المحتوى الرئيسى

من اجل مصالحة شاملة يجب اطلاق سراح محامى طنطنا بقلم دكتور حسين البسومى

03/17 20:47

كم من الحريات أهدرت فى مصر بإسم القانون ، و كم من الجرائم ارتكبت تحت مسمى الشرعية ، و ليس القانون و الشرعية صنماً يُعبد حتى نخشاه و ننحنى له إذا كان القانون جائراً و الشرعية مزورة .. لقد أفاقت مصر على ثورة شبابها فى 25 يناير 2011 فإذا الشعب كله ثائراً يلعن الظلم و الدكتاتورية و الفساد و الرشوة و المحسوبية و القهر و الجبروت ، و يطالب بسحق الفاسدين المستبدين الذين سلبوا ثرواته و حقوقه و حرياته ، و كان فى طليعة الثوار قضاة نابهين مشهود لهم بالنزاهة و صحوة الضمير تحدثوا للفضائيات عما كان القضاة يتعرضون له فى اعمالهم من تدخلات و إملاءات و نفوذ و حتى رشاوى ، فعلم العامة من الشعب بأن ثمت احكاماً جائرةً صدرت من فاسدين و ثم ظلماً فادحاً حاق بآخرين و حقوقاً أهدرت بإسم القضاء و حرياتِ سُلبت باسم القانون .. فيما مضى كانت المحاكم ساحات حقوق و محاريبها مقدسة لا يدخلها قاصدوها إلا بعد التطهر كأنهم متأهبون للصلاة !! و فيما مضى كان القوم يكبرون قضاتها ، فكانوا اصحاب مقام رفيع ، يتمتعون بحصانة الشعب التى هى احترام و توقير فى الحضور و الغياب ، و قبل هذا و ذلك فقد كانوا يستأثرون بدعاء الشعب الى الله ان يحفظهم من كل مكروه ، هذا الدعاء الذى كان المظلوم ينطق به فى الساحات و الشوارع و المساجد فينطلق من فمه الى ابواب السماوات العلا دون واسطة او حجاب ، لم يفكر أحد منهم فى الاحتماء بحصانة قانونية او قوة شرطية ، و كم ساروا فى الشوارع فإذا مر أحدهم امام مقهى انتفض رواده قياماً ، احتراماً و تبجيلاً للمار و اذا دخل أحدهم محلاً للشراء هش و بش له البائع و بالغ فى الإحتفاء به و إذا دخل أحدهم مسجداً قدمه المصلون إماماً يقودهم للصلاة الى الله تعالى مثلما قادهم الى الحق بتوقيعه عن الله .. ضاع ذلك كله خلال تراكماتٍ قانونية و تشريعية فاسدة لم تكن تصلح ابداً للفصل فى خصومات استشرى فيها خراب الذمم وتدرع فيها الفساد بمتاريس الحصانة ودقت الرشوة و المحسوبية أطنابها بسلطات أسطورية ، فاذا المواطن المصرى البسيط هو وحده المسلوب أمنه و هو وحده المحروم من الحرية و هو الوحيد الجائع على مائدة اللئام و هو الوحيد الذى ضاعت حقوقه بالقانون و أصبحت تلك الساحات مغارة للصوص وكمينا للبسطاء و مُدخلا لنهب الحقوق و سلب الحريات و التنكيل بالخصوم و إرهاب الشرفاء ، فالخصومة على ألف جنيها قد تستمر عشر سنوات و ربما لا يستطيع صاحب الحق أن يتحصل عليها ، و الخصومة على قطعة ارض تتفرع عنها عشرون قضية قد تنتهى جميعها بلا شىء اضافة الى حسرة الالتزام بالمصروفات جراء الموانع الاجرائية و قوانين الرسوم التى احالت القضاء الى مقامرة ، مفادها انه اذا لم يقضى لك بمطالبك ستخسر ثروتك !!.. و ليست الخصومة الجنائية بأقل تكلفة من نظيرتها المدنية و لا بأقل وقتاً أو عنتاً بل تضاهيها فى ذا و ذاك ، و إنما تزيد عليها فى عبء سلب الحرية او الحياة بموجب لا شرعية و لا ضمير .. فاذا قابلت شخصاً و اخبرك ان حقه الضائع أعيد اليه بموجب إجراء قانونى فإنك تكون قد صادفت مستحيلاً يضاف الى الغول و العنقاء و الخل الوفى !! ، و إذا قادتك قدماك ذات يوم لتشاهد مشهداً من إحدى المحاكمات فسوف تندم ندماً بالغاً و تنتابك الحسرةُ و الالم و ترجع مهموماً على ما شاهدته من واقع تتضائل أمامه الخرافات و الاساطير التى يعيث فيها الظلم فساداً و يصول فيها الجبروت دون ان ترده لومة لائم .. و قد كان ذلك أحد اسباب الثورة ، و دليل ما أقرر ان الجماهير – بتلقائية عجيبة – تجمعت لمهاجمة رموز الظلم و القهر و الفساد فى مصر ، فأحرقت فروع مباحث أمن الدولة ثم أقسام الشرطة ثم العديد من دور المحاكم فى مختلف أنحاء البلاد ، قام أفراد باشعال النيران فى تلك المبانى مدفوعين بغل غير عادى وبعداوة بالغة كأنهم يشاركون فى تكسير أصنام الظلم و دك قلاع الجبروت ورموز القهر ، و الغريب أن الجماهير لم تحرك ساكناً تجاه هؤلاء الافراد ، فلم ينهاهم ناهٍ و لم يصدهم احدٌ ، فاشتعلت النيران فى دورالمحاكم و اقسام الشرطة بينما الناس غير مبالين بما يحدث ، يشاهدون النيران صامتين و يتفرجون على الحرائق شامتين و يسمعون اصوات دوى الانفجارات غير محوقلين ، فضاعت مقدرات الناس و حقوقهم أمام أعينهم و دونما تدخل ، و لو بأضعف الايمان .. ان التاريخ سوف يتوقف طويلاً أمام ثورة مصر باعتبارها أكبر ثورة على الظلم و الجبروت و الفساد منذ نشأة الإنسانية ، و اذا كان الاصلاح هو الهدف السامى الذى سعى الشعب اليه ، فليست اعادة انتشار افراد الشرطة هى الاولى و ليست اعادة بناء اقسام الشرطة والمحاكم هى الحل ، و ليس المطلوب إعمال الشعار الدستورى المعطل " الشرطة فى خدمة الشعب " فحسب ، بل المطلوب - بصفة عاجلة جداً – ازالة الاحتقان البالغ الشدة لجموع الشعب من القضاء و الشرطة ، و يتمثل ذلك فى اخضاع كافة قيادات و ضباط الشرطة لدورات دراسية عن حقوق الانسان و اساليب التعامل مع المواطنين و المتهمين بما يحفظ آدميتهم و ان يعهد الاشراف على قبول الطلاب الجدد بكلية الشرطة الى لجنة مستقلة تمارس اعمالها بعدالة و بشفافية مطلقة ، وإلغاء كافة القوانين و المراسيم و التعليمات و المنشورات المقيدة او المانعة للتقاضى و إلغاء كافة القوانين المرهقة للمتقاضين سواء كانت رسوماً قضائية او خدمات قضائية او اتعاب محاماة ، و احترام الدولة للقضاء بان تضطلع بتنفيذ احكام القضاء دون مماطلة و المبادرة الى اعادة الحقوق للمواطنين دون اضطرارهم الى اللجوء للقضاء جراء كل حق و كل طلب دون مقتضى ، واعادة سن تقاعد القضاة الى الوضع الطبيعى مساواة بكل العاملين بالدولة ، وزيادة عدد القضاة ليكون مناسبا لعدد القضايا المنظورة لسرعة الفصل فيها ، و ان يكون اختيار معاونى النيابة الجدد من خلال لجنة مستقلة تمارس اعمالها بعدالة و شفافية مطلقة ، و اخيراً تفعيل مسئولية الضابط و القاضى وألغاء فكرة الحصانة المطلقة التى جعلت بعضهم يتصور انه إلهاً من دون الناس.. و ليست قضية محامى طنطنا ( ايهاب ساعى الدين ومصطفى فتوح ) ببعيدة عن واقعنا ، فهما شهيدان فى مذبحة القضاء ، ذبحا بسكين بارد اسمه حصانة القضاء ، و إُدينا بحكم غريب يستحيل إقناعنا بأن جريمة الضرب يمكن ان تُشدد عقوبتها بظرف " سبق الاصرار و الترصد " ، لان القضاء لم يضيف ظرف سبق الاصرارو الترصد الى جريمة الضرب مطلقا لاى متهم – على مدى تاريخه كله - منذ سريان قانون العقوبات فى العام 1937 حتى الان إلا فى هذه الجنحة فحسب !!، كما ان النيابة العامة أسندت للمتهمين اتهاماتٍ مكررة و تهماً لم يرتكباها ، فقد طلبت معاقبتهما بالمادة 133 عقوبات و المادة 137 عقوبات مع ان جريمة المادة 137 عقوبات هى الصورة المشددة من جريمة المادة 133 اى ان أيهما يكفى و لا يجوز التكرار، كما طلبت النيابة معاقبة المحاميين بالمادة 185 عقوبات و هى خاصة بسب الموظف العام عن طريق النشر فى الصحف !! مع ان الاتهام قائم على ان السب تم بمكتب النيابة !! و تغاضت النيابة تماماً عن اتهام وكيل النيابة بالتعدى علي المحامى و أغمضت عينيها عن التقرير الطبى المؤيد لذلك الاتهام ، و لذلك يرى فقهاء القانون ان النيابة لم تكن خصماً محايداً فى تلك القضية بل كانت خصماً لدوداً للمتهمين ، أما الحكم الصادر عن اول درجة ، فيكفى لإهداره ما سجله بحيثياته بانه لم يستمع الى دفاع المتهمين ، اذ مثلا محبوسين بعد اسبوع من الواقعة و لم يكن بيد دفاعهما صورة التحقيقات و طلبا أجلا للاطلاع فحكمت المحكمة بإدانتهما ، مع ان حق الدفاع مكفول طبقا للدستور ، و لكن الدستور ركع امام الحصانة ! ، كما ان الحكم سار على النهج الخاطىء للقيد و الوصف الواردين بقرار الاحالة فأعمل عقوبة كافة المواد التى تنطبق على الواقعة و التى لا تنطبق !! ، و ليس الحكم الاستئنافى بأوفر حظاً من الحكم الابتدائى ، لان شوائبه لا تحصى ، و اعتقد انه لن يصمد امام محكمة النقض مطلقا .. و اعتقد انه بعد ثورة الشعب فى الخامس و العشرين من يناير يجب ان يصح لدينا العزم على تصحيح الخطأ و تتوافر لدينا القوة للعودة الى الصواب ، ليكون الاتى عهداً جديداً يعيد الحريات و الحقوق و يرد المظالم كما يتعقب الفاسدين لتكتمل فرحة الشعب المصرى و قد قضى المحاميان فى غياهب السجن ما يزيد على ثمانية شهور، و بالتالى فإن الواجب يقتضى الافراج عنهما ، أُسوة بما قرره المجلس الاعلى للقوات المسلحة من الافراج عن العديد من المحكومين و المعتقلين فى عهد الرئيس المخلوع حسنى مبارك

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل