المحتوى الرئيسى

شباب ماسبيرو

03/14 08:18

رأى كثيرون أن المظاهرات الفئوية التى خرجت تئنُّ من تحت وطأة ظلم راح ينحل فى جسدها خمسين عامًا، لونٌ من الإجهاز على الثورة الأم، التى أهدانا إياها يناير مقابل دماء 400 شهيد، وآلاف الجرحى، وأتفقُ معهم فى تأجيل تلك المطالب، الإنسانية والمشروعة، بعضَ الوقت، لحين تلتقط مصرُ أنفاسَها بعدما خاضت شهرين من المعارك النفسية، أعقبت ثلاثين عامًا من الاستنزاف ومصّ الدماء، ولا أتفقُ مع من وسم تلك المظاهرات بأنها ثورة مضادة يشعلُها النظامُ القديم لإجهاض ثورتنا الشريفة،  أولا لأن مطالب أولئك الناس بالفعل حقيقية متضخمة بطول الصمت والصبر، وثانيًَا لأن للنظام القديم ألاعيبَ خبيثةً أخرى؛ وأصابعَ تعرفُ كيف تفتح السجون، وتطلق البلطجية ليخربوا البلد، فتتحقق بهذا نبوءةُ الرئيس قبل التنحى: «إن أنا تنحيتُ، عمّت الفوضى!» مثلما لا أتفق مع مَن قال إن الوقت غير مناسب لخروج الأقباط للمطالبة بحقوقهم المهدرة فى بلادهم عقودًا. ذاك أن مظاهرات ماسبيرو ليست مظاهراتٍ «فئويةً»، والأقباط ليسوا «فئةً» فى المجتمع، بل مواطنون وأصحاب بلد، ومن ثم فقضيتهم قضيةُ «مواطنة» من الطراز الأول. فإن كانت ثورة يناير تعمل الآن فى هدوء على ترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة والليبرالية والحرية، فإن أولى مفردات كل ما سبق، هى حفظ حقوق المواطنة للجميع، والأقباط جزءٌ أصيل من هذا «الجميع». من أجل هذا خرج العديد من المسلمين فى تلك التظاهرة الطيبة أمام ماسبيرو التى، لسبب لا أعلمه، لم تولِها وسائلُ الإعلام ما يليق بها من اهتمام! انتفاضةٌ بيضاءُ سلميةٌ استلهمت روحَ ثورة 25 يناير العظيمة التى تصنعُ لنا غدًا أجمل، لن يكتمل إلا بتحقيق العدالة الكاملة لكل مواطن مصرى، بصرف النظر عن عقيدته. ذاك أن العقيدة شأنٌ شديد الخصوصية بين الإنسان وبين ربّه، لا دخل لإنسان آخر فيه. كمسلمةٍ ملأ اللهُ قلبى بالمحبة للجميع، كنت أدعو الله أن يتخلى الأقباطُ عن صمتهم عن المطالبة بحقوقهم، لأن صمتهم كان يضع الماء فى أفواهنا، نحن المسلمين المدافعين عن حقوقهم المستلبَة فى وطنهم. ورغم علمى أن صمتهم منطلقه دينيّ، لأن دينهم يأمرهم بالصبر عن الظلم الأرضىّ، نشدانًا لعدالة السماء، إلا أن هذا الصمتَ طالما أزعجنى، وها هم الآن يتعلمون درس الإيجابية من ثورة يناير الملهِمة، فخرجوا عن صمتهم مطالبين بحقهم فى الحياة. فهلا ساعدناهم؟ يطالبون، وأطالبُ معهم، بقانون موحّد لدور العبادة، يساوى بين الكنيسة وبين المسجد، بما أن كليهما دارٌ يناجى فيها المرءُ ربَّه. يطالبون، وأطالبُ معهم، بأن يُقال المحافظُ الذى سمح بأن تُهدَّم كنيسةٌ على مدار 22 ساعة، ويُكبَّر اسمُ الله على أطلالها، على مرأى العالم ومسمعه، بعد قتل مواطنين أبرياء وتشريد عشرات الأسر. يطالبون، وأطالبُ معهم، بلجنة تقصّى حقائق شفافة توقف الجناةَ غلاظَ القلب، ليحاكَموا علنًا، لكى يكونوا عبرةً لغيرهم، ما من شأنه أن يوقف «صنبور» الاعتداءات على بيوت الله الآمنة. يطالبون، وأطالبُ معهم، بمعاقبة كل شيخ أو إمام مسجد يقول كلامًا نابيًا عن شركاء الوطن فى خطب الجمعة، بأن يُقصى عن وزارة الأوقاف، ويُقدّم لمحكمة تأديبية تعلّمه كيف يحترم الناس ولا يلوك سيرتهم أو عقائدهم، وكذا أن تُعرض خطبُ الجمعة على لجنة إجازة قبل ذيوعها فى الزوايا، مادام بعض المشايخ غير قادرين على أن يجعلوا من أنفسهم رقباء على ما يقولون، وما سوف يسألهم اللهُ عنه، إن كان يبثُّ الوقيعة ويثير الفتنة بين أبناء الوطن. وفى الأخير، يطالبون، ونطالبُ جميعُنا معهم، بدولة مدنية راقية تساوى بين الجميع أمام دولة القانون، وتحفظ آدمية بنيها. فمَن يحمل شرفَ هوية مصر، يليق به أن يعيش فى مجتمع مدنىّ متحضّر يليق باسم مصر العريق، صاحبة أول حضارات الأرض. لن تكتمل ثورة يناير إلا بردّ حقوق الأقباط. fatma_naoot@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل