المحتوى الرئيسى

اختناق الفلسطينيين في المستنقع السياسي العربي الاستبدادي بقلم:ا. عزالدين ناصر نصار

03/14 22:16

ان الغضب الذي يرتسم على ملامح المواطنين العرب، في شوارع العواصم العربية، بخطوط عابسة وألوان داكنة، تعبيرا عن الوجع المعيشي والرفض السياسي بدرجات متفاوتة، ولكنها تسير في نفس الاتجاه، تتأوه ضجرا، وتزفر نفاذ صبر، الى ان تأتي ساعة التغيير التي يجري العمل على استحضارها. فماذا جرى في بلاد العرب؟ وما الذي دهى أمة العرب؟ إنه الاستبداد المزمن، الذي سمّرنا في مسار آخر، بعيدا عن عصر النهضة بلغته وثقافته، وعن السياسة بثوراتها الاميركية «١٧٧٦» والفرنسية «١٧٨٩»، وعن الاصلاح في أقطار اخرى، مما قطع شباك الاستبداد في تلك الامكنة، واطلق الحرية للأفراد، والديمقراطية للجماعات. ففي نهاية القرن التاسع عشر، لم نكن ورثة امبراطورية ولا صانعي حضارة، وانما كنا أمة مهملة، بجوعها وجهلها، تحت السقف التركي الآيل للسقوط، في انتظار ان نصبح هباء متناثرا في جنبات العالم، وصفحات متآكلة في سفر التاريخ. كان الحكام العثمانيون، ورجال الادارة الحكومية لا ينتمون الى المنطقة التي يحكمونها، ولا يجيدون اللغة العربية، ولا يمكثون فترات طويلة في مواقعهم مما لا يوفر لهم الفرصة لاقامة علاقة مع عامة الناس من الرعايا العرب. وكانت مهمتهم الاساسية هي المحافظة على السيطرة التركية العسكرية على المناطق التي يحكمونها. لم يكن في امكان الأتراك، لقلة عددهم بالنسبة لعدد السكان، فرض سيطرتهم عليهم بشكل تام. لذلك برز دور الاعيان من وجهاء المجتمع المحلي ليقوموا بدور الوسطاء بين أصحاب الحكم وأهل البلاد. وكان الاعيان من اصحاب المواقع الدينية، ورؤساء العائلات الكبيرة، وملاك الأرض الزراعية في الريف. كان الأعيان في وساطتهم بين السلطة العثمانية والسكان العرب يتوخون الحذر، حتى لا يشك الشعب في أنهم عملاء للسلطة وفي نفس الوقت لا يجابهون الاتراك بالتحدي حتى لا يخاطروا بفقدان مكانتهم. من هنا نشأت ثقافة «الواسطة» في كافة المجتمعات العربية، قلّت ام كثرت، وعلى مستوى الأماكن على اختلاف حجمها صغرت كالقرية ام كبرت كالمدينة. وفي ظل مثل هذا النظام يتم الترابط بين المواطن والسلطة عبر الوسيط، على أساس العلاقة الشخصية خارج أطر الانضباط لقواعد تشريعية محددة. في مثل هذا المناخ السياسي، تكون العلاقة بين الاعيان والاهالي عرضة للتغيير والتبديل بين الاطراف، تبعا لتغيّر المصالح وللتنافس بين الجماعات المختلفة، وان ظلت الرابطة القبلية بين الفرد والجماعة تشكل صمام الأمن للطرفين، في خضم التنافس والنزاع بين الجماعات المختلفة. قبل ان نغوص في احوالنا على غير هدى، فاننا نريد النظر في احوال غيرنا من الناس، لان الحقيقة المحسوسة والملموسة اكثر دقة وصدقا من السفسطة الكلامية. ان المستنقع السياسي العربي الذي نتحدث عنه، والذي بلغ ضغطه علينا حدّ الاختناق يتمثل اليوم في النظام السياسي الاستبدادي الموروث، والذي تتبدّل اسماؤه، ولكنه يتناسخ بمواصفاته الاساسية كما هي. اجتمع مجلس جامعة الدول العربية في عاليه - لبنان، بين ٧ و ١٢ تشرين الاول ١٩٤٧، للبحث في موضوع انسحاب بريطانيا من فلسطين، وتوصية لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين UNSCOP بتقسيم فلسطين، في ذلك الاجتماع، حذّر اللواء اسماعيل صفوت باشا، العضو البارز في اللجنة الفنية التابعة للجامعة العربية، ورئيس اركان الجيش العراقي السابق، من ان لدى الصهيونيين مؤسسات سياسية، وعسكرية، وادارية، ومنظمات على درجة عالية من الكفاءة، وان باستطاعتهم قذف عشرين ألف جندي كاملي التسليح والتدريب فوراً في ميدان القتال، وباستطاعتهم كذلك، الاعتماد على ٤٠ الفاً من جنود الاحتياط، وعلى الكثير من اليهود المتطوعين من اوروبا واميركا، ولديهم خطوط اتصالات جيدة ومستعمرات في غاية التحصين بالاضافة لكل ذلك لديهم قوات مغاوير متحركة، وصناعة عسكرية، وليس لدى الفلسطينيين. شيء مقابل ذلك. قرر الزعماء العرب في مؤتمر عالية، اقامة معسكر لتدريب الشباب الفلسطينيين على الحدود السورية، فوجهت الحكومة البريطانية مذكرة الى الحكومات العربية تستنكر فيها هذا العمل وتعتبره عملاً عدائياً موجهاً الى مصالح بريطانيا في فلسطين، فماتت الخطة في مهدها. في كانون الاول ١٩٤٧، عينت الجامعة العربية اللواء طه الهاشمي الرئيس السابق لهيئة اركان الجيش العراقي، ورئيس سابق للوزراء للاشراف على تجنيد ثلاثة آلاف متطوع من غير الفلسطينيين، بقيادة اللبناني فوزي القاوقجي، ومنع المال والسلاح عن المناضلين الفلسطينيين (جيش الجهاد المقدس) بقيادة عبد القادر الحسيني. رفض القاوقجي ارسال النجدة التي طلبها عبد القادر الحسيني عندما ضيق عليه جيش الهاجاناه الخناق بـ ١٥٠٠ جندي في معركة القسطل، والتي استشهد فيها عبد القادر الحسيني وسقطت القسطل، وسيطر اليهود على طريق القدس - تل ابيب في ٨/ ٤/ ١٩٤٨. يصف احد ضباط الجيش البارزين من الذين شاركوا في حرب فلسطين ١٩٤٨ افراد جيش القاوقجي، الذين خصتهم الجامعة العربية بالمال والسلاح بأنهم كانت تنقصهم الروح المعنوية العالية، اذ كانت غالبيتهم من العمال المتعطلين الذين ضاقت بهم سبل العيش في بلادهم، ووجدوا في التطوع في جيش القاوقجي فرصة سانحة للكسب، فما كادوا يدخلون الاراضي الفلسطينية حتى تعددت حوادثق السلب والنهب، والتهجم على الاعراض والمتاجر، (كامل الشريف ص ٣٦). مع ان الفلسطينيين كانوا في حالة يرثى لها من الضعف منقسمين على انفسهم وبلا قيادة موحدة بسبب التجاذبات العربية، الا ان التصدعات الكبرى داخل جامعة الدول العربية، هي التي كانت تعمل ضد مصالح الفلسطينيين، لم يكن للشعب الفلسطيني ولا للحاج امين الحسيني، اي نفوذ على جامعة الدول العربية، فقد كانت الجامعة منظمة متسيبة، تخضع حكوماتها للهيمنة البريطانية. من حيث واقعها على الساحة القومية، كانت القوى العربية منقسمة على نفسها في محورين متربصين ببعضهما البعض، وكان المحور الاول يتشكل من مصر والسعودية وسوريا ولبنان، اما المحور الثاني فكان يتشكل من النظام السياسي الهاشمي في كل من العراق والاردن، وترجع اسباب هذه العلاقات العدائية الى المنافسة والمطامع التي تولد الخصومة بين الاشقاء العرب، الذين تغافلوا عن اسرائيل، وهي ترتع وتسمن في منطقة الشرق الاوسط، وهم في غيهم يعمهون. حقيقة امرنا، امة العرب، اننا حكاماً ومحكومين غارقون في ورطة من صنع ايدينا، فقد خرجنا من بطن الحوت العثماني امة مبعثرة، ليست لها رؤى سياسية تحدد مسارها في بناء علاقاتها الدولية، ،ولا تملك قدراً من الوعي والمعرفة كافياِ لاقامة دولها، وبناء مجتمعاتها لضخ الحيوية في اوصال هذه الدول. اننا لم نتبين بعد ان انظمتنا العربية قد خرجت عن نطاق المواصفات التي ابتكرتها بريطانيا واخواتها، لتجعل منا مناطق نفوذ سياسي، وحقولاً اقتصادية، تديرها لصالحها، وتتوارثها قوى دولية متنامية اخرى. - فهل الاستبداد العربي بالشعوب العربية، توأم الاستعمار؟. بالأمس، كان قتلانا يسقطون شهداء بسلاح الاستعمار، اما اليوم فإن قتلانا يتبادلون الانتحار بأسلحة بعضهم البعض، انه عارنا المتجدد ولنضف اليه ان الاستبداد العربي انكى عسفاً، وأشد عصفاً من الاستعمار، فإن الحكام المستعمرين عندما سرقوا اموالنا لم يخفوها في جيوبهم، بل اضافوها الى خزائن دولهم..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل