المحتوى الرئيسى
worldcup2018

عندما يسيطر الخوف بقلم:آمال أبو خديجة

03/15 22:46

عندما يسيطر الخوف إنك تعتصر ألما وقهرا، عندما تسير على الطرقات متنقلا ما بين أراضي الضفة الغربية والتي يعيش عليها أكثر الفلسطينيين بعد نكبة 48، تمتع ناظريك بجمال الطبيعة التي تزينت بأشجار اللوز والزيتون لمناطق الجنوب، وتزداد حلتها جمالا إن توجهت لشمالها، حيث أشجار البرتقال والفاكهة المتنوعة، ولكن القلق يراودك وأنت تلاحظ تغير معالم الطبيعة لكثير من الأماكن، فترى أن أشجار اللوز والزيتون قد اختفى منها الكثير، كأن الأمر فيه اختفاء لتاريخ هذه الأرض ومن زرعوها، فتأخذك الأبصار لترمق ما يعتلي الجبال، وما يستقر في الوديان من مزروعات، تلونت بألوان صناعية لا تترك في النفس أثرا إلا الخوف واليأس، فمن زرع تلك البنايات في وسط عيشنا ووجودنا، فأصبحت جذورها ثابتة عصّي على الإنسان قطعها، إنها المستوطنات التي مُلئت بقطعانها المشتتين من بقاع الأرض، ليحاطوا بمراكز عسكرية توفر الحماية والرعاية لهم، وتحيط بخاصرة كل مدينه أو قرية فلسطينية لتشد خناقها عليها، وتمتد زاحفة للوصول إلى قلبها، وما يزيد القلب ألما وحسرة، أننا ما عدنا نتمتع بقليل من الأمن على الطرقات، لنعيش حياة فيها بعض من استقرار، فالطرقات ازدحمت بمركبات لها أرقام خاصة، وتنتمي إلى شعب آخر غير شعبنا، مركبات ختمت بعلم بني صهيون ونجمتها المزعومة، فإن حاولت البحث عن مركبة ذات لوحة فلسطينية، فلا تستطيع الإمساك بواحدة منها، إلا بعد مرور أعداد كثيرة من تلك اللوحات الخاصة بهؤلاء المستوطنين، فإن تلفت يمينا ويسارا وأنت تقود سيارتك، لعلك تأخذ نسيما عبقا من رائحة أزهار اللوز، فتقع عينك قسرا لتجبرك على قراءة ألفاظ لمسميات بلدات جديدة، قد حُرفت مسمياتها لتلفظها بالعبرية، وإلى جانبها محطات لوقوف حافلات نقلهم، زرعت على حواف مداخل تلك البلدات، قد ازدحمت بقطعان المستوطنين، يصطفون طوابير متنقلين إلى وجهاتهم المتعددة، متمتعين بالثقة والأمن، والذي بدأنا نحن نُحرم منه، وما عاد حقا لنا، فتأخذك دهشة غريبة تصيبك باضطراب في داخلك، لا تدري من قلب الموازين، ومن غير الأوضاع، ولعلك تلعن نفسك لأنك غافل عما يدور من حولك، وتحاور النفس قائلا هل فات الأوان، وما عاد لنا وطن نرسم به أحلامنا، كما العالم كله يرسم أحلامه، هل نعتذر منك فلسطين على بطئنا في المسير أو ارتجافنا . ما اكتفى الصهاينة بأخذ أرض فلسطين على ساحلها الجميل، فالآن قد بدأت معالم أخرى منها تضيع ، هل هو ضعفنا والهوان الذي أصابنا، والنوم القهري الذي سيطر علينا فأمرضنا، وما عدنا نقدر على الشفاء منه ، هل نتدارك ما وصل إليه حالنا، ونعلن ثورتنا، قبل أن يكون من الاستحالة علينا، أن نجد أرضاً يحيا عليها أطفالنا والأجيال من بعدنا، ألا نعيد النظر بحالنا، ونعترف بالخطر العظيم الذي يحيط بنا ويقيدنا، ألا نراجع حساباتنا ونعلن توحدنا وإنهاء خلافاتنا، لنعيد التخطيط معا لمسيرتنا، وإلا سيأكل الندم كل واحد فينا، عندما لا ينفع الندم، ولن يصلح ما أخذه الزمان منا، بل لعل فلسطين ستملنا، فتلفظنا من داخل جسدها، وستبحث عمن يحفظ لها كرامتها، ويصد عنها ذوبانها وانصهارها، أو لعلها ستقبل بالواقع الجديد الذي يرسمه لها عدوها. فإن كنا اليوم نقدر على القليل بالتنقل ما بين أرضنا ومدننا، فنحن لا نضمن ولا نأمل أن يستمر ذلك الحق لنا، ومن الممكن أن نكون مع الزمن المنتظر لنا، متنقلين كسكارى تائهين، أو نصبح متهمين كمجرمين فارين من عدالة القانون، لأننا نسير في أرض ليست أرضنا، ولا نملك جنسيتها، و نحن غير شرعيين بالوجود عليها، والسير فيه اعتداءٌ على حق أهلها المزيفين بالوجود، والذي أقرت به مجالس الأمن الدولية، وأثبته الفيتو الأمريكي . فما بالنا اليوم وقد أصبحنا غير الذي كنا عليه بالأمس، وما سجله لنا تاريخنا ونضالنا، حيث كانت الشجاعة والإقدام عنوانا، ووحدة الصف وحب البذل والتضحية وصالنا، فما لنا اليوم نرتجف خوفا كلما سرنا على طرقاتنا، نسير وأكفنا على قلوبنا، ونحاول إخفاء وجودنا، ودون النظر لما يدور حولنا، خوفا أن تبصر عيوننا أحد قطعان المستوطنين المتربصين بنا على الطرقات، فيصيبنا الأذى منه ببعض حجارته أو بندقيته، فبدأنا نرفع عداد سرعة مركباتنا، وكل همنا النجاح في قطع الطريق دون أذى أو مساس، بل أصبحنا نفكر مئات المرات قبل الخروج من مدينتنا أو قريتنا، ونسمع الكثير من تحذير الأهل والأصحاب من عدم المخاطرة بالخروج على الطرقات، فأصبحنا نحسب حسابا طويلا لهؤلاء الذين كانوا بالأمس جبناء يخافوننا . فنحن اليوم لا نعيش إلا على أوهام رسمتها لنا آمالنا المستوردة، فكلما تنازلنا واستسلمنا بعيدا عن حق وجودنا، كلما زادت أعداد قطعان المستوطنين وطغيانهم علينا، فهم يصطفون أسراب سوداء كأنها غرابيب الموت، تتهيأ للهجوم والانقضاض على فرائسها، يرسمون لنا خطوط للرعب والتهديد بالفناء، وما يؤلم القلب ويعصره، عندما نتذكر ما كان بالأمس من حال هؤلاء وحالنا، وما أصبحنا عليه وما هم عليه، فكنا منذ سنوات ليست بعيدة عنا، نحن من نصطف على طرقات أرضنا، لنعلن الرفض لوجود هؤلاء القطعان الغزاة، فكنا نزرع الخوف والرعب في قلوبهم، فلا يقدرون على التنقل بأمان على أرضنا وبين طرقاتنا، فكانت الشجاعة والعزة مسيرنا، فلم يعرف الخوف والجبن لنا طعما، ولم نذق إلا طعم الكرامة والعيش العزيز، ولم نهاب الموت لأجل هويتنا وعقيدتنا، وكان الخوف يملئ قلوب هؤلاء الصهاينة من المستوطنين، بل وصل الحال لكثير منهم أن يفر هاربا من السكن في تلك المستوطنات والبنايات التي زرعت على أرضنا، وشوهت وجودنا وتراثنا، فكان بفراره يقر معترفا أنه لا حق له بالوجود على هذه الأرض، فهي غريبة عنه ولا تنتمي إليه، فيكون هائما مضطربا لا يرى النور لمستقبله المجهول في هذا الوطن المزعوم ، فما لنا اليوم قد سيطر علينا هذا الخوف، وتبدل الحال وما عدنا نرجو ونحلم إلا البقاء على القليل مما تبقى من أرضنا، فهل أصبنا بالممل من التضحيات، وهل استسلمنا لواقعنا وما يفرضه علينا الاحتلال من الظلم والقهر، هل فقدنا قوتنا وطاقتنا، وما عاد همنا إلا النوم لنستيقظ مع الصباح سالمين، لما فرغت قلوبنا من الشجاعة على مواجهة هؤلاء القطعان الغاصبين، لما أصبحنا غرباء عن أرضنا ووطننا، لما أصبحنا لا نشعر بأن لنا وطن، ونحن نتنقل بين الطرقات ، فلا نرى إلا ملامح صهيونية في كل مكان، تنتشر على قمم الجبال والوديان، لما تغيرت هويتنا عن تلك الأرض، وشُوهت المعالم لتوضع عليها معالم غريبة عنها، فأصبح الاغتراب عن الوطن يلازمنا، فهل يُسرق الوطن أمام أعيننا، ولا نجد من يقطع يد سارقها، أم أصبحنا باعتيادنا على رؤية ذلك الواقع، وتلك الملامح، مقتنعين بداخل وعيننا بحق الصهيونية بالوجود على أرض فلسطين، وأن هؤلاء القطعان هم أهلها الأصلين، ونؤكد لهم أننا تخلينا عن مُلكها، فاعترفنا بقاعدة أن الوجود فقط يكون للأقوى، هل أصبحنا لا نريد من الحياة إلا الحماية والأمن على أرواحنا، خوفا من اعتداءات المستوطنين وذخائرهم، أين قوتنا وشجاعتنا عندما كنا لا نخاف شيئا إلا الله، فعشقنا الموت لأجل الفداء، فخرج الجميع على الطرقات، لنعلن رفضنا لوجودهم بيننا، واحتلالهم لكل أملاكنا، هل أصبحنا يد عون لهؤلاء المستوطنين للاستمرار والعلو في طغيانهم وتدميرهم لنا ، وذلك لطول صمتنا وخوفنا، هل حَصرنا حقنا في داخل المدن والقرى فقط، وما سواها ليس في حساباتنا، فأصبح ذلك حجة وفريسة سهلة للصهاينة للاستيلاء عليها، هل استسلمنا لقيام حلمهم الكبير وقيام دولتهم، وتخلينا عن قيام دولتنا، هل تخلينا عن الأرض لتكون هبه لهؤلاء المحتلين، لنسأل أنفسنا، ونراجع حساباتنا، ما الذي جعلنا ضعفاء خائفين، وجعل القوة والشجاعة مع هؤلاء القطعان المستوطنين، وأمد لهم في العلو والطغيان، وسمح لهم أن يسرحوا ويمرحوا ويعتدوا كما يشاءون، دون أن يردعهم شيء، أو يصدهم أي صاد، فلعل الخلل فينا قبل أن يكون فيهم، فأين من ملأت قلوبهم بالأمس شجاعة، ورفض للظلم والعدوان، فهل سيكون في زمن الثورات العربية لهؤلاء المستوطنين ثورات على وجودنا، لإسقاط حق وجودنا،وقد أعلنوا عن يوم غضب لهم، فمن الأحق والأولى بذلك الغضب وتلك الثورات، فهل سنقر لهم ونخلي لهم الطرقات، صارخين أننا قد اعترفنا بكم، وأنكم أنتم الأحق والأولى بهذه الأرض، بل أنتم أصحابها الأصلين، وما نحن إلا دخلاء عليكم، فعذرا لكم عل تطفلنا على أرضكم، فنحن ضعفاء لا نقدر على حمايتها . هل هذا ما نريد أن نقنع به أنفسنا، فإن كان كذلك لنبحث عن وطن أخر، لأننا ما عدنا نشعر بالانتماء، وما عادت فلسطين تنتظر منا أن نموت ونضحي لأجلها، فقد تغيرت معالمها وطمست هويتها، واليوم بدأت تتزين بهوية وثقافة أخرى، وتلبس ثياب غير ثيابها، وتظهر عليها ثقافة غير ثقافتها، وهي مقيدة أسيرة، تنتظر أبناءها الذين أرضعتهم من ترابها، كي تنهض هممهم وليدافعوا عن كرامتها وعزتها، ولكن الخوف أن يطول انتظارها، عندها فلن تجد مفرا إلا لتعترف بمن سيطر عليها، وترتدي لباسا ليس بمقاسها، وليس من ألوانها المفضلة عندها، وتحمل هوية ليست هويتها، ولغتا ليست لغتها، وثقافة صنعت لها، لتقبلها قهرا، ولعلها مع طول الأيام وبُعدها، ستقتنع بها، وتنسى أبنائها، وتمسح ذاكرتها معهم، لتبدأ مع ذكريات أخرى لا تريد حفظها. فكفانا انشغالا في صراعات لا تأتي علينا إلا بالمزيد من الويلات، كفانا تدميرا وتخريبا لأنفسنا، وطول انقسامنا، وضياع لمستقبل أطفالنا، فلنستيقظ قبل فوات الأوان، فيضيع منا كل شيء ، ولا نجد مكانا للعيش عليه، ففي الوقت الذي أشغلنا به أنفسنا في صراعاتنا المريرة، انشغل الصهاينة والمستوطنين في الاستيلاء على المزيد والمزيد من الأرض، وانتشار المستوطنات التي أحاطت بنا كجدار موت يخنقنا من كل جانب، ونحن نغلق أعيننا فلا نبصر، ونصم أذاننا فلا نسمع، فأصبحنا غرباء عن أرضنا، وانشغلنا بالرقص على أنغام أحلامنا الميتة، التي ما أتت لنا إلا بالضياع لمزيد من حقوقنا، فهل سنستيقظ يوما بعد نوم عميق، فلا نجد معالمنا، ولا أثر من ماضينا، ولا أملا لمستقبلنا، وتكون الأرض كلها زرعت بأعجاز الصهاينة، ورممت بناياتهم من عظام أجسادنا . آمال أبو خديجة 15-3-2011

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل