المحتوى الرئيسى

خطاب من الماضى

03/16 08:20

أحياناً تفاجئك الحياة بشىء غير متوقع. تُربكك، تُحيّرك، تُثير شجونك. خذ عندك هذا الصباح الشتائى المشمس. استيقظت مبكرا كالعصافير، وبدا لى اليوم طويلا ممتدا. شمس الشتاء تفرش دنانيرها على الطرقات والأرصفة، والباعة يستقبلون الصباح بوجوه رائقة. وقتها راق لى أن أتجول فى قلب المدينة على غير هدى، وقد أفعمتنى بهجة الحياة. جذبنى مشهد الكتب القديمة تفترش الرصيف، شرعت أستعرض أسماءها. لى غرام بالكتب القديمة التى تفوح منها رائحة السنين، أفضلها على النسخ الجديدة اللامعة، أحب أن أضع يدى على غلاف تداولته عشرات الأيدى من قبلى، وأمرّ بعينى على كلمات قرأتها عيون، عيون سعيدة وعيون حزينة، عيون جميلة وعيون كحيلة. شعور غريب ينقل لى خلجات القلوب التى دقت بسرعة وهى تقرؤه، فأشعر بأننى فى قلب الكون، متصل مع أشقائى البشر، عشت أكثر من حياة. اشتريت كتاباً قديماً راق لى، مشيت وأنا أتصفحه، رواية عاطفية لكاتب لم أسمع عنه. اعتصر قلبى وأنا أرى هذا الكاتب المغمور بعين الخيال يكتب بعصارة قلبه هذه الصفحات. لابد أنه شرب الكثير من الشاى، لابد أنه سهر الليالى، وانتظر المجد القادم عند صدور الكتاب. لابد أنه حلم بتنهدات العذارى ونظرات الإعجاب. ترى أين هو الآن؟ هيكل عظمى فى باطن الأرض، هو والعذارى اللواتى حلم بهن. باطل الأباطيل. الكل باطل. النهر ينتهى إلى البحر، والبحر ليس بملآن، وإذا قبضت يدك لن تجد فى يدك إلا هواء ودخاناً.                                      ■ ■ ■ تنهدت فى شجن، ونفضت بسرعة هذه الخواطر المحزنة. فجأة وقعت ورقة مطوية من منتصف الكتاب، قرأت الخطاب فى ثوان، ثم أعدت قراءته فى تمهل، حينما استوعبت ما فيه انتصب شعر ساعدى، وشعرت بدوار مفاجئ، فجلست على حافة الرصيف. الخطاب مُوجّه إلى شخص يُدعى محمود، مكتوب بخط نسائى صغير. مُوقّع باسم نادية، كتبت اسمها بعناية، وكأنها تُسجله للتاريخ. الخطاب مؤرخ فى أكتوبر عام 1954، يحتوى على تفاصيل عديدة لا يفهمها إلا أبطالها، يبدو أنه تقدم لخطبتها، ويبدو أن أباها رفض، وهى تؤكد له أنها ستنتظره، وتطلب منه أن يثق بحبها، واستحلفته أن يفعل من أجل ارتباطهما المستحيل. هذا ما فهمته من مجمل الخطاب الذى لم أستوعب معظمه، لكن الواضح أن المرأة كانت عاشقة، وأنها ذرفت دموعاً كثيرة على هذا الخطاب. تنهدت فى شجون. آه أيها الحب! تشعلنا بالشمس، تغرقنا بالشهد، تزرعنا بين النجوم. ثم إذا جد الجد تركتنا نهوى من فوق سبع سموات.                                      ■ ■ ■ أمسكت بالخطاب وقد انقلبت دولة باطنى. يا الله! خطاب مكتوب من عام 54، تُرى هل وصل إليه الخطاب أم لم يصل؟ هل فعل المستحيل كى يظفر بها، وهل رفقت بهما الأيام؟. وأين تُراهما الآن؟ زوجان سعيدان ينعمان بشيخوخة دافئة، أم عجوزان يحنّان لأيامهما الخالية، أم هياكل عظمية تحت التراب؟. كلها أسئلة لا أعرف أجوبتها، علمها عند علّام الغيوب. aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل