المحتوى الرئيسى

عن وصفاتهم الديمقراطية ! بقلم:كاظم محمد

03/18 00:37

عن وصفاتهم الديمقراطية ! كاظم محمد لم يكن مستغربآ ان يقف القادة الاسرائيليون ، مرعوبين امام المشهد العربي الشعبي المتفجر بوجه انظمته القائمة ، في الوقت الذي صُدمت فيه الادارة الامريكية والدوائر الغربية عامة بعواصف التغيير التي اطاحت برؤوس انظمة حكمٍ ، كانت ولأيامٍ قريبة تعتبر الأمان الاستراتيجي للمشاريع الامريكية والصهيونية في المنطقة . حيث تدرك اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية تمامآ ، ماذا يعني التغيير في مصر، وماذ يعني خروج مصر بموقعها وحجمها وتأثيرها ، من دائرة التابع الى فضاء الاستقلال في القرار الوطني ، وكذا بالنسبة لتونس ، وتأثير قيام نظام وطني غير تابع في اليمن على منطقة الخليج ، وخسارة النظام الليبي بحياديته ودوره السلبي تجاه القضايا العربية . أن الادارة الامريكية واسرائيل اول المتضرريين من التغيير الحقيقي في منطقتنا ، خاصة بعد ان خسرت امريكا واسرائيل بالنقاط في العديد من النزالات الشرق اوسطية في السنوات الأخيرة ، وكان اخرها لبنان . لقد كانت هذه الأنظمة ، وغيرها من النُظم التي ماتزال قائمة ، الخادم الامين والتابع المطيع لدول الغرب الرأسمالي ، في تكريس مناخ الهيمنة والاستغلال والاحتلال في منطقتنا ، وفي التماهي الكامل مع سياسات الحكومات الاسرائيلية في التوسع والاستيطان واختراق منظومات الأمن القومي العربي ، الاجتماعية والاقتصادية والبشرية والثقافية ، عبر سياسات التطبيع والتخادم السياسي والتنسيق الامني في محاربة عناصر الممانعة والمقاومة في بلداننا العربية . فبعد أن هبت عواصف التغيير الشعبي ، المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ، والذي يعني اسقاط المعيق المحلي المتمثل بهذه الانظمة الاستبدادية ، التي تشابكت فيها مصالح ورثتها من الأوتقراطيين الجدد مع مصالح الشركات الغربية والاسرائيلية ، والتي اصبح همها الاساسي النهب المنظم ، على حساب المصالح الوطنية السياسية والاقتصادية ، تحت شعارات العولمة الامريكية ، بأنتفاء الحدود الوطنية وعولمة الاسواق والانفتاح والاستثمار، وما يعنيه ذلك في القاموس الاقتصادي الراسمالي ، من تسليم مفاتيح هذه البلدان إلى الأدارت الاقتصادية والسياسية للغرب الرأسمالي ، لتصبح توابع تافهة تؤدي وظيفة الخادم السياسي والاقتصادي والعسكري ، على حساب الثوابت الوطنية والتنمية السيادية والحقوق الأجتماعية للأكثرية الساحقة ، وعلى حساب الحقوق القومية لقضية الشعوب العربية والاسلامية في فلسطين . ان النتيجة الطبيعية لهذه التبعية ، كانت لها آثار مدمرة في تهميش الطبقات الوسطى وسحق فئات وطبقات اجتماعية واسعة ، وخلخلة البنية الثقافية والفكرية للمجتمع ، وانتشار ظواهر الفساد والأفساد الممنهج ، ومصادرة هوامش الحريات وخنق الاصوات المعارضة وضرب التحركات الشعبية ، واشاعة الخوف والرعب ليكون السبيل للخنوع الجمعي بواسطة اجهزة ومؤسسات امنية ومخابراتية متضخمة ، تستنزف جزءا كبيرا من موارد الشعب وقواه ، وعلى حساب قوته وتنميته الاجتماعية . لقد عملت هذه الانظمة الأستبدادية ، وبدعم وترشيد مؤسساتي غربي على تزويق صورها (الديمقراطية) بأحزاب ومؤسسات مشبعة بالنفعيين والانتهازيين والطفيليين والمستفيدين من رجال الاعمال والسياسيين والاعلاميين ومثقفي وكتاب السلطة ، وحتى البلطجية ، لتكون الأدوات اللازمة في تكريس النهج الأستبدادي ، وتأطيره وشرعنة استمراره ، ولتشكل المنظومة التي تتمُ فيها الصياغات والتفاهمات ، في ابتلاع مؤسسات واجهزة الدولة وتسخيرها لصالح ورعاية مصالح النظام وفئاته من رجال الأعمال والطفيليين والموظفين الكباروالمنتفعين ، ولتسهيل التخادم النفعي مع رؤوس الاموال الغربية وشركاته المتعددة الجنسية في حصولها على شراء اصول الاقتصاد الوطني وحرية التحويلات المالية ، مقابل عمولات مالية تذهب لجيوب رجال الاعمال والمنتفعين ، الذين إجتهدوا في خلق التزاوج الخطر بين المال والسلطة في بلدانهم ، ليتم لهم بعد ذلك تمرير سياستهم وصفقاتهم بدون عائق يذكر . ربما من المفيد هنا التذكير ، ببعض دعوات الادارات الامريكية ، لبعض الدول العربية في الاصلاح والديمقراطية ، والتي لازالت طرية في الأذهان ، مع علمنا انها ارتبطت دائمآ ببعض الضغوط الداخلية ، لكنها وكما اكدته السياسات الامريكية ولعقود طويلة لم ولن تكن صادقة في مضمون دعواتها ، التي تتناقض بالكامل وطبيعة علاقة التبعية والهيمنة والأملاءات عند الحاجة ، مع هذه الانظمة العربية ، كونها علاقة عضوية بين الأستبداد ، الذي ترعرع في كنف حاضنته الأستعمارية ، ومن ثم تربى وتعلم وتثقف في مدارس الليبراليين الجدد ، وبين الرأسمال الغربي وأداراته السياسية . حيث لا يستقيم الحديث عن طلب الأصلاح والحريات والديمقراطية وتوزيع عادل للثروة ، دون تفكيك آواصر التبعية ، وتفكيك اواصر التبعية ، يعني التخلي الغربي عن العقد الأستراتيجية لمصالحه في وصول الطاقة الدائمة والرخيصة وتأمين الأمن الاستراتيجي لأسرائيل ومشاريعه الاقليمية . وهي إن فعلت ذلك تكون قد تناقضت مع طبيعتها الراسمالية الشرهة ، وبالنسبة لأنظمة الاستبداد يعني تخليها عن سلطانها وسلطاتها وامتيازاتها لصالح قيام حكومات وانظمة وطنية ، تستطيع بناء دول سيادية ذات مقومات وطنية ديمقراطية ، لا تسمح طبيعة نشأتها الجديدة بالتبعية والأملاء ، وهذا ما لايمكن حدوثه إلا في عقول البسطاء ، فقراء الفكر والسياسة . لذلك فأن استمرار تبعية الانظمة الاستبدادية يوفر الامان الاستراتيجي لمصالح راس المال الغربي ، وبنفس الوقت يوفر الشرعية الخارجية لهذه الانظمة ويفضح زيف ونفاق الدعوات للاصلاح والديمقراطية ، ويؤكد ان الكفاح ضد التبعية ، يقود بالضرورة الى الكفاح ضد الأستبداد الذي يتمتع بدعم وتعضيد الادارة الامريكية وراس المال الغربي . ومن هنا ، فأن نجاح التحولات الجارية في بعض البلدان العربية بفعل الانتفاض الشعبي الهائل وكسر حاجز الخوف ، وان الشعوب بثوراتها ، لا تخسر سوى قيودها ، سيكون لها تأثير واسع اقليميا وعالميآ ، بتقزيم الهيمنة والاستغلال ، واضعاف الاستراتيجيات السياسية والعسكرية الامريكية ، والتسريع في بلورة نظام عالمي متعدد الأقطاب ، تلعب فيه العديد من الدول الاقليمية بدور بارز ، وتتمع فيه الشعوب والمجتمعات بهامش اكبر في امكانيات التخلص من الاستبداد وبناء دولها الوطنية الديمقراطية ، عبر خلق المقومات الصحية سياسيا واقتصاديا ، التي تفتح الطريق لتنمية سيادية منفتحة على اقليمها وعالمها ، وماسكة بأصول اقتصادياتها الوطنية ، وتؤدي وظيفة الخادم لمصالح شعوبها . لذلك لا يمكن النظر إلى موجة التغيير ، وتحولاتها الديمقراطية القادمة ، إلا كونها ضربات موجهة ، ليس فقط لأنظمة الأستبداد والخنوع التي لاتزال قائمة ، وإنما ايضآ لرعاة الأستبداد الدولي ونظامهم العالمي ، وخاصة للولايات المتحدة الامريكية واسرائيل ، الذراع الوظيفي لها في منطقتنا العربية . فرغم الذهول والأرباك الذي أصاب الادارة الامريكية وبعض الدول الغربية وقادة اسرائيل ، فأنهم ومنذ انتفاضة الشعب التونسي واسقاط بن علي ، عملوا على محاصرة ومنع تكرار النموذج التونسي ، والحد من تأثيراته الشعبية والمعنوية على المزاج الجماهيري في دول التبعية العربية ، خاصة وان التراكمات السياسية والاقتصادية واحتكار السلطة ، خلقت ظروفآ متشابهة ، تضاف الى الشعور العربي العام بالاحباط والاهانة والمرارة من تنمر اسرائيل ، ودورها الى جانب الادارة الامريكية في تفكيك المنطقة على اساس الطوائف والاعراق . ان المواقف الامريكية والغربية المعلنة ، والتي تراوحت بين الصمت والدعوات لاحترام مطالب الحريات والتغيير الذي لا يمس طبيعة الأنظمة ، حتى لو ادى ذلك الى تنحي رؤوس هذه الانظمة ، يدخل في سياق دعم النشاط السري للدوائر الدبلوماسية والمخابراتية الغربية والاسرائيلية ، في انتهاج استراتيجية التطويق والتكيف والتدويل اذا كان ممكنآ للتحكم بنوعية المتغيرات القادمة ، عبر الحث على استلام جيل جديد من القادة يولد من رحم الانظمة وتصدره لعملية التغيير، وتنشيط الثورة المضادة بكافة عناصرها الاعلامية والثقافية والسياسية والامنية والاقتصادية ، والتهويل من الفراغ والفوضى والخراب ، وفزاعة الاسلاميين . ومن الجانب الآخر ، بدأت بعض مراكز الدراسات الغربية وبالتماهي مع بعض الساسة ، في التنظير لقضايا الحريات والديمقراطية في العالم العربي ، واهمية تناغمها وتوافقها مع مبادئ (العالم الحر) ، من خلال مساهمة قادة وحكومات (العالم الحر ) بتشكيل تطلعات الشعوب العربية نحو الديمقراطية ، وصياغة آلياتها ، بحيث لا تسمح بمنح الشرعية لأحزاب ومنظمات (ارهابية) تستخدم اليات الديمقراطية في القفز للسلطة وتهديد شعوبها وجيرانها ، وهذا ما سيسحب البساط من تحت اقدام القوى المعادية (للعالم الحر) والمجتمع الدولي . انها دعوة ، لوصاية جديدة ، يراد لها ان تأخذ طريقها إلى أجندة الادارات السياسية الامريكية والغربية ، ليتم قنونتها وشرعنتها دوليآ ، لتكون أمتدادآ لعملية التطويق والتدويل المستقبلي للتحولات الديمقراطية القادمة في بلداننا العربية . ففي مقال لها في صحيفة (واشنطن بوست) ، أطلقت وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة ليفني ، وبشكل صريح ، (مبادرة) ودعت بشكل حاسم المجتمع الدولي لتبنيها ، على أساس صياغة مبدأ دولي يمنح الشرعية (لمن يتمسكون بالقيم الديمقراطية وينزعها ، عن الذين يسيئون استخدامها ..) ، وبالطبع فأن للقيم الديمقراطية مقاسات خاصة ، عندما يتعلق الأمر بشعوبنا العربية ، وللقيم الديمقراطية آليات خاصة يشرعنها لنا ( العالم الحر) بعيدآ عن خصوصياتنا الوطنية ، أي ممنوع علينا اقامة ديمقراطياتنا الوطنية ، حسب ليفني وبعض نظرائها من الساسة الامريكيين المتصهينين ، إلا من خلال الألتزام (بالديمقراطية الحقيقية) ذات العناوين المُفصلة على المقاس الأسرائيلي والخادمة للراسمال الغربي ، بالتخلي عن العنف والاعتراف بأحتكار الدولة للسلاح وتحقيق الاهداف من خلال الوسائل السلمية والالتزام بالمعاهدات الدولية ، وبغير هذه الشروط ستنزع شرعية (العالم الحر) عن ديمقراطياتنا القادمة . لذلك نستطيع إدراك ، ان احد اسلحة الغرب الامبريالي واسرائيل ، في مواجهة عواصف التغيير ، واسقاط الانظمة الموالية لها ،هي في تدويل القيم التي تخدم اجنداتهم ، وهو نهج استعماري ، طبع السياسة الخارجية الامريكية لعقود طويلة ، عبر تسخير مجلس الامن في فرض صيغ قانونية تسمح تحت مسمى الشرعية الدولية بأختراق السيادة الوطنية والتدخل في شؤون الدول الاخرى وفرض الوصاية عليها . أن طبيعة المناخ الدولي في السنوات الاخيرة ، تُقلص إلى حدٍ كبير فرص النجاح لمثل هذه المشاريع ، رغم قوة دفعها الكبيرة ، حيث ان المتغيرات الدولية ما بعد غزو العراق واحتلاله ، والفشل العسكري والسياسي الذي اصاب المشروع الامريكي على ايدي المقاومة العراقية ، والفشل المدوي للحرب الاسرائيلية على لبنان واسقاط مشروع الشرق الأوسط الجديد في 2006 ، اضافة الى بروز قوى دولية واقليمية فاعلة ، ساهم الى حد كبير في التراجع الامريكي واضعاف قطبيته الاحادية ، والذي قلص من امكانيات التدخل المباشر لأنقاذ توابعه من انظمة الاستبداد ، واضعف التحرك الامريكي المنفرد بأمكانية استخدام المنظمات الدولية لفرض اجندته السياسية ، بل ان مؤشرات هذا المناخ الدولي تؤكد بروز آفاق مستقبلية واعدة في تقزيم القوة الامريكية سياسيا واقتصاديا ، خاصة اذا ما نجحت شعوبنا العربية في التخلص من انظمتها التبعية وبناء ديمقراطياتها الوطنية ، التي تسخر ثرواتها الهائلة لصالح تنمية بلدانها ، وإذا ما نجحت قوى التغيير المنظمة ، بالتقارب والاتحاد بينها وفي التلاحم مع اجيال الشباب الناهض .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل