المحتوى الرئيسى

ثورة مصر والخروج من دائرة التبعية بقلم:عبد العال الباقوري

03/14 21:18

عبد العال الباقوري إلى أين ستؤدي الطاقة الشعبية الثورية التي تفجرت في المنطقة؟ سؤال لم يطرحه محلل محايد. بل طرحه ميخائيل هيرتسوج العميد الاحتياط في جيش إسرائيل والعضو في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط. وفي معهد «سياسة الشعب اليهودي». وكل من المعهدين له وزن وشأن؟ .. وأجاب على الفور في صحيفة هآرتس الإسرائيلية 28 شباط/ فبراير قائلاً: «على إسرائيل أن تأخذ في الحسبان أن هذه الطاقة الموجهة حاليا نحو الداخل، ستوجه في مرحلة ما باتجاهها أيضا». ما كتبه هيرتسوج هذا يعبر عن رأي سائد في الدوائر الإسرائيلية بعامة، لدرجة أن صحفيا إسرائيلياً كبيراً هو دان مرجليث وصف عام 2011 بأنه عام ربيع الشعوب العربية، كما اعتبره «1848 العربي». و1848 هو العام الذي اجتاحت فيه الدول الأوروبية عواصف هزت عروشها وأسقطت ملوكها وحكامها. لقد كان أكثر الأعوام عاصفة في تاريخ أوروبا. في المقابل، وصف كاتب عربي مقيم في أميركا هو الدكتور كمال خلف الطويل هذا العام 2011 بأنه سيفوق في أهميته عام 1958 «كعام ثوري». لا أريد أن أقف عند هذا طويلاً، إننا أمام عام ثورة مصر، والثورة العربية بعامة. والأحداث لا تزال تجري تحت أعيننا وأبصارنا، ويبقى أن نتدبرها ببصائرنا. ويكفي أن يشار مؤقتاً أنه بعد أسبوع واحد من إعلان الرئيس حسني مبارك تنحيه عن الحكم، أقدمت أميركا على استخدام حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن ضد مشروع قرار عربي يدين الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة ويعتبره غير شرعي. وكان قرار التنحي هو ذروة الحدث الثوري الذي بدأ في ثورة 25 يناير المصرية، التي طغت منذ ذلك اليوم على كافة الأحداث في المنطقة، بل وفي العالم كله الذي عاش 18 يوماً مصرياً هزت قوائمه، وتوارت نتيجة ذلك أحداث أخرى مهمة إقليميا وعالميا. ولعل رد الفعل الأميركي على الحدث المصري، وبكل ما حفل به هذا السرد من تباينات وذبذبات أوضح بيان عن فعل وتأثير الحدث الثوري المصري الكبير الذي لم يفصح بعد عن جميع نتائجه. فهو لا يزال في لحظة تفاعل على الأصعدة كافة، داخليا وخارجياً، وإذا كان الاهتمام بالنتائج الداخلية للحدث لا يزال يطغى على الاهتمام بنتائجه الخارجية. فإن هذا لا يعني تجاهل أو إهمال هذه الأخيرة، خاصة أن الحدث الثوري المصري ارتبطت به وترتبت عليه أحداث عربية أخري مشابهة، على الرغم من أن الثورة الشعبية التونسية كانت سباقة في هذا الميدان! في هذا الإطار, فإن ثورة 25 يناير 2011 التي فتحت الباب واسعاً لتغييرات داخلية كثيرة، لا تزال تتوالى، ستمتد آثارها اليوم وغدا إقليميا ودوليا، بما في ذلك سياسة مصر الخارجية والعلاقات الخارجية العربية بعامة. بحيث يمكن أن تبدأ جميعها مسارٌ جديداً، مساراً يعبر تعبيرا حقيقياً عن وزن مصر، وأهميتها ودورها في المنطقة. ولا يكتفي برد الفعل سواء بالشجب أو الاستنكار لما يقع من غيرنا ويؤثر علينا، على مصالحنا وأمننا القومي. وإذا كان رد الفعل المصري على الفيتو الأميركي ضد المشروع العربي رد فعل مماثلاً ـ على المستوى العلني ـ لما عهدناه عبر عقود مضت،فربما وقع هذا لأن هذا الفيتو جاء في غمرة أحداث لا تزال كما سبق القول تتوالى داخلياً وخارجياً، منذ اليوم الأول في ثورة 25 يناير، وما تفجر بعدها ـ وقبلهاـ من أحداث عربية، جعلت قوى أميركية تستعيد مقولة معروفة وهي أن إسرائيل هي الصديق الوحيد المستقر في المنطقة للولايات المتحدة. وهذه القوى هي نفسها التي رددت أيضاً أن قرار الفيتو الأميركي كان تعبيراً عن سياسة داخلية أميركية بسبب ضغوط اللوبي الصهيوني والقوى الموالية له، سواء من الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري. ففي مجلس النواب الأميركي، وفي خلال ساعات معدودة تم جمع توقيعات 110 أعضاء طالبوا الإدارة الأميركية باستخدام الفيتو ضد المشروع العربي. ويضيف أصحاب هذه الرؤية أن الرئيس باراك أوباما بدأ بهذا الفيتو الاستعداد لخوض الانتخابات ـ منذ الآن ـ من أجل الفوز بفترة رئاسية ثانية!؟ ومثل هذا التصور لا ينطلي على عقل تلميذ مبتدئ في السياسة، فما بالنا ونحن نتحدث عن سياسة الدولة التي لا تزال القوة الأعظم في عالمنا. ثم أين هذا الفيتو من «المبادئ» التي بشَّر الرئيس أوباما بالسير عليها في سياسته الخارجية؟ وهذه الرؤية لها جوانب أخرى. فمن تفصيلاتها أن الرئيس الأميركي أجرى عشية التصويت في مجلس الأمن اتصالاً هاتفياً استغرق نصف ساعة كاملة مع رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس أبو مازن وعرض عليه «رزمة سياسية» مقابل سحب مشروع القرار من مجلس الأمن. وتتضمن الرزمة مجموعة إجراءات لوقف البناء في المستوطنات من ناحية، وايفاء الرئيس الأميركي بوعده بقيام دولة فلسطينية من ناحية أخرى. وهنا يعترف مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية بأن الولايات المتحدة مارست ضغطا شديداً للغاية على الدول العربية والسلطة الفلسطينية لسحب مشروع القرار قبل التصويت عليه في مجلس الأمن (صحيفة هآرتس في 18 شباط/ فبراير الماضي). وكان وراء هذه الضغوط إدراك واشنطن أنها تقف وحيدة في مجلس الأمن ضد الأربعة عشر عضواً الآخرين، بمن فيهم أوثق حلفائها، مما يعني عزلتها دوليا. وهنا تغفل الرواية الأميركية عمداً أن «الرزمة السياسية» التي عرضتها على السلطة الفلسطينية أثارت انفعالات الأوساط الأميركية المؤيدة لإسرائيل. فهل هذه الأوساط أقوى من الرئيس الأميركي نفسه؟ وإذا كانت كذلك فكيف يستطيع أن يفي بوعد إقامة الدولة الفلسطينية؟.. وهنا تثير «هآرتس» التي سبقت الإشارة إليها نقطة جديرة بالالتفات لارتباطها الوثيق بما نركز عليه. فتقول إن الموقف المتشدد -حسب تعبيرها- في رفض الدول العربية للرزمة أي الاقتراحات الأميركية «هو تعبير أولي عن تأثير الثورة في مصر والاضطرابات في الدول العربية على مواقف هذه الدول في الساحة الدولية». ثم نسبت إلى مسؤول كبير في الأمم المتحدة، لم تسمه، قوله: إن السفير المصري في المنظمة الدولية وسفراء الدول العربية يسعون إلى إثبات أنهم «لا يتجاهلون تطلعات المتظاهرين». وعلى هذا الأساس اندفع الرئيس باراك أوباما إلى استخدام أول فيتو منذ تسلمه مهام منصبه،‌ علماً بأن الفيتو الأميركي رقم 45 لحماية إسرائيل، من بين51 قراراً بالفيتو استخدمتها أميركا منذ إنشاء الأمم المتحدة إلى اليوم. ولذلك كان طبيعياً أن يسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى شكر الرئيس الأميركي، في حين حاولت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة الإدلاء بتصريح يكاد يردد كلمات المشروع العربي الذي عارضته وفوضته، ولكنها كلمات خالية من قوة وفاعلية قرار يصدر عن مجلس الأمن. دون أن يلقى اعتراض إحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة. إذن، استخدم أوباما الفيتو الأول في رئاسته ضد فلسطين. وقد جاء ذلك بعد تراجعه هو نفسه عن وعده بوقف الاستيطان الإسرائيلي وقفاً شاملاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبعد جولات اضطرت بعدها القيادة الفلسطينية إلى وقفها إلا إذا توقف الاستيطان. ولم يفعل أوباما شيئا ذا بال لفرض ذلك على إسرائيل، ولو من باب تطبيق الخطة التي حملت اسم مبعوثه جورج ميتشيل، والتي التزمت فيها إسرائيل بوقف الاستيطان وبإزالة ما يسمي «المستوطنات غير الشرعية» ولم يكن هذا يحتاج من الرئيس الأميركي إلى جهد كبير. لأن فريقاً من الإسرائيليين أنفسهم يتجاوب مع ذلك، وهناك مذكرات أصدرها مسؤولون قانونيون إسرائيليون تحدد هذا كله، وهو ما تم الانصراف عنه، منذ استعان أوباما في إدارته بعناصر معروفة بميولها الصهيونية، مثل دنيس روس الذي يكاد يكون مستشاره الأول في هذا المجال. ومع خطورة هذا الفيتو الأميركي الذي يكاد يضفي الشرعية على الاستيطان، ويكاد يكون تراجعاً كاملاً عن موقف تقليدي أميركي في هذا الشأن منذ 1967. إلا أن هذا ليس بيت القصيد ـ كما يقولون، إن هذا الفيتو يفتح في هذه الظروف و«التكرار المتعمد» يفتح ملفاً أكبر، وربما يكون الملف الأكبر والأهم في العلاقات العربية- الأميركية. إنه ملف «التبعية» التي تجد جذورها في وقت مبكر بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها تجسدت بشكل خاص في سياسة الرئيس أنور السادات ومقولته الشائعة عن أن أميركا تملك 99% من أوراق اللعبة في المنطقة. ومن المعروف أن التبعية ليست سياسية أو اقتصادية فقط، بل إنها متعددة الأشكال والميادين. فهناك تبعية ثقافية، وعلمية، وغذائية، وغير ذلك. وتذهب بعض الدراسات العلمية إلى أن هناك 107 مؤشرات للتبعية، التي تعتبر النقيض للتنمية المستقلة وبناء الذات. والتبعية العربية لأميركا التي برزت منذ سنوات حكم الرئيس السادات، تعمقت أكثر فأكثر في ظل حكم الرئيس حسني مبارك. والمرء لا يكتب هذا اليوم، بل كتبه وكرره منذ سنوات اعترافاً بأن أكبر إنجاز حققه الرئيس مبارك كان خوضه المعركة ضد الإرهاب المتستر بالدين، حيث استطاع إنقاذ مصر من السقوط في أيدي الإرهابيين. وهذه قصة طويلة، لم تكتب كاملة بعد. وفي المقابل، فإن نقطة الضعف الأساسية في سياسة مبارك هي انقياده للسقوط في حبائل التبعية الأميركية، التي قاد الوطن العربي كله إليها، وليس مصر فقط. وهي تبعية ثقيلة الوطأة ومتعددة الوجوه. ومن ثم. وفي مرحلة ما بعد مبارك، فإن أوجب الواجبات الوطنية في سياستنا الخارجية هو العمل لإنقاذ مصر من براثن التبعية الأميركية. والتبعيةـ كما هو معروف ـ أمر نسبي، فقد تزداد في فترة عن فترة أخرى، وقد تكون أكثر بروزاً في مجال عن مجال آخر. ولذلك فإن محاولة الفكاك من أسرها عملية لا تتم في يوم وليلة، بل قد تستغرق سنوات، خاصة أن أميركاـ كما قال رؤساء جهاز مخابراتهاـ تنظر إلى مصر على أنها «الجائزة الكبرى» في المنطقة، ولن تفرط فيها بسهولة، لأن التفريط فيها يعني أن «لعبة الدومينو» ستتوالى في الوطن العربي كله، وبعض أجزائه ودوله أكثر تبعية من مصر لأميركا، إذن ما العمل؟ منذ وقت قريب، وفي كانون الثاني / يناير الماضي، عرضت هنا مذكرات السفير عبدالرؤوف الريدي، وفاتني أن أورد ما ذكره عن مؤسسة مهمة دعا إلى أن تكون موجودة وقائمة، وهي مجلس الأمن القومي، وقال: إن هذا الأمن لم يعد مقتصراً الآن على الجانب الأمني أو العسكري، بل هو الآن مفهوم واسع يشمل مختلف العناصر التي تتصل بحياة المجتمع وقدرته على البقاء والحفاظ على وحدته. وقد تبينت دول كبيرة أهمية الدور الذي يقوم به مجلس الأمن القومي الذي يرأسه الرئيس ويشارك في عضويته الوزراء الذين يتصل عملهم بالأمن القومي مثل وزراء الدفاع والخارجية والداخلية والمالية وغيرها من الوزارات ورؤساء المؤسسات والأجهزة المعنية. ويجتمع هذا المجلس بصفة دورية، وكلما طرأ ما يدعو إلى اجتماعه. وفي أميركا، يخدم هذا المجلس جهاز من المتخصصين والخبراء في المجالات المختلفة ويرأسهم مستشار الرئيس للأمن القومي الذي يقود المجموعة التي تعد الدراسات والأوراق، وتكون له إمكانية الاتصال بالرئيس في أي وقت، كما يقوم بمهمة التنسيق بين الوزراء ورؤساء الأجهزة المعنية. وللمجلس إدارة للأزمات، وينشر الإستراتيجية الأميركية ويطرحها للنقاش على الرأي العام، كما يقوم بالتخطيط والتنبؤ بما ستواجهه البلاد من مشكلات تتصل بالأمن القومي في المستقبل. وفي ضوء ثورة 25 يناير الشعبية، وبعدما مررنا به من تجارب وتغييرات في شؤوننا المختلفة الداخلية والخارجية، ما أحوجنا إلى وجود مثل هذا المجلس الذي كان له تجربة قصيرة معنا، قام بها السيد حافظ إسماعيل حينما عمل مستشاراً للأمن القومي للرئيس السادات، هذه مؤسسة نحن في أشد الحاجة إليها خاصة في شؤوننا الخارجية، وعلاقاتنا الدولية، مع الأشقاء والحلفاء والأعداء.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل