المحتوى الرئيسى

كارم يحيى : الثورة و الدولة والطائفية

03/16 16:21

ظهر يوم الجمعة 4 فبراير الماضي التقيت والصديق “علاء العطار” زميلي بالأهرام  في ميدان التحرير صدفة بالكاتب الصحفي البريطاني “روبرت فيسك”. ودار بيننا حوار لبضع دقائق . أذكر منه جيدا عبارة قالها الرجل :” لا تستهينوا بمبارك ونظامه .. إنه اشبه بثعلب جريح يخفى مخالبه كي ينقض بشراسه المرة تلو الأخرى”.وبعدها بأربعة أيام طالعت في جريدة “الإندبندنت “التي يكتب لها ” فيسك ” مقالا له يحذر من عمق جذور النظام الأمني في مصر وتشعبها .و أشار الى إحتمال ان تشهد البلاد ـ حتى بعد رحيل مبارك ـ سلسلة إغتيالات وأعمال إرهاب مدبرة على غرار ما عرفه لبنان بعد انسحاب النظام الأمنى المخابراتي السوري. وإن كنت شخصيا لا أستطيع ان أجزم بتدبير هذا النظام السوري ـ بكل عيوبه وخطاياه ـ لهذه الأحداث.كنت أقرأ المقال في بيتى فجرا . وقتها شعرت بقليل من الخوف وفقط . فقد كنا نستمد من دفء الثورة في ميدان التحرير شجاعة أناس واجهوا معا على مدى أيام متواليه خطر الموت اختناقا بالغاز او قتلا بالرصاص أو بقنابل المولتوف و الاسلحة البيضاء فضلا عن الحجارة . ولقد رأيت بعينى هاتين في 3 فبراير مع الصباح الباكر لليوم التالي لموقعة ” الجمل” شابا مسيحيا من أبناء الطبقة ا لوسطى يدخل الميدان وهو مصاب في رأسه من هجمات الأمس . تبادلنا حديثا مقتضبا . قال خلاله أنه عائد كي يستشهد من أجل البلد وحريتها . وعلى أيه حال فقد كان هذا مجرد واحد من مشاهد عديدة ستظل في الذاكرة عن مصرالأخرى التي اكتشفتها الثورة . وهي مصر مختلفة تماما عما شهدته هذه الأيام الأخيرة من أحداث عنف طائفي في ” أطفيح ” وعشوائيات “هضبة المقطم “و”منشأة ناصر” . وهي بالقطع مختلفة تماما عن مصرالأحداث الطائفية البغيضة التي عرفها جيلي ، من “الخانكة ” في 1972 الى “كنيسة القديسين” بالاسكندرية مطلع هذا العام .لا أعرف حقيقة مسئولية جهاز مباحث أمن الدولة عن الأحداث الطائفية التالية للثورة . فالأمر يحتاج الى تحقيق قضائي محترم . لكن ثمه شكوكا في وجود تنظيم سري ـ يجمع بين ضباط في هذا الجهاز و فاعلين في الحزب الوطني و رجال أعمال ـ تتوافر لديه الإمكانات بما في ذلك الأموال والأسلحة و قوائم البلطجية و وسائل الإتصال بهم وكيفية تعبئتهم واستخدامهم في هذه المهام القذرة طائفية كانت أو غير طائفية . وهو ما يضعه البعض في نطاق مخطط ” الثورة المضادة” . كما ان لدي شكوكا منذ سنوات عن علاقة ما بين “أمن الدولة “ومعه وزارة الداخلية والطائفية ، تمتد الى ماقبل يوليو 1952  حين كان يسمى الجهاز بـ ” القلم المخصوص”. وعلى الأقل فان لدينا تساؤلا مشروعا عن كم عدد ونسبة الأخوة الأقباط في هذا الجهاز .ولدينا وقائع موثوقة ، منها أن الشروط العشرة القاسية لبناء الكنائس وضعها وكيل وزراة الداخلية ” محمد العزبي باشا ” في إحدي حكومات الأقلية عام 1934 .  وفي كل ذلك ما يستوجب ان تجرى كتابة تاريخ هذا الجهاز بشكل موضوعي وأمين وشفاف و فحص علاقته بالطائفية .و لأن أي جهاز أمني لايعمل في فراغ  مهما بلغت سطوته على المجال العام في دولة بوليسية ، فان النظر لا بد ان يتجه الى السياسة و المجتمع . ونخدع أنفسنا  لو تصورنا ان مرض الطائفية بدأ مع حادثة “الخانكة ” و سياسات الرئيس الأسبق “السادات ” الذي اسمى نفسه بــ ” الرئيس المؤمن ” و اطلق صيحته ” أنا رئيس مسلم لدولة مسلمه ” و أسس حزبا ” الوطني الديموقراطي ” ظل يخوض الإنتخابات برموز ذات دلاله دينيه طائفية ” الهلال والجمل ” . وإن كان هذا لا يمنع من التمييز بين مرحلة ما قبل “السادات” و مابعده بشأن حضور وكثافة احداث العنف الطائفيه.  فالحداثة المصرية منذ ان تجلت في مشروع دولة “محمد على”  في مطلع القرن التاسع عشر عجزت عن حل المشكلة الطائفية رغم فضل هذا المشروع على تطوير صيغة “الدولة الوطنية “. وعلى سبيل المثال فان إجراءا باهمية إعتماد التجنيد الإجباري في الجيش للمصرييين استثنى الأقباط . كما ان مشروعا بأهمية ايفاد البعثات الى أوروبا لم يضم قبطيا واحدا. و حتى المرحلة المسماة بالوطنية الليبرالية التي تلت ثورة 1919 ـ بكل منجزاتها على صعيد مشاركة الأقباط في قيادة الأحزاب السياسية وعلى رأسها ” الوفد” ـ لم تستطع أن تحل المشكلة الطائفية تماما . وسرعان ما حملت رياح ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي الى الصدراة بجماعات سياسية كـ”الإخوان المسلمين ” و”مصر الفتاة” وبأحزاب أقلية كـ ” الهيئة السعدية” تنتكس بمنجزات 1919 على هذا الصعيد . و على الأخص ، عجزت الحركة الوطنية آنذاك عن الغاء “الخط الهمايوني ” الموروث عن التبعية  لدولة الخلافة العثمانية والذي يعود الى عام 1858 . وهو العجز الذي استمر مع مشروع الدولة الحديثة الذي تبناه الرئيس “عبد الناصر” والى الآن. وقد ظل بناء وترميم الكنائس أحد أبرز مسببات الأحداث الطائفية التي تلاحقت بكثافة غير مسبوقة مع عهد غيا ب المشروع الوطني وانسحاب الدولة من مجال الرعاية الإجتماعية و مع الإنفتاح الاقتصادي و التبعية لعواصم الغرب والتطبيع مع إسرائيل منذ حكم “السادات”  . وبالتالي إرتداد المواطنين الى الكنيسة والمسجد كي يملأ  كلاهما الفراغ الناجم عن غياب الدولة بانكسار المشروع الناصري و موت السياسة بالأصل منذ انطلاق هذا المشروع . ولما كان مقتل الحداثة في مشروعات دولة الوالي محمد على و دولة الخديوي اسماعيل و دولة الرئيس عبد الناصر يعود بالأساس الى انها جاءت من أعلى وبأوامر فوقية سلطوية ، ومن دون مشاركة ديموقراطية ومبادرة عموم المصريين ، فإن أهمية ثورة 25 يناير 2011 أنها تفتح الآفاق أمام أول مشروع للحداثة يأتي من أسفل ..أي من الشعب نفسه . وفي المشكلة الطائفية تحديدا ، يجب ألا نقلل من شأن ظواهر إيجابية لافته صاحبت الثورة من قبيل عودة الإهتمام بالسياسة والشأن العام . وهي عودة حضر فيها الأقباط ومختلف المسيحيين المصريين بكثافة . وقد خرجوا في ذلك على تعاليم “دولة الكنيسة والبابا “، فشاركوا بثقل له وزنه كما ونوعا في الثورة . ولعل أبرز ما صحب هذه الثورة انها قدمت لمصر جنين مشروع “دولة مدنية حديثة” في مواجهة ما كان مطروحا من الإختيار بين مشروعين إثنين أحلاهما مر : الدولة البوليسية ..والدولة الدينية .وهذه هي الفرصة التاريخية التي يتعين على المصريين الإمساك بها الآن في مواجهة ما أظن انه حوادث طائفية مدبرة ، وإن كنت أجزم انها تأتي على خلفية  تراكمات ممتده ومشكلات حقيقة لا يجب التهوين من شأنها او التغطية عليها بعبارات المجاملة عن “الوحدة  الوطنية” . حقا اننا في حاجة الى مراجعة سياسية لمسئولية رئيس الجمهورية و الحكومات والبرلمانات على مدى العقود السابقة عن استمرار عار ” الخط الهاميوني ” وعن عدم تنفيذ توصيات لجنة تقصي الحقائق البرلمانية برئاسة المرحوم الدكتور “جمال العطيفي” منذ 1972 ، نهاية بالتقاعس عن تشريع مشروع قانون دور العبادة الموحد الذي تقدم به المجلس القومي لحقوق الإنسان منذ عام 2007 . لكننا في هذه المرحلة الإنتقالية نحتاج بالأصل الى حزمة من السياسات العاجلة من قبيل انهاء سرية المعلومات بشأن تعداد الأقباط و عدد الكنائس والمساجد  ، وعقد مؤتمر قومي لمناقشة المشكلة الطائفية لانهاء التراكمات التاريخية ووضع حلول خلاقه لها .لو قدر لروح ثورة يناير ان تظل ملهمة  لصناعها والمشاركين فيها و لقطاعات متزايدة من المصريين، فانني على ثقة بان الإصلاح لن يتوقف على النظامين السياسي و الأمني . بل سيصل أيضا الى المسجد والكنيسة . وكل ذلك في سياق بناء دولة مدنية ديموقراطية تعالج إخفاقات في بناء الحداثه تراكمت على مر تاريخنا الوطني.لكن هذا لا يلغى الحذر مما نبه اليه ” روبرت فيسك”. وقد توالت منذ أيام المشاهد في سيناريو بغيض يدعونا للتساؤل عن ” تنظيم سري” يقف وراءأحداث العنف الطائفية وغير الطائفية.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل