المحتوى الرئيسى

نسوة على الطريق....(1) بقلم:الخمالي بدر الدين

03/15 19:20

مظهرها البدوي و لباسها البسيط ، لم يكن له أدنى اعتبار لدي بعدما شب حريقها في القلب من أول نظرة ، تأملتها في عجل الغير مكترث لوجودها في بداية الأمر، كان لجسدها المكتنز الملفوف في جلابيها الريفية أثراً واضحا في شدي لها واحتراقي الهادئ ، إمراءة بكل معنى ، أنوثتها تقاوم ظلم الدهر وتنتصر عليه ،...التفت إليها فإذا بنظرتها الولهى وابتسامتها تنزعني نزعا من عالم الفوضى ، وتقذف بي بعيدا في بحور حسنها ، بدأت أنظر إليها هذه المرة بثقة ، أتأمل كل تفصيلة في وجهها الشمسي ، عيناها بهما بريق النجوم في سماء البادية الصافية ، حاجبيها الدقيقين ورمشيها يأخذانك إلى حدائق الغرب وغاباته ، المعمورة...كذلك يسمونها هناك ...لاحظت نظراتي فبدأت تخفي وجهها بأطراف خمارها المنسدل على كتفيها في ضحك وخجل ، وشوشت صديقتها ، ضحكتا ثم سترتا وجهيهما ، اقتربت منها ، صمتت والابتسامة تعلو وجهها ...سألتها ما اسمك فردت بسرعة من كان يتوقع السؤال ...رحمة....من أي البلاد أنت يا رحمة ؟ من الغرب ....ردت صديقتها من سيدي يحيي ونحن ذاهبات للعمل في حقول الشمال ...ذاهبات كم بكن ؟ ...نحن أربعة ؟ هناك اثنتين أخريين ......هناك...أشارت بأصبعها نحوهما كانتا كبيرتين في السن قليلا ...في نهاية الأربعينيات من العمر كن ينتظرن سيارة الأجرة الكبيرة ....أربعة وأنا الخامس لا ينقصنا سوى مسافر واحد لننطلق....بدأ منادي سيارات الأجرة يصيح ....مكان واحد. ... واحد..... أتى شاب في العشرينيات من عمره نظرت إليه باستغراب........كان يلبس نظارة شمسية في الليل ...ضحكت في سخرية ....كان يمسك علبة سجائر أجنبية في يده ...يظهر كذلك من شكله أنه من عمال الشمندر .... دفعنا للمنادي ثمن الأجرة ثم أردنا الصعود....قفزت رحمة بجانبي في المقعد الأمامي ...فيما حشر الأخريات مع ذلك الشاب في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة كان السائق رجلا في الستين من عمره …الشيب كسا لحيته المتوسطة الطول، تفوح منه رائحة المسك، يضع طاقية على رأسه، يبدو من مظهره الالتزام........ما أن انطلقت سيارة الأجرة حتى شممنا رائحة دخان السجائر، ماذا أحدهم يدخن التفت إلى الخلف فإذا بإحدى الفتيات الأكبر سنا تدخن وتنفث أنفاسها بكل أريحية...أوقف السائق السيارة، نظر إليها في غضب قائلا... أبلغت بك الجرأة أن تدخني في السيارة أيتها الساقطة...والله لتبتين في الحبس هذه الليلة....أدار السيارة واتجه رأسا نحو قسم الشرطة . أوقف السيارة أمام الباب الرئيسي واتجه مسرعا نحو الشرطي الواقف بالباب تحدث معه قليلا ثم دخل إلى القسم...عاد بعد دقيقتين صحبة شرطيين ، طلبوا منا أن نخرج جميعا من السيارة ، أدخلونا إلى بهو به عدة مكاتب مغلقة الأبواب باستثناء مكتب واحد كتب عليه مكتب ضابط المداومة خرج الضابط، تفحص الفتيات جيداً، ثم صاح فيهن …من المدخنة ؟ طأطأن رؤوسهن ، فيما قفز صاحب سيارة الأجرة هي هذه سيدي ....مشيراً إليها......فأدخلها الضابط إلى مكتبه، فيما علت وجوهنا الابتسامة وانفلتت بعض الضحكات، نظرت فإذا بعض رجال الأمن يقهقهون في ركن من بهو المركز تقدم أحدهم نحو رحمة وقد وضع في فمه سيجارة ، مد يده ليلمسها فاختبأت ورائي ، تراجع قليلا ثم قال لا أريد سوى ولاعة ، ألا تدخنين ...مقهقها لم ترد رحمة عليه ......فالتفت إلي بجدية ألا أجد معك ولاعة ....فأجبت لا فأنا لا أدخن....ضرب كفا بكف !...ما هذا الزمان....الرجال لا يدخنون... ! فيما الفتيات يدخن....سبحان الله ثم سمعنا صراخ الضابط .....وهو يجري تحقيقه مع المدخنة اسم أبيك.......اسم أمك ......عنوانك......... إلى أين تقصدين.......إلى البوغاز أليس كذلك !؟ تريدين الهجرة السرية إلى إسبانيا المدخنة : لا لا ياسيدي ...أنا عاملة زراعية فقط ....أجني البطاطا وأنا ذاهبة إلى العوامرة الضابط : آه البطاطا أم الحشيش يا مدخنة الحشيش المدخنة : لا لم يكن حشيشا ياسيدي بل مجرد سيجارة منحني إياها أحد الركاب ماذا تردين علي ........اليوم سأجعلك تندمين على البطاطا و أخواتها ؟ سأجعلك تدخنين أوراق المهملات بدلا عن السجائر....! خرج الضابط إلينا ، من الذي أعطاها السجائر ....رفع ذلك الشاب يده في ارتعاش كمن طلب منه الاستسلام بعد معركة خاسرة صاح الضابط أين العلبة ؟ ...فأخرجها الشاب من جيبه ومنحه إياها، تفحصها الضابط وهو يبتسم، ثم نظر إلى الشاب ضاحكا ! أنت تدخن هذا النوع ثم نظر إلي، وأنت ! قلت أنا ماذا ! هل كنت معهم ، قلت نعم ، قال أتلك هي من كانت تدخن، قلت لا أعلم يا سيدي فأنا كنت بالمقعد الأمامي لم أرى من أشعل السيجارة ولكنني شممت رائحة الدخان... حسننا حسننا........يكفي قضية فارغة ومضيعة وقت ، أخذ صاحب سيارة الأجرة من ذراعه ، أما كان أحرى بك أن تنهي المشكلة بشكل ودي دون أن تزعجنا هل تظن أن أمور تافهة مثل هاته من اختصاصنا ؟ لم يبقى لنا سوى هذا ! التدخين…….. ألا ترى المصائب التي تنزل على رؤوسنا ؟ ألا تعلم حجم انشغالنا ؟ اغرب عن وجهي لا أريد أن أراك هنا.... هم صاحب سيارة الأجرة بالخروج من المركز، فصحت فيه......ألن توصلنا، التفت إلي قائلا، أنت نعم أما الباقين فلا، قلت على الأقل أعد لهم الأجرة أو أعدهم إلى المحطة. قال الضابط نعم أعدهم إلى المحطة ، و احذر أن تعود مرة أخرى إلى هنا ........ ثم صاح في المدخنة ...اغربي عن وجهي……. ...............

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل