المحتوى الرئيسى

العمود الفقرى للدولة

03/15 08:16

فى زيارة لى سياحية لإحدى القرى الألمانية منذ سنوات توقفت عند منزل قديم جميل يرجع تاريخه لمائة وخمسين سنة ماضية ويخص إحدى الأسر، وحافظ أصحابه على رونقه بالصيانة والعناية المستمرة والمقررة قانوناً، حسب قانون الإدارة المحلية هناك، وإلى جوار المنزل بُنى مبنى صغير ملحق على نفس شاكلة المنزل الأول، وقيل لنا إن عمره سنتان فقط، وقد ألزم القانون أصحابه بالحصول على (توافق مجتمعى) على بنائه من سكان المنطقة حتى لا يزاحم المبانى الأخرى أو يسىء إلى الشكل العام للمكان، ويفرض القانون هذا التوافق المجتمعى أيضاً على حجم المبنى وارتفاعه ولونه، ويشترط ألا يتناقض مع ما حوله بأى حال من الأحوال، ومن هنا كان هذا الجمال والتنسيق والانسجام الذى يسود المكان كله، ويعتبر قاعدة لا يمكن الخروج عليها؟ تذكرت ذلك المثال ونحن الآن فى مصر لا نضع قاعدة لشكل قرية أو مدينة أو مبنى ولكن لوطن بأكمله، نحن الآن نعرض على جموع المواطنين تعديلاً وتغييراً أساسياً فى قوام الدولة وركنها الأصلى وهو الدستور، وأسأل: ألا يستحق هذا الدستور، وهو عماد الدولة وقانونها الأول وعمودها الفقرى، أن يتحقق هذا التوافق المجتمعى حوله قبل إقرار مواده المعدلة حتى لو كانت مؤقتة؟ تقول الأنباء إن هناك متابعة من جانب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بما يقال فيما يخص مناقشة المواد المعدلة من قبل أساتذة القانون الدستورى والشخصيات العامة والمواطنين فى الصحافة وفى القنوات التليفزيونية الفضائية لتبين اتجاهات جموع الناس تجاه هذه التعديلات، وهذا اتجاه طيب ويعود السؤال مرة أخرى: ألم تدل هذه المناقشات القائمة حتى الآن والآراء التى طرحت مستندة إلى قواعد قانونية ثابتة الدلالة والحجة، وإلى استدلالات سياسية غاية فى العمق وإلى آراء واقعية جماهيرية تستوعب تماماً الواقع المجتمعى فى مصر، الذى هو نتاج الثلاثين سنة من التهميش والإبعاد والإقصاء المتعمد للجماهير عن العملية السياسية ألا يكفى كل ذلك لتبين اتجاهات الرأى العام فى مصر لرفض هذه التعديلات والمطالبة بدستور جديد للبلاد يتفق مع واقع، مازال فى طور التكوين نتيجته ثورة الخامس والعشرين من يناير، والتى يعبر شبابها عن تطلعاتهم المشروعة والواجبة فى واقع سياسى أفضل يؤسس قواعده دستور جديد يجدون من خلاله مكاناً لهم كطرف أساسى فى الحياة السياسية فى مصر؟ التوجهات العامة للناس فى مصر تشير إلى رفض التعديلات والمطالبة بدستور جديد، كما يشير استطلاع أخير لمركز معلومات مجلس الوزراء المصرى، بأن ما يقرب من 60% من الشعب المصرى يرفض التعديل ويطلب التغيير، والإخوان المسلمون فقط هم من أيد هذا التعديل المؤقت وهم منظمون ومسيسون ويمكن لهم، من خلال هذا التنظيم، ومن خلال أصوات الأغلبية الصامتة فى مصر التى أربكتها التفسيرات والتحليلات القانونية الصعبة والمعقدة فيما يتعلق بالمواد المطروحة للاستفتاء، يمكنهم تحقيق نسبة لا بأس بها فى اتجاه الموافقة عليها. واليوم ومازالت ثلاثة أيام باقية على موعد الاستفتاء، هل نعتبر المسألة منتهية؟ أم نأمل أن يكون هذا التوافق المجتمعى الواعى وهذا الرفض المبرر لمبدأ التعديل كافياً لإعادة النظر فى إجراء الاستفتاء فى موعده المقرر قبل أن نكلف ما يقرب من 43 ألف لجنة فرعية ومثلها عدد من رجال القضاء، وأربعين مليون مواطن بالتوجه إلى صناديقه؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل