المحتوى الرئيسى

ثورة مضادة.. للنظام السابق والآتى

03/16 09:46

بقلم: محمد محمود الإمام 16 مارس 2011 09:33:47 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; ثورة مضادة.. للنظام السابق والآتى   حينما تحركت الطليعة الشبابية فى الخامس والعشرين من يناير فى تظاهرة سلمية، ارتعدت فرائص النظام الذى لم تكن انقضت سوى أيام قلائل على الانتصار الكاسح الذى افتعله بتزييف أصوات الشعب، استغلها فى التباهى بسجل وهمى لإنجازات ادعاها، وفى الانشغال بتداعيات جريمة كنيسة القديسين الشنعاء التى تشير الدلائل إلى أنها من صنع يديه، وفى حوار غوغائى حول المرشح للرئاسة هل هو جمال أو أبوه. ظن فى البداية أن الانتفاضة هى من قبيل الحركات الاحتجاجية التى يتركها للزمن.. مطبقين الحكمة القائلة «خليهم يتسلوا». غير أن زحف الشعب وراء طليعته فى يوم الجمعة، أثبت أن القضية لم تعد احتجاجا طائفيا ولا فئويا، بل هى صوت الصامتين الذين ارتضوا كرها الصمت طيلة ثلاثين عاما عجافا، ينذر بتسونامى كاسحة لا تستطيع المؤسسات الزائفة لها ردا.واعتمد رد الفعل ثلاث آليات تشير كلها إلى أن النظام استشعر قبل الثائرين أنه لا يمكنه الصمود طويلا. الأولى هى الأسلوب المعتاد: إطلاق يد البطش لتسقط أبرياء عزل مضرجين بدمائهم الطاهرة، ظنا أن المنادين بالسلمية لن يحتملوا العواقب فيفروا من الميدان كالجرذان على حد تعبير أخ النظام القذافى. ولكن خاب فأله، فلجأ إلى الآلية الثانية وهى التمهيد لحدوث ما هدد به رئيسه وهو أن ذهاب النظام يعنى الفوضى الهدامة، بعد أن كان قد أعلن رفضه لمقولة وزير الخارجية الأمريكية بجدوى الفوضى الخلاقة، وذلك بانسحاب الأمن فى اللحظة التى تعظم فيها الحاجة إليه. ولم يكن الانسحاب كاملا، بل أغلقت المواقع الرسمية وتركت دون حراسة، وأطلقت فى الوقت نفسه أيدى البلطجية وهم اليد الفاعلة فى تثبيت أركان الفساد ودعم آليات التزوير، ما هو تابع مباشرة لجهاز الأمن، أو ما يعمل فى خدمة العناصر التى تشكل جسد النظام والتى تشرف على، وتستفيد من، استشراء الفساد واغتصاب موارد الدولة وحقوق مواطنيها. ورغم ما ترتب على ذلك من أضرار، فإنه وضع الغالبية الشريفة كلها فى خندق واحد ضد النظام القائم. فجاء هذا ليفيق المتفرجون على الثورة فيجدوا أنفسهم فى لحظة واحدة فى الشارع معها، ويدركوا أن الأمر ليس مجرد احتجاج على النظام، بل ثورة عليه قامت ويجب أن تبقى. وإلى هنا يمكن القول إن زبانية النظام من القاعدة إلى القمة، خيل إليهم أن ما يترتب على انسحاب الأمن من ترويع للشعب، سوف يدفعه إلى الاستنجاد بهم ليعيدوا الأمن المفقود وينقذوا البلاد من الفوضى الهدامة. وهكذا يعود النظام بطلب من الشعب، كصيغة مبتكرة للتزوير، مشددا قبضته حرصا على الأمن المفقود. ويمكّنه هذا من القضاء على القلة المندسة التى كانت السبب فى إشاعة الفوضى، لتكون عبرة لمن يجرؤ على الاحتجاج.الآلية الثالثة تحتاج إلى وقفة متأنية إذا تناولناها من منظور الهدف الأساسى وهو إعادة النظام السابق إلى الموقع الذى تأكد أنه سيفقده، وذلك بعملية ممنهجة لإطلاق سراح المساجين بفئاتهم الثلاث: المسجونين ظلما وما أكثرهم، والمسجونين لجرائم اقترفوها وهم خطرون على أمن المواطنين كافة، والمسجونين لقضايا تمس أمن الدولة من رعايا دول أخرى، بل وتسهيل عودتهم إلى مواطنهم خلال ساعات قلائل. فإذا صح أنهم كانوا مصدر تهديد لأمن الدولة وليس أعداء للنظام ذاته، فسيعاودوا تهديد هذا الأمن أيا كان النظام القائم. إن تفسير هذا الوضع هو أحد اثنين: الأول هو أن النظام تأكدت لديه استحالة استمراره وتعذر عودته فأراد أن يلقى الألغام أمام من يخلفه، والثانى أنه كان يقدر أنه لو قضى السفلة على الثورة فسوف يكون بوسعه استعادة السيطرة بأساليب أشد بطشا. ولكن ما حدث كشف أن النظام لم يكن كلا متماسكا، بل عصابة تتطاحن فيما بينها وتتحد معا ضد الشعب وثواره، ممثلة بما كان يعبر عنه مجازا بحرس قديم يحافظ على الولاء للأب وآخر جديد يصنع رئيسا أكثر قدرة على البقاء بيولوجيا، وأشد تقديرا للفساد بالخبرة المكتسبة. وإذا كانت عودة النظام برعاية الأب هى الخطوة الأولى فى رحلة العودة، فإن أمامنا أحد احتمالين: الأول أن كل ما تم كان بقرار منه استجاب له وزير داخليته، ومن ثم يطلق يد هذا الوزير إذا ما استقرت له السيطرة ليعيد الأمور إلى نصابها، وهو ما يستدعى ابتكار وسائل قمعية جديدة لا تخلو جعبته منها. الاحتمال الثانى أن وزير الداخلية استشعر غضب رئيسه عليه لتقصيره فى قمع الثورة فى مهدها، فرتب مع معاونيه مسرحية تجبر الرئيس على إبقائه فى موقعه ليمكنه من استعادة الإمساك بزمام الأمور.وعندما اتضح أن الشعب أبى أن يحدث هذا أو ذاك، باتت كل عصابة تبحث عن مخرج، فكان أبشعها هو معركة الجمل. وأكد هذا فساد مقولة استعادة الاستقرار بإعادة النظام، حيث إن النظام كان متداعيا بالفعل، ولو قدر له أن يعود لشاهدنا سلسلة تصفيات تزيد من معاناة الشعب. ولا يعنى هذا مجرد عودة النظام بشخوصه، بل وبهياكله ومؤسساته وسياساته. ويشير مسلسل الأحداث التى تجمعت لتصب فى خانة الثورة المضادة، إلى أن فلول النظام قد أطلقتها عليه ذاته، حتى ولو أعيد إلى سابق عهده، لأن جميع المطالب التى استثيرت تتعارض جذريا مع الأسس التى قام عليها، وهو ما يثبت أنه يعادى الشعب بمختلف أطيافه، حتى ذاته. فإذا سلمنا بأنه قام على قلة من رجال الأعمال استولت على السلطة، فإن أكثر الفئات تضررا من تجمّع تلك المطالب فى لحظة واحدة هى تلك الفئة بالذات، ومن بعدها الشعب كله.إن النظام السابق قد أحدث، كما أشرنا مرارا وتكرارا، تفسخا اجتماعيا، ذهبت فيه مختلف فئات الشعب بعضها لبعض عدوا. لقد وصلنا إلى وضع لم يسقط فيه نظام الدولة، بل تداعت مقومات الدولة ذاتها، وأسهمت الطليعة الشبابية فى خلق نقطة انطلاق نحو التوافق الاجتماعى واحترام حقوق المواطنين أيا كان وضعهم الاجتماعى، وهو ما يمهد لبناء نظام ديمقراطى، لا يسمح فقط باحترام حرية التعبير عن الرأى، بل وبتوفير الآليات لكى يكون الرأى مبنيا على تحليل فكرى، وليس انفعالا تحركه مقولة ظاهرها البراءة وباطنها الكيد الدنىء، والمشاهد أن هذا يحتاج لجهد كبير فى ظل شيوع ثقافة التأثيم التى ترجح الخيانة على الأمانة، وتقدم الشك على الثقة، والحكم سلفا أن المصالح الخاصة لن تتحقق بالسعى لتكريس الصالح العام وكأن هذا الأخير سيظل، كما كان فى النظام الساقط، ملكا للحاكم بالاقتصاص من المحكومين. إن موجات الاحتجاج لمطالب فئوية فضلا عن تعارضها ذاتيا لأنها تحقق خسائر على المواقع القادرة على تلبية مطالبها حاليا وعلى الدوام، تنطلق من منطق يدفع الأطفال إلى التزاحم كل منهم يقول: «أنا أولا ومن بعدى الطوفان». وتسبب فى الأحداث الطائفية الأخيرة التى أوقعت ضحايا بلا جريرة، كون الذين تأخذهم الحمية للدفاع عما يرونه ماسا بدينهم لم يرجعوا إلى قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين».لا يجب أن نمضى وقتا فى جدال حول بناء مؤسسات ديمقراطية قبل أن نتشبع بروحها التى تقضى ألا يفرض آخر رأيه بتهديد المواطنين وتعطيل مصالحهم وإيذاء مصالح الوطن بالصياح فى الشوارع وتعطيل الحركة لقضاء الأعمال.. وإلا ما كانت الثورة ولما كانت سلمية حضارية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل