المحتوى الرئيسى

د. هشام عبد الصبور شاهين يكتب: للمرة الأولى .. نحن مصدر السلطات!

03/17 18:48

بالأمس القريب شاهدت فيلما أمريكيا قام فيه الممثل فال كيلمر بدور رجل كفيف فقد بصره منذ كان فى الثانية من عمره، فلما بلغ الثامنة والثلاثين تعرف على فتاة أحبها وأحبته، وأقنعته بإجراء عملية جراحية فى عينيه ليعود إليه بصره، فأجراها وعاد إليه البصر، وليته ما عاد ! فالرجل الذي قضى عمره كله لا يرى الأشخاص والأشياء، ويتعامل مع الدنيا من خلال حاستي اللمس والسمع؛ لم يعد قادرا على التعامل معها حين عاد إليه بصره، فقضى شهرين يكاد يُجن، ووصل به إحساسه بالعجز إلى حد أن تمنى عودة العمى إليه ! وعاد أعمى..إن الشعب المصري ومنذ ثورة 25 يناير يعيش حالة أشبه بحالة الرجل الأعمى فى الفيلم الأمريكي بعد أن ارتد بصيرا، فقد قضى قبلها سبعة وخمسين عاما (منذ 1954) تحت حكم الفرد الديكتاتور، لا يقرر الشعب طيلة هذه السنوات من أمره شيئا، جميع الانتخابات التى أجريت زورت نتائجها لمصلحة الفرد الحاكم لضمان بقالئه ملتصقا على مقعد السلطة، فتارة بالاشتراكية، وأخرى بالرأسمالية والانفتاح، وثالثة بالاقتصاد الحر وحكومات رجال الأعمال، والقاسمان المشتركان عبر سنوات الحكم الجمهورى فى مصر هما انتشار الفساد على كل المستويات فى المجتمع، وتهميش دور الشعب وانعدام تأثيره فى مجريات حياته.وعبر هذه السنوات الطويلة قيل للشعب أنه – بالديمقراطية – المصدر الوحيد للسلطات بينما لم ينعم مرة واحدة بأن كان مصدرها، فوصل إلى حالة رهيبة من التردي والإحباط وانعدام الرؤية، والشواهد على هذه الحالة كثيرة وفى معظم الأحيان مخيفة، فكيف يُطلب من الجماهير الغفيرة التصويت فى استفتاء على تعديل الدستور المرقع، ومعظمنا لا يعرف لماذا لا يُغيـّر؟ وكلنا لم نُستفت أو يُستطلع رأينا من قبل فى ظل الجمهورية؟ قيل لنا أننا سنختار رئيسنا من بين عدة مرشحين؛ ونحن لم يطلب منا الإدلاء برأينا فى شخص الرئيس من قبل، ناهيك عن أن نختاره بأنفسنا، هل سيُقدم المصريون على التصويت فى الانتخابات والاستفتاءات؟ كيف سيبتعد المواطن المصري عن الحائط بعد أن ظل يمشى (جنب الحيط) طيلة حياته؟ وإن انتخب الشعب رئيسه؛ ترى كم يستغرق من الوقت اختفاء عادة المصريين الأصيلة فى تأليه الحاكم؟ أولم يقل فرعون للمصريين من قبل أنا ربكم الأعلى، فأطاعوه؟ من أيام أسرة الرعامسة حتى أسرة المباركة!   كيف سيُقضى على الواسطة والمحسوبية والكوسة فى المجتمع، وقد ضربت هذه الوسائل الحرام جذورها فيه إلى سابع أرض؟ كيف سيتعامل الفرد مع غيره ومع المجتمع؛ ولا زالت كل القيم البغيضة مزروعة متوارثة من الأجداد إلى الآباء إلى الأبناء إلى الأحفاد؟ كيف ستتغير ثقافة الناس بين يوم وليلة؛ وهم قد اعتنقوا قسرا ثقافة القهر والدونية والإذلال والاعتراف تحت التعذيب منذ بواكير العهد الناصري البغيض؟ وكيف سيتغير مفهوم الثقافة لدى القائمين عليها؟وواجب أن أنوّه أننى أتحدث عن حال معظم أبناء جيلى، ممن عجزوا عن الإتيان بعُشر ما استطاع الشباب إنجازه فى وقت قياسي، أتحدث عمن أحاطت بهم جدران الأمن الرئاسي، وأحاطوا أنفسهم بسياج الخضوع والخوف لثلاثة عهود في ستة عقود، وأيضا أتحدث عن المصريين فى خمسين وسبعمائة وثلاثة آلاف قرية مصرية، ربما لم يشارك معظمهم فى مظاهرات واحتجاجات الثورة، وأيضا أتحدث عن شعب تخطت نسبة الأمية فيه الأربعين فى المائة على أقل تقدير، والتسرب من التعليم أصبح ظاهرة، والثقافة الحكومية أضحت هى الفن التجريدى والنحت السريالي ومهرجان السينما.. وكلنا تساءل: هو احنا كنا فين التلاتين سنة إللى فاتت؟ كل ده وماكناش شايفين؟ هو احنا كنا عميان؟!   إننا أشبه بسكان قرية تعتمد فى الإضاءة على اللمبة الجاز، وفجأة قيل لهم: هنركبلكم مفاعل نووي لتوليد الكهرباء! فكيف سنتعامل معه وكيف سنشغله؟ أدعو الله ألا نصبح مثل الرجل الأعمى فى الفيلم الأمريكي، فنتمنى عودة العمى لأعيننا، وأدعوه أن نفهم معنى قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) – الرعد 11 ، أن ما علينا هو أن نغير أنفسنا وثقافتنا وطريقة تعاملنا أولا ونذهب إلى لجان الاستفتاء، أن نرفض أو أن نقبل الفرصة التاريخية، والله تبارك وتعالى هو الذي سيغير أحوالنا.. واسلمي يا مصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل