المحتوى الرئيسى

فى الميزان

03/17 23:45

تختلف التعريفات المجردة لمعني الجنون وتتعدد‏,‏ فمنهم من قال إنه تكرار تجارب محتومة النتائج دونما اكتراث أو إدراك لما آلت إليه نتائج نفس التجارب من قبل‏,‏ وقيل إنه الإقدام علي فعل أشياء وتصرفات غير منطقية‏,‏ ولكن يظل أكثر التعريفات تجريدا علي الإطلاق هو أن الجنون هو عين الانفصال التام عن الواقع‏;‏ يسير الواقع في اتجاه‏,‏ وعقل المرء يتخيل واقعا آخر‏!!‏ فيصدقه ويعيش فيه ويتفاعل معه علي نحو يستحيل إثناؤه عنه ـ فحينئذ يكون عقله أقرب إلي دائرة مغلقة‏!!‏ حدثان بعينهما استوقفاني علي هذا الدرب من قبل اندلاع شرارة ثورة الخامس والعشرين من يناير مباشرة‏,‏ فبعيدا عن فكرة البيانات والتصريحات السياسية البراقة المزيفة التي قد تعمد الأنظمة غير الموفقة في إطلاقها مرضاة للجماهير بطريقة الخداع السياسي‏,‏ فإن هذين الحدثين تحديدا جاءا نموذجيين ـ في نظري ـ للتدليل علي فكرة الانفصال عن الواقع عنهما تدليل علي أي شيء أخر سواها‏;‏من قبل أن ينفجر المشهد‏!!‏ الحادث الأول‏,‏ وكان في سياق حديث مطول أجرته الأهرام مع رئيس مجلس الوزراء‏(‏ الأسبق‏)‏ الدكتور أحمد نظيف منذ ما يقرب من شهرين تقريبا‏,‏ ولأنني أتشرف بكوني عضوا من أعضاء الديسك المركزي بالجريدة الغراء ـ وهو القسم الذي يتولي إدارة وتوجيه دفة العمل بين أقسام الجريدة المختلفة فيما هو أشبه بغرفة العمليات ـ فلقد آل هذا الملف تحديدا إلي لتحريره واستخراج أبرز نقاطه ما يستدعي بالضرورة قراءته من ألفه إلي يائه‏,‏ وبصرف النظر عما احتواه الحديث من إجابات وتصريحات مطرزة بالورود‏,‏ إلا أن تصريحا محددا استوقف قلمي في مكانه واستدعي قيامي بقراءته مرات قبل أن يسطره قلمي غير المصدق لما يسطر‏;‏ إذا استنكر الدكتور نظيف قول‏(‏ البعض‏)‏ بإن مصر تعاني من‏(‏ تلوث بالبيئة‏)!!‏ مؤكدا أن هذا الزعم غير صحيح‏,‏ مدللا علي صحة رؤيته بارتفاع متوسط أعمار المصريين بمقدار عشر سنوات عما كان عليه الحال من قبل‏,‏ ما يتنافي ـ والكلام للدكتور نظيف ـ مع وجود هذا‏(‏ التلوث‏),‏ وإلا لانخفض متوسط العمر في هذا الوطن‏!!‏ قطع‏(‏ علي طريقة الأفلام‏)‏ ـ الحادث الثاني‏,‏ وكان مشهدا تليفزيونيا موثقا بالصوت والصورة‏,‏ في إطار تقرير إخباري عقب نشرة أخبار التاسعة بالتليفزيون المصري‏,‏ وهي نوعية تقارير كانت تستهويني مشاهدها إلي حد بعيد كنوع من الترفيه باعتبارها نموذجا صارخا للكوميديا المجتمعية وما آلت إليه خفة دم المصريين‏,‏ وهو التصرف الذي كان بمثابة الضمان الوحيد من جانبي‏,‏ ما أن أشرع فيه‏,‏ لانفضاض أسرتي من حولي زجرا‏,‏ لكل أمريء وقتئذ شأن يغنيه دونما اتفاق مسبق بينهم‏,‏ وانما نفور جماعي صامت من المكان‏!!‏ المشهد كان عبارة عن تغطية إعلامية تفصيلية لافتتاح حرم الرئيس السابق لمشروع مدارس حكومية نموذجية‏(‏ ما‏)‏ في بر مصر‏,‏ أطفال مثل الورد‏,‏ نظافة‏,‏ نظام‏,‏ شياكه‏,‏ لباقة‏,‏ لطافه‏,‏ قيافة‏,‏ ثقافة‏,‏ حداقه‏,‏ ظرافه‏..‏ شيء فوق الوصف‏!!‏ ما أن ينتهوا من دروسهم حتي ينطلقوا إلي المكتبة‏,‏ فتجدهم جلوس في صمت رهيب‏,‏ ينهلون من منابع العلم وأمهات الكتب‏,‏يعلمون علم اليقين أنهم أمل الغد وبناة‏(‏ المستقبل‏),‏ يحيطهم مدرسوهم بالعطف والحنان‏,‏ يقدمون لهم النصح السديد والإرشاد القويم‏,‏يشجعونهم علي العلم والمعرفة‏!!‏ أما الكتب فقد اصطفت علي الأرفف بعناية بالغة‏,‏ تنادي أطفال اليوم رجال المستقبل أن تعالوا نبني مصر سويا‏!!‏ وفي الفصل‏,‏ وقف المعلم يرتدي‏(‏ بدلة‏)‏ يسأل السؤال فتمتد الأيادي متلهفة للإجابة‏,‏ فيختار المعلم من يختار؟ فما إن يختار تلميذا نجيبا حتي يشنف هذا التلميذ مسامعنا بأعذب الإجابات‏..‏ إجابات نموذجية فعلا‏,‏ فيثني عليه المعلم بابتسامة حانية تشجيعا له واحتراما‏!!‏ الكومبيوتر هو الأداة الوحيدة التي يستخدمها هؤلاء في تحصيل العلوم‏,‏ فهم لا يستخدمون القلم‏,‏ أما الطامة الكبري‏,‏ والتي رأيت فيها عين الكارثة فيما لا يقل صدمة عن رؤية نظيف لمشكلة التلوث‏,‏ فكانت ما أعلنه القائمون علي هذه المدرسة من أن فصول هذا الصرح التعليمي لا تستخدم السبورة‏!!‏ وهو ما أثار دهشة الحضور بل ودهشتي إلي الحد الذي جعلني أنادي أفراد أسرتي بأن يأتوا مسرعين من كل حدب وصوب ـ فشرح العلوم في هذه المدرسة يتم باستخدام الـداتا شو‏:‏ يضع المعلم شرائح توضيحية علي الجهاز فإذا بها تنعكس علي شاشة اليكترونية أمام الطلاب‏,‏فيقوم هو بالشرح مستخدما شعاع الليزر‏..‏ الله أكبر ولله الحمد‏!!‏ وفي ختام اللقاء‏,‏ لم يبخل علينا التقرير بزيارة للمسرح المدرسي‏;‏ حيث اصطف التلاميذ مرتدين أبهي الملابس ممسكين بأحدث الآلات الموسيقية ومن خلفهم مدرسهم علي الأورج الكهربائي ينشدون أغنية‏,‏ لم تكن تعبيرا عن إتقانهم لعلوم الموسيقي فحسب‏,‏ وانما إلمامهم الشديد باللغة الإنجليزية أيضا‏,‏ حيث راحوا يصدحون بمقطع لا يفارق أذناي منذ أن استمعت إليه‏:‏ سانكس سانكس ماما سوزان‏;‏ إذ تحولت ثاء الكلمة في الإنجليزية إلي سين بقدرة قادرة‏,‏ وتحولت كلمة شكرا إلي سانكس بعون الله في هذا الصرح التعليمي الفذ‏!!‏ أي نوع من الانفصال عن الواقع هذا؟ لا أعلم‏;‏ وأين هذا الهراء من هؤلاء التلاميذ المشردين البؤساء الذين نراهم واقعيا يخرجون من مدارسهم أمام أعيننا عليهم غبرة‏,‏ ترهقهم قطرة؟ الله وحده أعلم‏!!‏ يبدو أن هناك لحظة‏(‏ يتحتم‏)‏ فيها علي الإنسان مهما بلغ من تواضع أن يصدق نفسه ولو بطريق الخداع‏,‏ وهي لحظة يقوده إليها طول الزمن من ناحية‏,‏ وإلحاح التاريخ من أجل ميلاد الإنجازات من ناحية أخري‏,‏ ثم كثرة المنافقين الذين هم بحق إخوان الشياطين والوقود المثالي لبلوغ النهاية ـ كل نهاية‏!‏ وما إن تحل هذه اللحظة‏,‏ حتي ينفصل الإنسان ـ علي مايبدو ـ نهائيا بعد ذلك عن الواقع‏!!‏ المزيد من أعمدة أشرف عـبد المنعم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل