المحتوى الرئيسى

حاتم حافظ : كن مع الثورة وقل لا

03/17 21:05

الطريقة التي يعمل بها أي “كنّاس” تقليدي حين يكنس الشارع بطوله ويترك أكوام التراب على أبعاد متساوية بجوار الرصيف دون أن يحملها إلى أي مكان ليست أبدا علامة على قلة ضميره بقدر كونها علامة على الطريقة التي يمضي بها المصري حياته. فالمصري تفتر همته دائما قبل النهايات. نابليون الذي لم يطل البقاء في مصر ترك في مسودّته مفتاحا لفهم المصريين حين قال “إن المصريين قادرون على صنع البنطلون ولكن لا يمكنهم أبدا خياطة الزر الأخير”. يمكن للمصريين أن يبنوا عقارا بديعا لكنهم سوف يستغرقون وقتا طويلا قبل أن يفكروا في طريقة حمل ركام البناءين بعيدا.في جمعة الغضب، وقبل أن تنسحب آخر تشكيلات الشرطة من ميدان التحرير، كان بعض ممن حولي يهنئونني بالانتصار، كان بعضهم يثق في أن مبارك سوف يرحل هذه الليلة. ثقتهم تلك كانت مقلقة لي على نحو كبير. كنت أعرف أننا قد نحتاج لوقت أطول من تونس لرحيل الرئيس، ووقت أكثر طولا قبل أن يتفكك النظام، ووقت أطول وأطول قبل أن نقطع الخطوة الأولى في الطريق الصحيح، ولهذا كنت أدرك أن أوان الاحتفال لم يحن بعد وأننا لم نخيط الزر الأخير بعد في ثورتنا. في جمعة الغضب كنت مدركا أن الثورة قد بدأت لتوها، وحتى يوم رحيل مبارك كانت الثورة بالنسبة لي لم تنته بعد. وكان استعجال من حولي مريبا جدا وما زال.المصريون لا يصبرون حتى يخيطون الزر الأخير، بتعبير نابليون. لهذا وافقوا على ما جاء بخطاب مبارك الذي قرر فيه ـ نيابة عنا ـ أن نمهله ستة أشهر، ووافقوا لتفويضه نائبه سلطاته، ووافقوا على بقاء رئيس وزرائه أحمد شفيق، ويوافقون الآن على التعديلات الدستورية التي منّ المجلس العسكري علينا بها، وسوف يوافقون بعد ذلك على أشياء أخرى لا يعلمها إلا الله لمجرد أن رغبتهم في الاحتفال تسبق دائما انجازهم ما يستحقون الاحتفال به. ولديهم دائما ما يبررون به استعجالهم، وقلة صبرهم، وقلة حيلتهم، وجهلهم إذا لزم الأمر!المصريون لا يصبرون حتى يخيطون الزر الأخير، ولهذا فإنهم لا يفهمون طبيعة الثورة. كنت حتى ليلة الخامس والعشرين من يناير، ومنذ التحاقي بالعمل الوطني، أراهن على الزمن. كنت أثق في أن الأمور سوف تتغير، وأن الديمقراطية آتية لا محالة، وأن الدولة المدنية لن يكون عنها بديلا، وأن النظام الاستبدادي لن يصمد طويلا قبل أن ينهار بفعل حركة التاريخ، لكني لم أكن أثق في أن أرى ذلك يحدث في حياتي. واليوم أرى نفسي، برؤيتي ذلك يحدث، مدينا للثورة. لأن الثورة في أبسط تعريفاتها هي اختصار للزمن، واستقدام للمستقبل، هي لا تصنع مستحيلا ولكنها تسبق التاريخ في حركته لتستحضر المستقبل الآن وفي التو واللحظة. كان يمكن للدولة المدنية الديمقراطية أن تكون حقيقة في مصر بعد مائة عام من الآن، لولا أن الثورة استحضرتها من كتاب المستقبل.الذين سوف يذهبون للجان الاقتراع ليقولوا “نعم” على التعديلات الدستورية التي صيغت لترقيع دستور باطل لا يفهمون الثورة ولا يريدون مساندتها حتى ولو إدعوا غير ذلك. الثورة لم تستقدم المستقبل الذي تهيأت من أجله بتعديل دستوري وإنما بدستور جديد، دستور يصنعونه هم ولا يصنعه بعض ممن ينتمون للنظام الذي يحاول الثوار إسقاطه. المستقبل لم يُستقدم بعد حتى نتهيأ للاحتفال بتصورنا أن الاختيار بين “نعم” و”لا” حفلة ديمقراطية. هي ليست وجهتي نظر ومفاضلة ديمقراطية، فلم يكن من الصدفة في شيء أن يقبل التعديلات طرفا النظام السابق: الحزب الوطني وغريمه المختار الإخوان المسلمين وترفضها جميع القوى الوطنية بدءا من ائتلاف الثورة والحركات المشاركة فيها وانتهاء بالأحزاب الكبيرة مرورا بخمسة من أهم المرشحين للرئاسة: البرادعي وموسى وصباحي ونور والبسطاويسي!هي ليست وجهتي نظر، ليست مفاضلة بين “نعم” و”لا”. هي مفاضلة بين الثورة وبين النظام الذي انفجرت الثورة لإسقاطه. الدعوة للاستفتاء بعجلة لا مبرر لها والرغبة في إجراء انتخابات برلمانية مبكرة ليست تجربة ديمقراطية للمفاضلة بين “نعم” و”لا”، وإنما هي انتقال إجباري لمعركة الثورة مع النظام الاستبدادي الفاسد من ميدان التحرير لصناديق الاقتراع، لهذا فإني لا أرى في اتهام الذين يعتزمون الإدلاء بـ “نعم” بسوء الطوية أو الجهل نوعا من التخوين أو محاولة فرض رأي ما، فالمسألة ليست رأي ورأي آخر، هي مسألة تتجاوز ذلك، المسألة بمثابة اختبار حقيقي للمصريين لفهم مع من يقفون، مع الثورة أم مع النظام. مع الذين دفعوا دماءهم ثمنا لحريتنا أم مع قاتليهم.بالنسبة لي فسوف أحارب من أجل خياطة الزر الأخير، لهذا فسوف أصوّت بـ “لا” قوية وممدودة عن آخرها، لأني اخترت أن أكون مع الثورة وليس ضدها. أما أنت عزيزي القارئ فأقولها لك بكل إخلاص: كن مع الثورة وقل لا.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل