المحتوى الرئيسى

د. أشرف الصباغ يكتب: استفتاء 19 مارس باطل!

03/16 12:19

Select ratingإلغاء التقييمضعيفمقبولجيدجيد جداًممتاز  الرئيس القيرغيزي كورمانبيك باكييف استفتاء 19 مارس سيكون باطلا بحكم الدستور والقانون والأعراف، مثل كل الانتخابات والاستفتاءات التي جرت منذ عام 1981. والسبب بسيط للغاية: "كل الاستفتاءات والانتخابات التي تجري في ظل قوانين الطوارئ باطلة". وإذا كنا سنبدأ بالباطل فكل ما هو مبني عليه باطل، بما في ذلك الدستور الذي يجري استهدافه بمؤامرة تستهدف بدورها مضمون ثورة 25 يناير وجوهرها. ويبدو أن جيل المحافظين (في أحسن الأحوال والأوصاف) وبقايا النظام البائد والخائفين من كشف حجمهم الحقيقي في الشارع السياسي والمجتمع عموما في مصر – كلهم اتفقوا ضمنيا على إجهاض الثورة التي فجرها شعب مصر. الفصيل الأول ضد التظاهر والاعتصام ويفضل العلاقات الأبوية والوصاية بحكم السن والشعر الأبيض. والفصيل الثاني كان ومازال ضد أي تغيير أو اقتراب من مصالحه. والفصيل الثالث دائما يخطئ في حساباته (بشكل تاريخي) ويعود مستغفرا ومبررا كل كوارثه بأنه كان مجرد رسول غرام يبلغ أولي الأمر بصوت الشعب، وكأن الشعب أبكم أصم. أكرر وللمرة العشرين... في أبريل 2010 أطيح بالرئيس القيرغيزي كورمانبيك باكييف في قيرغيزيا. وتولت السيدة روزا أوتونبايفا، وزيرة الخارجية السابقة، منصب رئيس الدولة المؤقت. وخرجت السيدة بقوة لتعلن عن حكومة مؤقتة لمدة 6 أشهر: خلال الشهرين الأولين يتم كتابة دستور جديد لجمهورية برلمانية. وبعد 4 أشهر من ذلك تجري الانتخابات البرلمانية. وبعدها الرئاسية. وأعلنت السيدة أوتونبايفا بشجاعة منقطعة النظير أنها علقت العمل بقوانين الطوارئ التي فرضها الرئيس السابق. ناقشت قيرغيزيا – الدولة الفقيرة التي تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية تفاصيل دستورها الجديد. وشارك في تلك لمناقشات كل الأطياف السياسية والاجتماعية وجمعيات المجتمع المدني والأوساط القانونية والإعلامية وكل طوائف الشعب. وقام المتخصصون بصياغة بنود الدستور الجديد بعد مناقشات ومداولات. بعد ذلك تم التصويت بنسبة كبيرة على الدستور الجديد في بداية يوليو 2010. وفي أكتوبر من نفس السنة جرت الانتخابات البرلمانية. المدهش أن حزب النظام السابق (الذي أصبح في المعارضة) احتل المرتبة الأولى في تلك الانتخابات. وفاز بالمرتبة الثانية أحد الأحزاب القريبة من روزا أوتونبايفا. وكان الحزب الثالث معارضا أيضا. واحتل المرتبة الرابعة حزبا مستقلا. وكان الخامس معارضا. لم يحدث إقصاء لأحد أو إبعاد لحزب أو منظمة أو تكتل. شارك في تلك الانتخابات 29 حزبا سياسيا، دخل البرلمان منها 5 أحزاب فقط. وجلست هذه الأحزاب لتختار رئيس الحكومة (الحاكم الفعلي للبلاد) ورئيس البرلمان الذي يعتبر الشخصية الثانية في الدولة. نجحت التجربة وقيرغيزيا تنتظر أن تجري الانتخابات الرئاسية. قيرغيزيا ذات الملايين الخمسة والتي تقبع في آسيا الوسطى بين الجبال اختارت النظام البرلماني بخلاف كل جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق. لقد شاهدت بنفسي أهم وأنظف استفتاء وانتخابات من ضمن ما شاهدت في دول عديدة. ورأيت أن الإرادة السياسية من جانب الحكومة المؤقتة ومن القائمة بأعمال رئيس الدولة ومن جانب زعماء الأحزاب والمنظمات والجمعيات الأهلية والمدنية – رأيت أن هذه الإرادة كانت الدافع الأول والرئيسي لبناء دولة متحضرة تتسلح بدستور علماني وبنظام دولة عصري من أجل القضاء على الفساد الذي استشرى في كل مفاصلها. فقد غرقت قيرغيزيا في الفساد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 حيث محاولات التوريث وتهريب المخدرات وإهدار موارد الدولة وحكم الأسر والقبائل. بل وحاول الرئيس باكييف بعد الإطاحة به إشعال نار الفتنة العرقية بين القيرغيز والأوزوبيك في مدينتي "أوش" و"جلال أباد". ولكن تم إخمادها على الفور بمجرد القضاء على الخلايا النائمة والطوابير الخامسة التابعة للنظام البائد. هذا جانب من التجربة القيرغيزية. لكن يبدو أن العقلية الأبوية التي يدير بها الكهنة أمور البلاد والعباد أصبحت لا ترى أن العالم تغير وأن مصر تغيرت. تلك العقلية المحافظة أو الرجعية لا يمكنها أن تعترف بقوة الشباب وبعلمه وقدرته على الإدارة. العقليات الكهنوتية المتحجرة ترفض التنازل عن فكرة السن والمسنين الحكماء الذين يعرفون كل شيء، بينما الشباب "الطائش" مجرد "عيال"، وأن البلاد ليست مستعدة لهذا القدر من الحرية والديمقراطية، وعلينا أن نحمد الله أننا بكل خير واستطعنا أن نحصل على بعض المكتسبات. الوجه الآخر لهذه العقلية هو التآمر والحماقة وقصر النظر. فالكثيرون من أصحاب تلك العقلية الكهنوتية المشعوذة يرون أنهم الأصلح ويرون أن من حقهم الحصول على فرصتهم في سن السبعين والخامسة والسبعين. لم يكفهم أن النظام البائد دمر 3 أو 4 أجيال! الكلام عن الحرية والديمقراطية سهل وبسيط ومغر، وخاصة لأصحاب العقليات المتحجرة والكهنوتية والمشعوذة سواء في الأحزاب السياسية أو غير السياسية أو من هم في السلطة الحالية أو البائدة. الكل يتغنى أو "يغني علينا" بالديمقراطية والحرية. إنهم مازالوا يغنون ويتغنون وهم لا يعرفون إلى الآن أننا نمر إلى جوارهما وقد نمر دون أن ننتبه لنعود إلى مربع الصفر. الحرية، منظومة كاملة لا تتجزأ. وإذا تجزأت انقلبت إلى الضد. والديمقراطية كذلك أيضا لا ينفع معها ترقيع أو تفتيت أو تدريج. إننا على المحك الآن: إما أن ننتزع الحرية الكاملة ونبني الديمقراطية أو نعود مجددا إلى مستنقع الاستبداد والقمع والجهل. إما أن نضع دستورا علمانيا جديدا وكاملا مبني على المواطنة وفصل الدين عن الدولة وتفعيل كل البنود والمواد والقوانين المتعلقة بالحريات الشخصية في المأكل والملبس والاعتقاد وكذلك الحريات العامة والمدنية أو نعود إلى العصور الوسطى لنمزق نسيج الأمة الواحدة بالتمييز في الهويات الشخصية وشغل مناصب الدولة وحرمان المصريين من أداء الخدمة العسكرية مقابل ما يسمونه بالجزية وتشكيل لجان "على أرفع مستوى" للتكفير الرسمي بحكم دساتير القرون الوسطى وعقلياتها وممارساتها. بأي حق وبأي تخويل يمكن للمصري أن يستبعد المصري أو يقصيه؟ بأي حق وبأي تخويل ومن أية جهة يمكن للمصري أن يحرم على المصري خدمة الوطن أو ارتداء ما يراه مناسبا لذوقه ورغبته وراحته؟ بأي وجه حق وبأي ضمير يقوم المصري بتشكيل لجنة لتكفير المصري؟ كل من في مصر هو مصري. وكل مصري يمتلك كل الحقوق لدخول المسجد أو الكنيسة أو غيرهما. لا أحد يملك مفاتيح الكنائس والجوامع ودور العبادة الأخرى. لكن مفاتيح الوطن في يد كل منا. وضمير الأمة المصرية ذات النسيج الواحد موزع علينا بالتساوي.هكذا يكون استفتاء 19 مارس باطلا لأنه مبني على باطل. ولا حديث عنما قد يسفر عنه من نتائج حتى ولو صوت المصريون بنعم على دستور لقيط وباطل منذ عام 1981.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل