المحتوى الرئيسى

سيد درويش في ذكراه زعيم ثورة مصر يناير 2011 بقلم محيي الدين إبراهيم

03/18 19:20

سيد درويش في ذكراه زعيم ثورة مصر يناير 2011 بقلم محيي الدين إبراهيم كاتب وإعلامي مصري ليس هناك صراع بين حق وحق، بل بين حقٍ وباطلٍ وينتصر فيه الحقُ دوما حتى وإن طال أمد الصراع، وهناك صراع بين باطل وباطل وهذا الأخير هو أقساها وأكثرها فتنة وخراباً ولا انتصار فيه. يقول سيد درويش على لسان بديع خيري حينما أدرك بحسه الوطني النقي أن هناك صراعا بين الحق ( المصري ) وبين باطل ( الاستعمار ) الانجليزي: مصر يا أم العجايب شعبك أصيل والخصم عايب خللي بالك من الحبايب هما دول أنصار القضية آهو ده اللي صار وآدي اللي كان مالكش حق تلوم عليا. لم يختار سيد درويش ممارسة الصراع حتى ولو كان بين حق وباطل حتى رغم إدراكه ويقينه بما لا يدع مجالا لشك أنه في جانب الحق، فهو ابن البلد صاحب الأرض وذاك هو المستعمر الذي لاحق له فيها، ومن هنا اختار سيد درويش كمبدع مصري ملهم أن يمارس التنوير، أن يمارس نور الإيمان بقضاياه الوطنية وينشر أشعته قدر الاستطاعة في ضمائر الأمة جميعا فصار بنقطة النور هذه زعيماً تستلهم من ضميره النقي كل ثورات الحق من بعده أضواء النصر والحرية، حتى صار سيد درويش رغم مرور أكثر من 119 عاما على ميلاده 17 مارس عام 1892 زعيماً للتنوير الثوري لكل الباحثين عن دولة الحق والعدل والمساواة حتى يومنا هذا بل أن روحه الثورية استلهمها ثوار الشباب في ميدان التحرير لينالوا بها ما أرادوه لهم ولمصر من حقوق وطموح في 25 يناير 2011 وهم يرددون أغانيه ويقذفوا بها في وجه الطاغي وجنوده المدججين بأحدث أنواع الأسلحة الفتاكة والغازات السامة لقتلهم وإبادتهم ووأد روح الثورة فيهم لينتصروا وينتصر معهم سيد درويش. ربما من أهم ما تخلص إليه روح سيد درويش الثورية ( المستمرة ليومنا هذا ) رائعته الموجعة " قوم يا مصري مصر دايما بتناديك"، إنها أقرب للعملية الجراحية للمجتمع المصري بدون بنج، يصرخ المريض من ألم الاستئصال لكنه يعيش معافاً بعد الألم حيث لا ألم ولا استئصال، رائعة موجعة كأنه يصدح بها اليوم مع الثوار في ميدان التحرير بالقاهرة ويسخر فيها من كل خلل اجتماعي من شأنه التفريق والحؤول بين المصريين وبعضهم البعض وأمور لا طائل منها ولا قيمة فيها سوى الفتن وصراع الباطل مع الباطل الذي لا يصب إلا في صالح العدو والمتربص في أحوج الظروف الوطنية احتياجاً لتلاحم المصريين وتآلفهم، وقد غناها في ظروف تتشابه مع ظروف ما نحياه الآن، وهي البحث عن الحرية، في فترة تم فيها الغدر بمصر ونفي سعد زغلول ورفاقه خارجها لحرمانها من أبنائها الانقياء الأوفياء والمؤمنين بالتغيير، وحيث لم يدع سيد درويش حينئذ لواء الثورة أن يسّاقط بنفي هؤلاء الوطنيين بل رفعه قبل السقوط وحث الناس ( بالتنوير ) وهو يلوح به من خلال أغانيه التي تحث على الثورة والوجود داعيا المصريين بالتمسك بالأرض والتآخي والنهضة حتى وإن اختلفت مللهم ونحلهم وعقائدهم فيقول: ليه يا مصري كل أحوالك عجب تشكى فقرك و أنت ماشى فوق دهب حب جارك قبل ما تحب الوجود إيه نصارى و مسلمين قال إيه ويهود دى العبارة نسل واحد م الجدود قوم يا مصري مصر دايما بتناديك خد بنصري نصري دين واجب عليك إذن وبهذه الثورية كيف لا يكون سيد درويش زعيم الأمة؟!. ولأن الأبطال لا تلدهم الأمهات‏..‏ وإنما تلدهم الأمم‏، فإن سيد درويش يولد ولم يأت إلهامه الثوري من فراغ وإنما من رحم الأمة، من رحم مصر، فهو قد عاش صباه وبواكير شبابه في ظرف سياسي غاية في الظلمة والتعقيد، ظرف ملأ في ضمير سيد درويش مخزونا عظيماً من النور والحكمة والانتماء كما هو دوما عند أصحاب الضمائر الوطنية، فحينما كان يبلغ من العمر أربعة عشرة عاما تقريباً قامت مذبحة دنشواي، تفتح ضميره الثوري على أقسى ما يمكن أن تتفتح عليه ضمائر الثوريين في العالم، مذابح الناس بقرية صغيره بمحافظة المنوفية في الثالث عشر من يونيو من عام‏1906‏ ، كان وقتها يعيش في الإسكندرية التي لا تبعد سوى خمسين ميلا على أقصى تقدير من المنوفية، تفتحت مداركه على غدر الانجليز وبطولة الفتى المصري الطيب زهران الذي شنقته العساكر الانجليز بتهمة انه مصري هو وزملائه الثلاثة، وشجاعة الفتى مصطفى كامل الذي أجبر أكبر طاغية حكم مصر من وراء الستار على الرحيل بلا رجعة وهو اللورد كرومر، أدت المذبحة لهروب الصفاء من كل القلوب المحبة لتراب مصر لتحل مكانه المرارة ‏..‏ أياما سوداء‏ لا شك يحياها الكل ويبحثون من خلال السواد عن نقطة الخلاص، عن حورس المصري الذي يجب أن يظهر ليحول عار موت أبيه إلى نصر ينغرس في قلوب المطحونين والبسطاء من شعب مصر فينقلب وهن قلوبهم إلى قوة، ومن قوة قلوبهم تستمد الثورة وقودها للحرية. كان الناس يعلمون مدى عداء كرومر والانجليز للخديوي عباس الذي حكم مصر في الفترة ( 1892 – 1914 ) والذين كانوا يعتبرونه ( حورس المصري ) ويعلمون مدى قربه ومحبته لزعيم الثوار الفتى مصطفى كامل الذي نجح في خلق رأى عام ضد سياسة كرومر في مصر، مما دفع بالحكومة البريطانية ومجلس النواب وخاصة بعد هجوم الأديب الأيرلندي جورج برنارد شو وقتها على الاحتلال الانجليزي لمصر واعتبره عارا على تاج المملكة العظمى الأمر الذي أدى إلى عزل كرومر من منصبة في مصر 12 أبريل 1907بعد كلمة برنارد شو الشهيرة التي كان يقصد بها كرومر وقتذاك : "السلطة لا تفسد الرجال، إنما الأغبياء إن وضعوا في السلطة فإنهم يفسدونها". كان يستمع سيد درويش لغناء شقيقاته فريدة وستونة وزينب وهم يرددون أهازيج شعبية تضخ الوطنية في القلوب رغم أنهن كانوا يغنونها في الأفراح الخاصة بهم وبعشيرتهم داخل الحي الذي يسكنونه كنوع من المجاملة وكذلك كنوع من المرح في ساعات السمر البريئة بأحضان ليالي صيف الإسكندرية حيث كان حي كوم الدكة أشبه بقرية صغيرة على الأطراف القريبة جداً من عاصمة العالم الخفية ( بندر إسكندرية ) التي تكتظ ويسكنها خليط كثيف من شعوب العالم اجمع بثقافاته وأيديولوجياته ومسارحه ومدارسه ودور عباداته في خليط مدهش لا تجده إلا في مصر ( وقتذاك ) وربما هو سر عبقرية مصر، وسر كونها "أم الدنيا". كان ينصت لكل شئ ويحفظ كل شئ وربما من أشهر تلك الأهازيج الشعبية والمواويل الحسية التي حفظها موال "يا عزيز عيني وأنا نفسي أروح بلدي"، ذلك الموال أو " البكائية" التي تأثر بها سيد درويش جدا ونالت من أعماقه لدرجة أن خصص لها دورا كاملا من ألحانه وسماه بذات اسمها " يا عزيز عيني"، وكذلك موال الفتى زهران فارس دنشواي الذي كان يكرر على أخته " فريدة " أن تسمعه إياه وتنشده له بصوتها حيث كان يطمئن دوماً لحلاوة صوتها خاصة وأنها تحفظ الكثير من المواويل التي تأتي على هواه، وحيث كانا يذهبان بصحبة أقرانهم وأبناء الحي بنات وبنين فوق سطوح المنزل ليستمعوا لفريدة وهي تغني عن الفتى زهران: من بعد حكم المحاكم والشاويش والباش غلايين ( وساقها ) كرومر مخرب والانجليز فرعنوا بعد ما كانوا أوباش نزلوا على دنشواي ماخلو نفر ولا أخوه اللى ( أتشنق ) مات واللى فضل جلدوه واللى فضل من الجلد جوا سجنهم ورموه يوم (شنق) زهران كانت صعب (وقفاته) أمه بتبكى عليه فوق السطح وأخواته لوكان له أب ساعة (الشنق) لم فاته صبرك علينا يا ظالم بكرة راح تندم. كان يستمع لأخته ثم يذهب ليكمل شحن ضميره وحسه الوطني من حكاوي المصريين الحماسية في المقاهي الواقعة في حي العطارين بالإسكندرية والتي تحكي عن مآثر عباس الثاني ومصطفى كامل وكرههما للانجليز وكرومر وحبهما لمصر وللفلاحين لدرجة أغضبت كرومر وجعلته يكره مصر والمصريين وعباس ومصطفى كامل ويحث حكومة انجلترا على إرسال لورد كتشنر ليباشر مهام المملكة في مصر بدلا من كرومر، بل وينتقم ممن طردوه فيوحي لكتشنر بقتل مصطفى كامل عام 1908 وبالفعل ينجح برجاله في أن يدسوا له السم ليموت وهو في زيارة الآستانة، بل ومن شدة كره كرومر لمصر وثوار مصر أوحى للورد كتشنر أن ينشئ جهازاً سئ السمعة لقمع الأحرار في مصر واغتيالهم لصالح انجلترا وهو جهاز أمن الدولة ذلك الاختراع الإنجليزي في مصر والذي اخترعوه الانجليز في مصر عام 1913 تحت اسم القلم السياسي وكانت أول عمليات الاغتيال التي قام بها هذا الجهاز البوليسي هي عملية اغتيال الخديوي عباس في 25 مايو 1914على يد احد ضباط القلم السياسي ( أمن الدولة ) ويدعى "محمود مظهر" حيث قام بإطلاق الرصاص عليه بينما كان خارجاً من الباب العالي في استانبول بتركيا ولكنها محاولة باءت بالفشل الأمر الذي دعا انجلترا في ديسمبر 1914 أن تأتي بفؤاد الأول من ايطاليا وكان ضابطا في الجيش الإيطالي وقتها لتقيمه ملكا على مصر وتمنع عباس من العودة لمصر بحجة نشوب الحرب العالمية الأمر الذي أعتبره المصريون خلع لخديوي مصر المحبوب بالقوة وعلى غير إرادة المصريين وهو ربما ما جعلهم يكرهون فؤاد الأول على ذلك حتى مات رغم إصلاحاته، وربما يدفعني الموقف لأن اسرد قصة نفي بيرم التونسي لكونها ترتبط بهذه الحادثة ( اعتلاء فؤاد الأول عرش مصر وقبوله خلع الخديوي عباس ) الأمر الذي دفع المصريين لكره الملك وجعل بيرم ينشد: ولما خلصت في مصر الملوك جابوك لانجليز يافؤاد قعدوك وكان بيت الشعر هذا هو بيت القصيد الذي تم نفي صاحبه خارج مصر سنينا طوالا عقابا له على طول لسانه في الذات الملكية!. وفاه مصطفى كامل ونفي محمد فريد واغتياله وخلع عباس بعد محاولة اغتياله وقيام الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، تتسارع الأحداث ليجد المصري نفسه بين المطرقة والسندان .. مطرقة الاحتلال وسندان القصر فيلجأ المغنى الشعبي لموال شفيقة ومتولي والذي كان يسقط فيه الفنان الشعبي إسقاطات على واقع احتلال مصر من الانجليز وتحويلها من بلد حر إلى مستعمرة لإمتاع انجلترا في غيبة الثوار والوطنيين تماما مثل "شفيقة" ( 1870 م ) التي حولها القصر إلى ( مومس ) في غياب أخيها "متولي" الجدع الثوري الذي كان في خدمة الجيش والوطن ليفاجأ بأن القصر غدر به وانتهك حرمة شفيقة أو انتهك حرمة مصر كما يحاول أن يدفع بها الفنان الشعبي للناس ليثير حماسهم ضد الإنجليز في المقهى الكبير بحي العطارين والذي ينصت إليه سيد درويش وكأنه في حالة غيبوبة وهو موال طويل تترنح من سماعه الناس حينما يردد المنشد: نادى القاضي ووقف قدامو قالو بتموت شفيقة لية يا متولى قالو يا بية انا دمى فار زى العمال ومع اسود عمل الفار عمل وحدانا شجرة وفيها فرع مال مفيش غيرى لاعم ولا خال لية اشرب المرار دة والخل لية اقطعو يا بية ولا اخلية كان القاضى اسمو حسن راجل عندو فضل وأحسان قالو صراحة قطعو احسن يا متولى يا جرجاوى يا جرجاوى يا متولى. هكذا إذن رحم الأمة الذي يخرج منه أصحاب الأرض الحقيقيين ورموز ثورتها الكبار الذين لا يدانيهم شك في مدى وطنيتهم وانتمائهم، ورغم أن الظروف الصعبة التي مر بها سيد درويش وفقر أسرته اضطرته إلى العمل مبكرا من أجل الأسرة وهو لم يكمل تعليمه بعد إلا أنه – وهو الملهم الثوري - أخذ يبحث عن وسيلة للتعبير عما يجيش في نفسه من ضغوط وعن أحلامه في الحياة ، فلم يجد أفضل من الموسيقى ، وانجذب بحسه العالي إلى ما سمعه في الإسكندرية من ألحان وأغاني على اختلاف ألوانها المحلية الوطنية والأجنبية الوافدة التي كانت تصدح بها الجاليات الأجنبية وخاصة جاليات اليونان وايطاليا في مسارحها الخاصة في إسكندرية، ثم بدأ يردد ما حفظه على أسماع أصدقائه الذين وجدوا فيه موهبة تستحق فدعوه لإحياء حفلاتهم العائلية وأفراحهم، وسرعان ما انتشر الأمر فطلبه آخرون وعرضوا عليه أجرا مقابل الغناء فقبل، حتى تدخل القدر في عام 1909 بعد رحلة شاقة له في أعمال منحطة شغلها، منها على سبيل المثال عامل بناء وصب اسمنت، ليعول بأجر هذه الأعمال المنحطة التي قبلها رغما عنه أسرته الفقيرة وحيث استمع ذات يوم لغنائه رجلان من الشوام كانا يجلسان مصادفة على مقهى بجانب العمارة التي يعمل بها سيد درويش ( عامل بناء) وكان هذين الرجلين هما أمين وسليم عطا الله أصحاب فرقة مسرحية تعمل بالشام ، فعرضا عليه العمل بفرقتهما فقبل وليبدأ من ذلك التاريخ بزوغ نجمه وأول خيوط حياته الفنية وكان عمره حينئذ 17 عاما. سافر معهما سيد درويش إلى الشام واستطاع أن يجمع تراثا موسيقيا قيما خاصة بعد لقائه هناك بالموسيقى المخضرم عثمان الموصلي في عام 1912، وفى عام 1914 عاد سيد درويش لمقاهي الإسكندرية ولكنه عاد بالجديد فلم يعد يكتفي بتقديم ما حفظه عن الشيخ سلامة حجازي وكبار الموسيقيين مثل إبراهيم القباني، داود حسني وترديد أدوارهم الشهيرة، مثل "المحاسن واللطافة، يامنت واحشني، بأفتكارك ايه يفيدك"، ولكنه بدأ يبدع ألحانه الخاصة فقدم أول أدواره يا فؤادي، كما ظهرت أغانيه القصيرة السريعة إلى الوجود وغناها بنفسه كما غناها غيره من المطربين ، وبدأ نجمه يعلو في المدينة حتى سمع عنه الشيخ سلامة حجازي وقرر أن يذهب لسماعه بنفسه، ما أن سمعه الشيخ الكبير حتى حدث مثلما حدث مع أمين وسليم عطا الله ، عرض عليه العمل بفرقته بالقاهرة فقبل الشيخ سيد. كانت الحرب العالمية الأولى قد غيرت كل شئ حتى أذواق الناس، كان الناس يعيشون حالة من الإحباط الوطني، حالة من اليأس القومي والأممي خاصة بعد سقوط دولة آل عثمان في تركيا جعلتهم يستسلمون للاحتلال وهذا ما رفضه سيد درويش في فرقة سلامة حجازي بالقاهرة وأصيب من جراءه بإحباط كبير جعلته يعود إلى مدينته الإسكندرية في اليوم التالي على أن لا يعود للقاهرة مرة أخرى ابداً، وان يظل ينشد أغانيه الحماسية والعاطفية وما يؤمن به على المقاهي وفي الأفراح أعظم له وأكرم ألف مرةٍ من أن يقدم المبتذل والساقط على أكبر مسارح القاهرة تحت مسمى "الجمهور عاوز كده". في عام 1917، بعد ثلاث سنوات من اللقاء الأول ومن بداية الحرب العالمية، عاد الشيخ سلامة حجازي للإسكندرية ليبحث عن سيد درويش، بحث عنه في إسكندرية كلها حتى علم أنه يحيي فرحاً في قرية " أبيس" الواقعة على مدخل مدينة إسكندرية، وذهب له هناك الشيخ سلامة حجازي، وأصر أن يعود معه بالحنطور إلى الإسكندرية، وفي الحنطور عرض عليه الشيخ سلامة حجازي عرضا أقوى، التلحين لفرقة جورج أبيض تلحين رواية كاملة هي "فيــروز شاه" تلك الرواية التي لم تجذب الجمهور لكنها جعلته ينتبه لمنهج جديد في الموسيقى يولد من ضمير مصري نقي اسمه سيد درويش و تناثرت الأخبار إلى الفرق الأخرى فتسابقت لاكتساب سيد درويش إلى جانبها وأغدقت عليه لاجتذابه ليصبح سيد درويش ملحناً لجميع الفرق المسرحية بالقاهرة في وقت واحد ولتنضم لجذبه فرق الفطاحل أمثال نجيب الريحاني ، على الكسار ، منيرة المهدية. وبعد انفجار ثورة 1919 تحول سيد درويش إلى فنان الشعب وصوت الأمة الذي يصرخ بطموحاتها وآمالها وقد أكد ذلك في أغنياته على وحدة وادي النيل التي تقول : جالت لى خالتى أم أحمد كلمايه فى متلايا سرجوا الصندوق يا محمد لكن مفتاحه معايا بحر النيل راسه فى ناحيه رجليه فى الناحية التانى فوقانى يروحوا فى داهية إذا كان سيبو التحتانى وقد ساهم سيد درويش بالاشتراك مع بديع خيري ومحمد تيمور وببرم التونسي ومحمود مراد في عملية ميلاد ما يسمى بالمسرح الوطني الذي مهد بشكل فاعل في أحداث الثورة ( ثورة 1919 ) وزيادة لهيبها وبث القوة في ضمائر وقلوب أبناء مصر جميعا لصالح إنجاحها خاصة بعد نفي سعد زغلول ورفاقه، وفي عمر ثلاثة وثلاثين عاماً يخطف القدر عمر هذا الفنان الملهم الوطني وهو ينشد نشيد الوطن ليستقبل به سعد زغلول ورفاقه أثناء عودتهم من المنفى ، ولكن لم يحالفه القدر بلقاء سعد باشا ليغني له النشيد بنفسه إذ لم يكن يعرف أن انجلترا ستتخلص منه بالاغتيال أيضاً كما تخلصت من الخديوي عباس ومن مصطفى كامل ومن محمد فريد وغيرهم من خيرة ثوار مصر، واغتيل سيد درويش بجسده لكن ألحانه الثورية رددتها الملايين من بعده لسعد زغلول زعيم الوفد وثورة 1919 في ميدان المنشية، وأخذت ترددها حتى ثورة 25 يناير 2011 في ميدان التحرير. بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي مصر يا أم البلاد أنت غايتي والمراد وعلى كل العباد كم لنيلك من أيادي مازلت في وجداننا يا شيخ سيد ومازالت ضمائرنا تلتهب حماسة وثورة بألحانك.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل