واديبة عالمية، ومثقفة كبيرة سنشعر بنقصانها، وأجبت أجل هذا صحيح.. شكراً. وتوقف سامي. حثه الشيخ: - وماذا مع الرجال الذي هززت لهم رأسك بالرفض. - آه يا سيدي الشيخ، الرجال كان يسألون إذا كان الحمار للبيع!!. nabiloudeh@gmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل