المحتوى الرئيسى

> أين أخطأ الذين اغتالوا رفيق الحريري؟

03/16 21:21

كان ضروريا، اقلّه من أجل لبنان، أن ينزل المواطنون بهذه الكثافة إلي "ساحة الحرية" في بيروت يوم الثالث عشر من مارس الجاري. أثبت اللبنانيون مرة أخري أنهم يمارسون المقاومة. يكفي اللبنانيون فخرا أنهم يقاومون السلاح الميليشيوي لـ"حزب الله" ويقاومون في الوقت ذاته الغرائز المذهبية التي يحاول هذا الحزب، الذي ليس في واقع الحال سوي لواء في "الحرس الثوري الإيراني"، استخدامها للقضاء علي العيش المشترك بين اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب والمناطق. لعلّ أهم ما أثبته اللبنانيون بنزولهم بمئات الآلاف الي وسط بيروت، في الذكري السادسة لانطلاق "ثورة الارز" في الرابع عشر من مارس 2005، أنهم يدركون أن ثورتهم، التي حققت الكثير إلي الآن، لا تزال في بدايتها وأن لا بدّ من نضال يومي علي كل الصعد من أجل اعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية وحماية العيش المشترك في ظل دولة القانون التي تحمي الجميع وليس في "ساحة" اسمها لبنان. إنها "ساحة" يسودها منطق اللامنطق المتمثل في استخدام المحور الإيراني - السوري للوطن الصغير من أجل التوصل إلي صفقات تعقد علي حسابه وعلي حساب أبنائه مع هذه الدولة العربية أو تلك... أو مع الولايات المتحدة وإسرائيل. أليس مستغربا أن يوجد هذه الأيام في لبنان من يزايد علي كل العرب والعالم في الموضوع الليبي بسبب قضية محقة، هي قضية وطنية بامتياز، اسمها قضية الإمام موسي الصدر، في حين لا يجد هذا الطرف المزايد ما يقوله، ولو من باب العتب، عندما يقف النظام السوري، بكل ما لديه من إمكانات، مع العقيد معمر القذافي ويصوت مندوبه في مجلس جامعة الدول العربية ضد فرض حظر جوي علي ليبيا؟ فجأة، صار هذا الطرف المدافع عن السلاح المذهبي صنما لا يري ولا يسمع. انعقد لسانه. لم يعد لديه ما يقوله في شأن الموقف السوري الذي يتلخص بأن دمشق تقوم، وربما معها حقّ في ذلك، بما تمليه عليها مصالحها بغض النظر عن موقف هذا المسئول اللبناني التابع لها، حتي لو لم تكن لدي هذا المسئول قضية أكبر من قضية موسي الصدر، أو هكذا يدّعي. كل ما فعله هذا المسئول، بدل أن يخجل من نفسه، هو اللجوء إلي الصمت ومتابعة حملته علي العقيد القذّافي إلي ما شاء الله. يفعل ذلك، لعلّ النظام السوري يستفيد من الحملة اللبنانية علي ليبيا في إطار حسابات خاصة به. المهم أن يبذل هذا المسئول كل ما في استطاعته للقضاء علي مؤسسات الدولة اللبنانية وتوفير الغطاء المطلوب للسلاح غير الشرعي الذي يهدد مستقبل كل اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب.لم تكن رسالة اللبنانيين في الثالث عشر من مارس 2011 مقتصرة علي رفض السلاح الميليشيوي الذي لم تعد لديه سوي وظيفة واحدة تتمثل في إرهاب المواطن العادي وتكريس لبنان "ساحة". كانت هناك رسالة أخري هي الدعوة إلي وقف المتاجرة بلبنان. فالسلاح أي سلاح، خصوصا ذلك الموجه إلي صدور اللبنانيين لا قيمة له إلا في أذهان أدوات الأدوات مثل النائب المسيحي ميشال عون الذي لديه صورة، نشرت في الصحف، يقف فيها وقفة الولد الشاطر أمام ضابط إسرائيلي لدي سقوط بيروت تحت الاحتلال في العام 1982. يفترض في أي سياسي لبناني يمتلك حدا أدني من الوطنية والكرامة والشرف أن يدرك أن السلاح لا يستهدف سوي المتاجرة بلبنان وابتزاز الآخرين من عرب وغير عرب. في أحسن الأحوال، يشكل هذا السلاح وسيلة لتأكيد أن إيران صارت دولة متوسطية بامتياز وأن بيروت ميناء إيراني علي المتوسط وأن الإيرانيين استطاعوا بالفعل ملء الفراغ الذي نتج عن الانسحاب العسكري السوري من لبنان نتيجة "ثورة الأرز" التي فجرها اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من فبراير 2005. لا يزال اللبنانيون الشرفاء حقّا يقاومون السلاح الميليشيوي. أنهم يفعلون ذلك لأنّ المنطق يقول إنه لم تعد هناك من وظيفة لهذا السلاح باستثناء إثارة الغرائز المذهبية التي لا تخدم سوي إسرائيل المستفيد الأوّل من تفتيت المنطقة والقضاء علي كل ما هو عربي فيها. ربما تكمن مشكلة لبنان في غياب أي موقف عربي من كل ما يدور في المنطقة. لكن اللبنانيين عرفوا كيف يمكن تجاوز تلك المشكلة فأخذوا أمورهم بأيديهم. لم يستفق العرب إلا متأخرين علي ما يشهده لبنان. ربما استفاقوا وربما لن يستفيقوا إلاّ بعد استباحة إيران مستخدمة الغرائز المذهبية والسلاح في كل بيت عربي. صارت لاعبا اساسيا في البحرين بعد سيطرتها علي جزء من العراق، بما في ذلك حكومته. استغلت إيران كل الأخطاء التي ارتكبها الحكم في البحرين لإثارة الغرائز المذهبية وضرب الاستقرار في البلد، وعبر ذلك الاستقرار والأمن والتركيبة الاجتماعية داخل كل دولة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ما فعله الخليجيون يندرج في إطار الدفاع عن النفس بعدما بلغ السيل الزبي. ما علي المحكّ في هذه المرحلة مستقبل الخليج ودوله وكل ما هو عربي فيه وحرية المواطن وسيادة الدول! يكتشف اللبنانيون يوما بعد يوم أن عليهم أن يدافعوا عن بلدهم وعن مستقبل أولادهم من دون الاعتماد علي أحد. يعرفون أنهم، مسيحيون ومسلمون، أخرجوا القوات السورية في لبنان. يعرفون أنهم فرضوا المحكمة الدولية علي المجتمع الدولي بفضل النضالات التي خاضوها وذلك من أجل وضع حدّ للسياسة القائمة علي إخضاعهم وتدجينهم عن طريق الاغتيالات والتفجيرات. من كان يصدّق أن القوات السورية يمكن أن تخرج يوما من الأراضي اللبنانية؟ من كان يصدّق أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ستبصر النور يوما وأن لا شيء يمكن أن يوقفها؟ معركة لبنان لا تزال في بدايتها. يعرف اللبنانيون أن لا مستقبل لبلدهم ولا لأبنائهم في ظل السلاح. يعرفون أن منطق اللامنطق لا يمكن أن ينتصر. لا يمكن للبنان أن يكون مع القرار 1701 وضده في الوقت ذاته. لا يمكن للبنان أن يكون مع مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في العام 2002 وضدها. لا يمكن للبنان أن يبقي تحت رحمة محور إقليمي لا همّ له سوي المتاجرة باللبنانيين والفلسطينيين وبكل شعب عربي تقع يده عليه. إذا كانت هناك أدوات لبنانية وأدوات للأدوات علي استعداد للعب الدور الذي يحدده لها هذا المحور، فإن اللبنانيين يؤكدون، بأكثريتهم الساحقة، كل ساعة أنهم ملتزمون ثقافة الحياة أوّلا ويرفضون استمرار المتاجرة بهم وببلدهم ثانياً وأخيرا. آن أوان سقوط الأقنعة. آن آوان القول بالصوت العالي إن "ثورة الأرز" مستمرة لأن الناس أحسن من الزعماء وأكثر وعيا منهم لخطورة السلاح الذي يتحكم بالقرار السياسي اللبناني منذ توقيع اتفاق القاهرة المشئوم في العام 1969. إنهم يدركون أن اغتيال رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الأخري التي ارتكبت في تلك المرحلة كانت في حجم جريمة احتلال الكويت في العام 1990. معروف كيف انتهي من كان وراء تلك الجريمة. ما ذنب لبنان واللبنانيين إذا كان الذين يقفون وراء اغتيال رفيق الحريري والجرائم الأخري لم يأخذوا في حساباتهم أن الشعب اللبناني شعب مقاوم فعلا وأنه يقاوم الذين يسعون فرض ثقافة الموت عليه أوّلا واخيرا وقبل أي شيء آخر.كاتب لبناني

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل