المحتوى الرئيسى

يوميات الاخبارصــعود وانحــــدار النشـــو

03/15 23:21

‮>‬‮ ‬وبسبب ظلم وفساد النشو لم يبق‮ ‬في مصر إلا باكٍ‮ ‬أو صائح أو نائح‮ ‬‮>‬مع استقرار بنية الفساد يصبح لها منظومة وقوانين،‮ ‬معظمها‮ ‬غير مكتوب،‮ ‬والقليل منها يطوع القوانين القائمة بالفعل،‮ ‬ومع شخصنة الدولة يفتح الباب امام الافاقين والمغامرين،‮ ‬ومن يعملون في خدمة المافيا الدولية،‮ ‬خلال العقود الاربعة الماضية عرفنا اسماء صعد اصحابها من المجهول إلي الصدارة‮.. ‬بعضهم عن طريق المصاهرة،‮ ‬اي ان النساء كن الوسيلة،‮ ‬وللامير المؤرخ ابن تعزي بردي كتيب صغير توجد نسخة منه في دار الكتب،‮ ‬وللاسف لا استطيع نشر عنوانه حتي لا اخدش الحياء العام،‮ ‬انه يحصي باختصار اسماء الذين حازوا الثروة واعتلوا المناصب نتيجة الزواج والمصاهرة والنسب أو العلاقات‮ ‬غير المشروعة،‮ ‬اي ان المرأة كانت هي الوسيلة،‮ ‬باستثناءات قليلة،‮ ‬اذكر منها علي سبيل المثال الحاج محمود العربي،‮ ‬وآل ساويرس،‮ ‬وهؤلاء نعرف اولهم وبالتالي آخرهم‮. ‬فإن معظم اثرياء الانفتاح جاءوا من المجهول،‮ ‬كونوا ثروات رهيبة لانهم اصبحوا في موقع القرب،‮ ‬وبعضهم ذو صلة وثيقة بالمافيا الدولية،‮ ‬صعود كل منهم يحتاج إلي روايات تنتمي إلي مذهب اللامعقول‮. ‬انني استعيد هنا مثالا من العصر المملوكي،‮ ‬وقد كتبت هذه التفاصيل وانا اعد لكتابة‮ »‬الزيني بركات‮« ‬في نهاية الستينيات،‮ ‬انها قصة صعود وانحدار شرف الدين بن عبدالوهاب النشو،‮ ‬فلنتأملها جيدا‮.‬النشويفصلنا عن شرف الدين عبدالوهاب النشو سبعة قرون هجرية،‮ ‬مات الرجل منذ زمن بعيد،‮ ‬ولكنه مازال يسعي بيننا هذا ما تقوله سيرته وأفعاله،‮ ‬وما تقوله سيرة وأفعال الكثيرين ممن يعيشون حولنا الآن‮.‬والنشو لم يكن بطلا من ابطال التاريخ،‮ ‬انما كان رجلا عاديا،‮ ‬بدأ حياته بخدمة الامراء في زمن السلطان الناصر ابن محمد بن قلاوون،‮ ‬كان‮  ‬مستخدما عند ابن هلال الدولة شاد الدواوين،‮ ‬وكان يتردد عليه كثيرا ويبالغ‮ ‬في خدمته،‮ ‬واستخدمه ابن هلال الدولة في الاشغال،‮ ‬وأثناء ذلك تزوج الامير انوك ابن السلطان من ابنة الامير بكتمر الساقي،‮ ‬وبدأ السلطان يفكر في شخص بعينه لخدمة ابنه،‮ ‬ولابد انه فكر في النشو،‮ ‬كان النشو قد وقف بين يديه أكثر من مرة،‮ ‬وتحدث اليه،‮ ‬وعندما كان يتكلم إلي السلطان كان يركز كل حواسه،‮ ‬ومواهبه حرصا علي ان يترك أثرا في نفس السلطان،‮ ‬في صفر سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة هجرية،‮ ‬التحق النشو بخدمة الامير انوك،‮ ‬وكان هذا أول صعوده‮.‬أصبح النشو قريبا من السلطان بحكم موقعه الجديد،‮ ‬وصار يتردد كثيرا علي القلعة،‮ ‬يخلو إلي السلطان،‮ ‬ويحادثه في امور الدولة،‮ ‬ويبدي‮: ‬الحرص البالغ‮ ‬علي اموال السلطان،‮ ‬ومصالحه وسير العمل في الدواوين،‮ ‬وفي أثناء ابدائه بالحرص،‮ ‬كان يرمي عبارات هنا وهناك في حديثه في البداية كان يلفظها بحذر،‮ ‬ثم لاحظ ان اذني السلطان مصغيتان اليه فزاد‮  ‬من الدس والوقيعة،‮ ‬وكان مظهره يساعده،‮ ‬انه طويل القامة،‮ ‬مليح الوجه حلو التقاطيع،‮ ‬بريء السمات،‮ ‬اثر كلامه في نفس السلطان حتي بات مقتنعا ان النشو بحرصه عليه يمكنه ان يحصل له مالا كثيرا،‮ ‬فاصدر مرسوما بأن يتولي النشو نظارة الخاص،‮ ‬أي يكون مسئولا عن اموال السلطان وممتلكاته،‮ ‬وهذه وظيفة مهمة جدا،‮ ‬ولكن النشو لم يهدأ ولم يتوقف اخذ يتحدث إلي السلطان عن اولاد موظف كبير اسمه التاج اسحق،‮ ‬راح يحدثه عن الاموال التي جمعوها بالباطل،‮ ‬وكرههم له،‮ ‬وكان أحد هذين الولدين قد تولي وظيفته في نفس اليوم الذي عين فيه النشو ناظرا للخاص،‮ ‬وهو شرف الدين موسي،‮ ‬لم يمض الا عشرون يوما فقط،‮ ‬وعمل كلام النشو عمله في السلطان،‮ ‬فأصدر مرسوما بعزل شرف الدين موسي من نظر الجيش،‮ ‬وأمر بالقبض عليه،‮ ‬وعلي شقيقه،‮ ‬ومصادرة ثروتهما،‮ ‬وكان اسلوب السلطان الناصر قلاوون‮ ‬غريبا في ضرب موظفيه،‮ ‬لقد استدعي ابن هلال الدولة،‮ ‬واسر اليه ان يمضي ليحاصر بيوت اولاد التاج اسحق بمجرد دخول الامراء البلاط،‮ ‬وبالفعل دخل الامراء،‮ ‬وكبار موظفي الدولة‮ - ‬وبينهم شرف الدين موسي‮ - ‬الي السلطان،‮ ‬عندئذ التفت السلطان إلي القضاة وأخذ في الثناء علي شرف الدين،‮ ‬وقال في آخر كلامه‮:‬‮»‬انا رأيت هذا وعملته كاتبي‮«‬في هذه اللحظة بالذات كان الجنود يحيطون بيته،‮ ‬وبيت شقيقه،‮ ‬وعندما خرج من البلاط،‮ ‬واتجه إلي مقر وظيفته،‮ ‬كانت العيون تحيطه بالرهبة،‮ ‬ألم يثن عليه السلطان علنا،‮ ‬ولكنه ما ان جلس بديوان الجيش حتي بلغه ان الحوطة قد وقعت علي بيته،‮ ‬وان رسل الديوان علي باب الجيش،‮ ‬وبلغ‮ ‬الخبر أيضا إلي أخيه علم الدين،‮ ‬وفي العصر صعد ابن هلال الدولة بأوراق الحوطة‮ »‬كشوف جرد المحتويات‮« ‬وهي تشتمل علي اشياء كثيرة جدا،‮ ‬منها علي سبيل المثال،‮ ‬اربعمائة سروال لزوجة علم الدين،‮ ‬امر السلطان بتسليم الاخوين إلي ابن هلال الدولة للتحقيق معهما،‮ ‬والتوصل إلي الثروات المخفية،‮ ‬واحضرت آلات التعذيب،‮ ‬من اسواط ومعاصير وسئل موسي عن صندوق ذكر انه اخذه من تركة ابيه،‮ ‬فيه من الجواهر والذهب ما يبلغ‮ ‬مائة الف دينار،‮ ‬وكان النشو قد افضي الي السلطان بوجود هذا الصندوق،‮ ‬فأنكر ذلك،‮ ‬وأقسم الايمان المغلظة،‮ ‬فرق له ابن هلال الدولة ولم يعذبه،‮ ‬وهنا استنكر النشو ذلك،‮ ‬وأخذ علي ابن هلال الدولة هذه الرقة،‮ ‬مع ان الرجل هو أول من استخدمه،‮ ‬وهو ولي نعمته،‮ ‬واضطر ابن هلال الدولة الي التضييق علي موسي لينتزع منه كل ما لديه،‮ ‬ان النشو الآن لا يقيم وزنا لابن هلال الدولة،‮ ‬انه يتحدث إلي السلطان رأسا،‮ ‬والكلام يخرج من فمه الي اذني السلطان رأسا،‮ ‬كما انه لم يكن يدع فرصة الا ويظهر فيها اخلاصه وولاءه عند‮  ‬عودة السلطان من الحج،‮ ‬تولي النشو الاشراف علي مظاهر الاحتفال،‮ ‬خرج الناس للقاء الناصر،‮ ‬وغلقت الدكاكين والاسواق،‮ ‬وجمع النشو من الامراء الابسطة،‮ ‬والمنسوجات الحريرية الثمينة المشغولة بالذهب،‮ ‬وبسطها فوق الارض امام القلعة،‮ ‬وحتي مقعد السلطان،‮ ‬وتمضي الايام،‮ ‬ونفوذ النشو يقوي،‮ ‬ويتزايد،‮ ‬يقول المقريزي في كتابه السلوك لمعرفة دول الملوك‮: »‬وفي هذا الشهر كثرت مصادرات النشو للناس،‮ ‬فأقام من شهد علي التاج اسحق انه تسلم من المكين صندوقا فيه ذهب وزمرد وجوهر مثمن،‮ ‬فرسم لابن الحسني بعقوبة موسي بن التاج اسحق حتي يحضر الصندوق،‮ ‬وطلب النشو ولاة الاعمال وألزمهم بحمل المال،‮ ‬وبعث اخاه لكشف الدواليب بالصعيد وتتبع مواشي ابن التاج اسحق،‮ ‬فقدم قنغلي والي البهنسا وقشتمر والي الغربية وفخر الدين اياس متولي المنوفية وعدة من المباشرين فتسلمهم ابن هلال الدولة ليستخلص منهم الاموال‮.‬كان النشو اذا اضطهد شخصا فإنه يتتبعه حتي يدمره تماما،‮ ‬ويتتبع أي‮  ‬إنسان يمت إليه‮.. ‬هكذا فعل مع موسي بن التاج اسحق‮.‬يستعين بالأشخاصذوي السمعة السيئة والأشراربدأ النشو يعتمد علي أقاربه،‮ ‬وأرسل‮ ‬أخاه واسمه المخلص إلي الصعيد في مهمة،‮ ‬عاد منها ليقدم اليه تقريرا عن ثروات مباشري الوجه القبلي،‮ ‬وطلع النشو إلي السلطان،‮ ‬راح يفريه بهم جميعا،‮ ‬ويتحدث عن اتلافهم مال السلطان،‮ ‬وهنا صدر مرسوم بالحوطة علي جميع مباشري الوجه القبلي،‮ ‬واعتقالهم،‮ ‬وطلب النشو تجار القاهرة ومصر،‮ ‬وطرح عليهم عدة اصناف من الخشب والجوخ والقماش،‮ ‬بثلاثة أمثال قيمتها،‮ ‬كان يبيع بضائع السلطان بأسعار مرتفعة جدا،‮ ‬وهكذا يحصل له علي اموال طائلة،‮ ‬في الوقت الذي بدأ هو بتكوين ثروته ولكن في حذر شديد،‮ ‬وكان السلطان الناصر يصدر أحيانا بعض المراسيم التي تتسم بالخير،‮ ‬وهكذا اصدر مرسوما بمسامحة الامراء في الاموال المدينين بها للديوان،‮ ‬ولكن النشو لم ينفذ هذا المرسوم،‮ ‬وألزم مباشري الامراء بتسديد هذه الاموال،‮ ‬وركب الي السلطان،‮ ‬واوضح له قيمة الاموال التي يمكن ان تضيع نتيجة لهذه المسامحة،‮ ‬وان مال السلطان يضيع ويتبدد،‮ ‬وان الدواوين تسرق بحجة مسامحة الامراء،‮ ‬وتأثر السلطان بما سمعه،‮ ‬ومكن النشو من عمل ما يختاره،‮ ‬والا يسامح أحدا بشيء مما عليه للديوان،‮ ‬وشق ذلك علي بعض الامراء،‮ ‬فراجع الامير قوصون السلطان،‮ ‬ولكنه لم يجبه إلي شيء عندئذ كف الامراء عن السؤال،‮ ‬وعظم النشو في أعين الناس واستعان النشو بالاشخاص ذوي السمعة السيئة،‮ ‬استدعي الشمس بن الازرق وكان ظلوما‮ ‬غشوما،‮ ‬فكتب له اسماء ارباب الاموال من التجار،‮ ‬وفرض عليهم قماشا بثلاثة أمثال قيمته‮. ‬يقول المقريزي‮: »‬وعمت مضرة النشو الناس جميعا،‮ ‬وانتهي اليه عدة من الاشرار،‮ ‬ونموا علي الكافة من اهل الوجه القبلي والوجه البحري،‮ ‬ودلوه علي من عنده شيء من الجواري المولدات لشغف السلطان بهن،‮ ‬فحملت اليه عدة منهن بطلبهن من اربابهن،‮ ‬وسعوا عنده بأرباب الاموال أيضا،‮ ‬فدهي الناس منه بلاء عظيم‮«.‬وبين الحين والآخر،‮  ‬كبار رجال الدولة يفضون بشكواهم إلي السلطان،‮ ‬ولكنه كان ينهرهم،‮ ‬ويبدي الثقة بالنشو،‮ ‬واذن له في عمل ما يختاره،‮ ‬وان يتصرف في امور الدولة كما يشاء وألا يبالي بأحد،‮ ‬ووعده بتقوية يده،‮ ‬وتمكينه ومنع من يعارضه،‮ ‬بل ان السلطان استدعي اخوة النشو واقاربه،‮ ‬وعينهم عند كبار الامراء،‮ ‬فجعل المخلص أخ النشو مباشرا عند الامير سيف الدين الناق،‮ ‬واستخدم أخاه رزق الله عند الامير ملكتمر الحجازي،‮ ‬واستخدم صهره ولي الدولة عند الامير ارغون شاه،‮ ‬وخلع عليهم‮.‬انبسطت يد‮  ‬النشو،‮ ‬واشتدت وطأته واستدار ليضرب أول شخص أحسن اليه،‮ ‬وكان بداية صعوده التفت إلي ابن هلال الدولة نفسه‮.‬ابن هلال الدولةيلزم بيته بتدبير من النشوأخذ النشو في التدبير علي ابن هلال الدولة،‮ ‬رتب عليه انه اخذ من مال السلطان جملة،‮ ‬وانه اهمل في المحافظة علي أمور السلطان،‮ ‬وانه بسببه ضاع مال كثير،‮ ‬وانتدب لتحقيق ذلك ثلاثة،‮ ‬امين الدولة بن قرموط المستوفي،‮ ‬والشمس بن الازرق ناظر الجهات،‮ ‬وشخص ثالث اسمه لؤلؤ الحلبي،‮ ‬وحدد يوم للمواجهة،‮ ‬بالطبع رتب النشو كل كبيرة وصغيرة،‮ ‬انعقد المجلس في القلعة،‮ ‬وفي البداية برز قرموط،‮ ‬وواجه ابن هلال الدولة بأنه اهمل الامور،‮ ‬وبرطل‮ »‬رشا‮« ‬بالاموال،‮ ‬ولم يستمع السلطان الي الباقين،‮ ‬بل امر ابن هلال الدولة ان يلزم بيته،‮ ‬وعين شخصا آخر بدلا منه في وظيفته،‮ ‬وامر بدر الدين لؤلؤ الحلبي باستخلاص الاموال،‮ ‬قبض علي ابن هلال الدولة،‮ ‬وصودرت أمواله،‮ ‬وهكذا اجهز النشو علي ولي نعمته،‮ ‬والذي كان وجوده يذكره بأيام الزمن القديم عندما كان موظفا صغيرا في خدمته‮. ‬ثم اختار النشو شخصا قاسيا،‮ ‬غتيتا،‮ ‬هو ايدكين الادكش لولاية القاهرة،‮ ‬وبدأ نشاطه بمهاجمة البيوت،‮ ‬ومصادرة الأموال،‮ ‬وصار يتنكر في الليل ويمشي في ازقة القاهرة،‮ ‬فإذا سمع صوت‮ ‬غناء أو شم رائحة خمر هاجم المكان وأخذ من أهله أموالا طائلة طبقا لاحوالهم،‮ ‬وكان النشو يوجهه،‮ ‬وينفذ اغراضه من خلاله،‮ ‬ولما تزايد أمر ايدكين‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل