المحتوى الرئيسى

> عبدالناصر لفاطمة اليوسف: أخشي أن تصبح الحرية سلعة

03/14 21:04

كانت رسالة السيدة «فاطمة اليوسف» إلي جمال عبدالناصر بتاريخ 11 مايو 1953 حديث جميع الأوساط السياسية والصحفية ليس في مصر وحدها، بل في كل أنحاء العالم العربي. وعلقت علي هذه الرسالة الخطيرة والمهمة معظم صحافة العالم العربي في ذلك الوقت نقلا عن مجلة «روزاليوسف». لقد لفت الانتباه في رسالة فاطمة اليوسف قولها لجمال عبدالناصر: إن الحرية لا يستفيد منها أبدا إلا الأحرار، والنور لا يفزع إلا الخفافيش، وقولها أيضا: إن التجربة كلها لا تحتاج إلا إلي الثقة في المصريين، وأنت أول من تجب عليه الثقة في المواطنين. كانت رسالة السيدة فاطمة اليوسف منشورة علي الصفحة الثالثة من مجلة روزاليوسف، لكن في وسط الصفحة نشر برواز صغير بداخله بضع كلمات تقول بالحرف الواحد: اطلع البكباشي جمال عبدالناصر علي هذا المقال وقد كتب عليه ردا ننشره في الصفحة التالية. والمعني الواضح تماما لهذه السطور أن جمال عبدالناصر قرأ رسالة فاطمة اليوسف قبل نشرها ومن ثم جاء رده عليها في نفس العدد! المهم كتب البكباشي جمال عبدالناصر رده علي السيدة فاطمة اليوسف، يقول: أما تحيتك فإني أشكرك عليها وأما تجربتك فإني واثق أنها تستند علي دروس الحياة، وأما تقديرك لما أبذله من جهد فإني أشعر بالعرفان لإحساسك به، وأما رأيك في أني لا أستطيع أن أفعل وحدي كل شيء فإن هذا رأيي أيضا ورأي كل زملائي من الضباط الأحرار نحن الذين قامت حركتنا علي تنظيم كامل عاشت فيه الفكرة وتوارت الأشخاص وقام كل فرد من ناحيته بأقصي ما يستطيع من جهد، وأما إني في حاجة إلي كل رأي فقد أعلنت هذا ولن أمل تكرار إعلانه ليس من أجلي وإنما من أجل مصر! وأما حاجتنا إلي الخلاف في التفاصيل قدر حاجتنا إلي الاتحاد في الغايات فأنا مؤمن به وأثق أنه من أسس الحرية الصميمة، بل من أسس النظام أيضا. وأنا أكره بطبعي كل قيد علي الحرية وأمقت بإحساسي كل حد علي الفكر خالصا لله والوطن، ودعيني ألجأ إلي تجربتك كي تبقي الحرية للبناء ويبقي الفكر لله والوطن، لا تخرج بها شهوات وأغراض ومطامع عن هذه المثل إلي انقلاب مدمر يصيب مصالح الوطن المقدسة بأبلغ الأضرار. ومضي عبدالناصر يقول في رده علي السيدة فاطمة اليوسف ما يلي: لقد قلت أنت بنفسك إنك تعلمين أني أخشي علي موقف البلاد الصلب من إطلاق الحريات خشية أن يندس بين أمواجها دعاة الهزيمة والتفكك، لقد عبرت بهذا عن جزء مما أشعر، واسمحي لي أن أضيف عليه شيئا آخر، هو أنني لا أخشي من إطلاق الحريات وإنما أخشي أن تصبح هذه الحريات كما كانت قبل 23 يوليو سلعا تباع وتشتري! ونحن لا نريد أن يشتري الحرية غيرنا، ومن يدري فقد يكون بينهم أعداء للوطن يفرقون هذا الشعب الطيب الوديع الذي استغلت طيبته واستغلت وداعته، واستغل قلبه المفتوح، وغرر به دون ما أساس سليم يصونه من التضليل، بما لا يجب أن يفرق فيه في هذه الظروف العصيبة التي تمر بالوطن! ومع ذلك فأين هي الحرية التي قيدناها؟! أنت تعلمين أن النقد مباح وأننا نطلب التوجيه والإرشاد ونلح في الطلب، بل إننا نرحب بالهجوم حتي علينا! إذا كان يقصد منه إلي صالح الوطن وإلي بناء مستقبله وليس إلي الهدم والتخريب ومجرد الإثارة، ذلك لأنني أعتقد أنه ليس بيننا من هو فوق مستوي النقد أو من هو منزه عن الخطأ. واختتم جمال عبدالناصر رده قائلا: وبعد فإني أملك أن أضع رأسي علي كفي ولكنني لا أملك أن أضع مصالح الوطن ومقدساته هذا الوضع. انتهي رد جمال عبدالناصر علي خطاب فاطمة اليوسف وكانت حرية الصحافة والنقد هي البطل في الخطابين، وهو ما دعا الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير مجلة آخر ساعة وقتها إلي كتابة مقال في آخر ساعة يوم 13 مايو أي بعد يومين فقط ـ وعلق فيه علي ما جاء في خطاب فاطمة اليوسف ورد جمال عبدالناصر وكان من أبرز وأهم ما قاله الأستاذ هيكل في مقاله هو قوله: ومن سوء الحظ أننا ـ أفراد صاحبة الجلالة ـ نملك أن ننقد الآخرين ولكننا لا نسمح لأحد أن ينقدنا لأننا نحن الذين نسيطر علي ما يجب أن ينشر وما ينبغي ألا تراه عيون القراء. إني أقولها بصراحة وأنا أعتقد أنها ستجلب لي متاعب الدنيا والآخرة: إن علينا مسئولية كبري في كل هذا الذي صارت إليه الأحوال، وقد بدأت مصر كلها تنادي بالتطهير وعلينا نحن أيضا أن ننادي مع مصر بالتطهير، تطهير أنفسنا قبل تطهير الآخرين. وبعد مرور حوالي 58 عاما علي هذا الكلام لا يزال الكلام يتجدد حول حرية الصحافة والصحافة الحرة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل