المحتوى الرئيسى

شرق أوسط البوعزيزي

03/14 18:21

شرق أوسط البوعزيزي كثير هي الأنظمة العربية التي ترتعش إن جاز التعبير بعد ما حدث في كل من مصر وتونس وما يحدث الآن في ليبيا واليمن والعراق والبحرين. إن المد الثوري العربي الذي أخذ يكتسح العقل العربي يمثل اليوم مشهداً جديداً قالباً لكل المفاهيم والأيدولوجيات التي تربى عليها الجيل الحالي. لم تكن هذه التربية السياسية للنظامين المصري والتونسي لشعبيهما قادرة على خلق حالة سياسية مستدامة للشعبين حيث ظن هذين النظامين أنهما قد وصلا إلى مرحلة متقدمة في إبداع حالة من غسيل الدماغ السياسي الذي طمحا إلى الوصول إليه عبر عشرات السنين من سطوة القبضة الحديدية المسلطة على رقاب شعبيهما. لقد فاجئنا الوعي العربي ولا أقول فقط الشعب العربي في هذين البلدين ومن بعدهما بلدان عربية أخرى حيث أننا ولسنوات طويلة اعتقدنا مخطئين أو مصيبين أن الوعي العربي قد وصل إلى غيبوبة مطلقة وكان كثير من المثقفين العرب أيضاً قد أعلنوا بصراحة تسليمهم بالأمر الواقع فما كان من بسطاء الشعوب من المثقفين الثوريين الجدد إلا أن قاموا بخلق حالة فريدة من التلاحم الشعبي والثوري البعيد عن كل وجهة سياسية تقليدية وإن كنا لا يمكن أن ننكر أن كثيرا من شباب 25 يناير في مصر وكذلك شباب ثورة تونس والشباب الثائر اليوم في ليبيا واليمن كانوا ينتمون إلى تنظير سياسي ما هنا أو هناك إلا أن الأغلبية الساحقة بينهم كانوا بحق جزءاً أصيلا من حركة شعبية غير مسيسة وغير مؤدلجة أو هكذا ارادها أن تظهر من نظموا ونظروا لها في البداية. مما لاشك فيه أننا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة في عالمنا العربي . لقد بدأت مفاهيم تربى عليها جيل كامل بالتغيير حيث كانت جل ثقافة ذلك الجيل السياسية تنحصر في الاختباء وراء الجدران والنزول إلى الجحور سريعاً إذا ما ظهر أمامه ضابط شرطة أو جندي ينتمي إلى الجيش حامي السلطة وحامي الرئيس. كان الجيل السابق قد سلم بكثير من اليأس مستقبله وحاضره لمجموعة من الساسة الذين قامروا بمستقبل ذلك الجيل وأرادوا أن يقامروا بمستقبل الأجيال القادمة إلى يوم القيامة. وبالنسبة لكثيرين فإنه لا يمكن التصور بحال من الأحوال كيف أن جيلاً كاملاً كان على درجة من الخنوع والهوان السياسي بحيث استطاع في أفضل الحالات مجموعة من السياسيين المرتزقة الطفيليين أن يحكموا مستقبله بالحديد والنار وبكثير من الخديعة وكانوا قد أوشكوا أن ينصبوا أنفسهم آلهة تعبد في الأرض من دون الله قبل انطلاق ثورة شعبي تونس ومصر. لقد علمنا البوعزيزي أن الكرامة أهم من لقمة الخبز. لقد علم أبو العزة كما يحلوا لكثير من العرب أن يصفوه جيلاً جديداً من العرب أن الفعل السياسي ممكن وأن الغيبوبة العربية ليست قدراً سرمدياً محتوماً لا يمكن الخلاص منه. لكن بعضاً من منظري تلك الغيبوبة والمدافعين عنها من أبناء ما كان يسمى بحركات المعارضة خرجوا إلى الفضائيات معلنين خوفهم من مجهول ما بعد الاستفاقة ذلك أنهم لم يعتادوا الشعور بحالة من الوعي الحقيقي بعد أن عاشوا لسنوات طويلة فرحين ومستفيدين في ظل كذبة كبرى كانت تسمى المعارضة السياسية والتي صنع النظامين المصري والتونسي كثيراً من تفاصيلها. إن شباب ثورة تونس ومصر واليوم ليبيا واليمن والعراق والجزائر والمغرب مطالبين بالحفاظ على ما بدأوه وألا يتهاونوا في مطالبهم بإسقاط كل جزئية من جزئيات الأنظمة المستبدة التي حكمتهم حيث أن العودة إلى أية جزئية من تلك الجزئيات سيعني درجة أكبر من الاستبداد السياسي وسيفتح الباب مجدداً أمام الطفيليات لتنموا من جديد وتتسلق الحكم وهذا ما لم يعد ممكناً عملياً على الأقل اليوم. لقد كان الوضع السياسي العربي قبل ثورة البوعزيزي واقعاً فريداً يشكل ظاهرة سياسية فريدة حيث استطاعت الأنظمة العربية أن تؤسس لنظام سياسي بوليسي قوي داخلياً لكنه كان مكشوفاً في ذات الوقت شعبياً. لقد كان رهان هذه الأنظمة دائماً على الذراع البوليسي وكان منظري الفكر السياسي الذي حكم عقليات هذه الأنظمة ممن لم يقرأوا التاريخ الإنساني ولم يفهموه يعتبرون أن القبضة الحديدية وإشاعة حالة من الفقر المستدام قادرين على إشاعة خوف متأصل لا يمكن أن يكسر. لقد أدرك الآن من نظروا لهذا الفكر السياسي الأحمق أن الذراع البوليسي والفقر كانا دوماً القنبلة التي أطلقت الرصاصة الأخيرة على مسيرة الاستبداد ومن وقفوا في ظهرها يساندوها عبر عشرات السنين. لم يعد ممكناً اليوم الوقوف دون النظر إلى ما هو قادم. لم يعد ما هو قادم يخضع إلى الاستشراف المبني على تحليلات مضطربة ومتباينة ولكن الواقع يقول ببساطة ووضوح شديدين أن الشرق الأوسط قبل البوعزيزي لن يكون أبدأ هو نفس الشرق الأوسط بعده. لم يعد ممكناً أيضاً تجاهل حقيقة أن صراع قوى عالمي يلوح في الأفق حيث استفاق العرب ولن يقبلوا بعد اليوم أن يكونوا عالماً ثالثاً حيث تاريخهم يقول لهم ما لم تقله أمجاد الإسكندر الأكبر للرومان في أوج عزهم ومجدهم العتيد.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل