المحتوى الرئيسى

إشكالية التدخُّل العسكري الدولي بقلم: جواد البشيتي

03/15 20:22

إشكالية التدخُّل العسكري الدولي جواد البشيتي تحدِّيات ومشكلات جديدة وعلى درجة عالية من الأهمية والخطورة تطرحها وتثيرها موجة الثورات العربية؛ ولا بدَّ، من ثمَّ، من مواجهتها والتعامل معها بطرائق وأساليب جديدة. ولعل أبرزها وأخطرها الآن هو كيفية تدخُّل المجتمع الدولي، أو الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، لحماية المدنيين في ليبيا من جرائم بشعة وكثيرة يرتكبها في حقِّهم نظام حكم العقيد معمر القذافي، وعبر كتائبه الأمنية على وجه الخصوص، والتي هي قوى مسلَّحة تسليحاً حديثاً، ومنظَّمة جيِّداً، وذات امتيازات تجعلها في ولاء مطلق للعقيد وأبنائه وأقربائه، وعلى استعداد تام لفعل كل ما تُؤمَر به ضد ثورة الشعب الليبي. إنَّ الواجب النظري والأخلاقي والإنساني للمجتمع الدولي الذي تمثِّله الأمم المتحدة هو اتِّخاذ كل ما يلزم من إجراءات وتدابير عملية (منها التدخُّل العسكري الدولي) لحماية المدنيين العزَّل من جرائم كالجرائم التي يرتكبها نظام حكم القذافي (المنفصل تماماً عن الشعب والمعزول والمكروه شعبياً) في حقِّ المدنيين الليبيين الثائرين عليه، والمحتضنين لثورة السابع عشر من فبراير. والمعايير التي تُوْجِب تدخُّلاً دولياً من هذا القبيل تشمل استخدام (والإفراط في استخدام) نظام الحكم (المعزول شعبياً) في قمعه للمدنيين وسائل من قبيل الذخيرة الحية، والمدافع والدبابات والمدرعات وسلاحي الجو والبحر، وأسلحة محرَّمة دولياً كالأسلحة الكيميائية، ومنع الغذاء والدواء والوقود من الوصول إلى السكَّان توصُّلاً إلى إخضاعهم، مع تسبُّب استخدام هذه الأسلحة والوسائل بقتل وموت (وجرح) المئات والآلاف من المدنيين العزَّل. الآن، تتَّجِه النيَّة، ولو في ظاهر المواقف الإعلامية والدبلوماسية لقوى دولية وإقليمية، إلى استصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يُفْرَض بموجبه حظراً عسكرياً دولياً على استخدام نظام حكم القذافي لسلاحه الجوي في ضرب المدنيين والثوَّار، ويُجرِّده، من ثمَّ، من أهم الأسلحة والوسائل التي يستخدمها في ارتكاب جرائمه في حق الشعب الليبي. ووسائل هذا الحظر تشمل كل وسيلة عسكرية أو تكنولوجية من شأنها إصابة سلاح الجو الليبي بالعجز عن القيام بأي عمل عسكري ضدَّ المدنيين والثوَّار، على ألاَّ يكون من عدادها نشر قوى عسكرية دولية أو أجنبية في أيِّ جزء من الأراضي الليبية، ومهما كانت الدواعي والذرائع، فقيادة الثورة الليبية أعلنت وأكَّدت، غير مرَّة، أنَّها لن تطلب، ولن تؤيِّد، هذا النوع من التدخُّل العسكري الدولي، في أيِّ حال أو ظرف. وربَّما لا يُسْتثْنى من تلك الوسائل توجيه ضربات عسكرية من الجو والبحر إلى القواعد الجوية وأسلحة الدفاع الجوي الليبية، وإلى بعض المواقع ذات الأهمية لعمل الطيران الحربي الليبي. هذا الشكل من التَّدخُل العسكري الدولي (الضروري أخلاقياً وإنسانياً) والذي تمارسه وتقوده قوى غربية في مقدَّمها الولايات المتحدة، سيخلق، مع الأسباب الموجبة له، إشكالية دولية كبرى، نقف على بعضٍ من أبعادها وجوانبها، إذا ما افترضنا أنَّ عدوى الثورات العربية قد انتقلت إلى دولة كالصين، فلجأت حكومتها إلى قمعها، وقمع المدنيين العزَّل، بوسائل وأساليب مشابهة لتلك التي استخدمها نظام حكم العقيد القذافي؛ فهل يواجه المجتمع الدولي، أو الأمم المتحدة، "الأزمة الصينية" كما واجه من قبل "الأزمة الليبية"، ويقيم منطقة حظر جوِّي هناك، أمْ يعود إلى سياسة الكيل بمكيالين، أو المعايير المزدوجة، معتبراً أنَّ ما يجوز ليبيَّاً لا يجوز صينياً، وأنَّ "الفيتو" الصيني قد منع مجلس الأمن الدولي من استصدار قرار في هذا الشأن؟! "الهدف"، وعلى ما بدا واضحاً، في قرار وزراء خارجية الدول العربية، هو "حماية المدنيين (الليبيين العزَّل)"؛ لكنَّ المخاطر العسكرية لنظام حكم القذافي يمكن أنْ تظل محدقة بالمدنيين الليبيين على الرغم من إخراج سلاح الجو الليبي من المعركة، فإنَّ تفوُّق "الكتائب الأمنية" في قوَّة النيران (المدافع والصواريخ والدبابات والمدرعات) قد يسمح لها بارتكاب مزيد من الجرائم نفسها في حق الشعب الليبي وثورته؛ وهذا إنَّما يعني، إذا ما أراد المجتمع الدولي العمل من أجل الهدف نفسه، أنْ تصبح تلك الأسلحة والقوى العسكرية عرضة لضربات عسكرية دولية من بُعْد، أي من الجوِّ والبحر. هذه الإشكالية الدولية تقترن بإشكالية أخرى لا تقل أهمية أو خطورة؛ فإنَّ لجوء الأمم المتحدة إلى وسائل وأساليب تُظْهِر من خلالها وتؤكِّد عجزها عن فعل أي شيء من شأنه حماية المدنيين الليبيين العزَّل قد يغري أنظمة حكم عربية أخرى مهدَّدة بالسقوط باستخدام الوسائل والأساليب القذَّافية في قمع ثورات شعوبها عليها، فنظام حكم العقيد القذافي كما نراه الآن في قمعه لشعبه يمكن أن يتكرَّر في أنظمة حكم عربية أخرى، منفصلة عن شعوبها ومجتمعاتها، وتملك من قوى القمع والإرهاب الموالية لها ولاءً مطلقاً ما يزيِّن لها الدفاع عن وجودها في الطريقة القذَّافية، ومهما كانت العواقب المترتبة على اللجوء إلى هذه الطريقة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل