المحتوى الرئيسى

> فن الابتزاز

03/13 21:47

اختلاف وتباين المصالح مبرر بتباين المواقع الاجتماعية، ولاشك أن هذا الاختلاف الطبيعي ووثيق الصلة بعملية الحراك في الحياة الإنسانية، حيث يتجاور الأغنياء والفقراء، أصحاب العمل والعمال، ملاك الأراضي والفلاحون الأجراء، المثقفون والأميون، المساواة المطلقة مستحيلة، والطموح كله في تجنب الصدام، وصولاً إلي صيغة توافقية ترضي كل الأطراف. التفاوض بين أصحاب المصالح المتناقضة يعني تقديم تنازلات متبادلة، فلا أحد يفرض شروطه كاملة، والحوار الإيجابي البناء قادر علي تذويب جانب من الصراعات والتناقضات، لكن الشائع الآن هو تكتل مجموعة من أصحاب المطالب لفرض ما يريدونه بالقوة، المباشرة وغير المباشرة، فالمسألة عندهم تنحصر في الإملاء من ناحية والإذعان من ناحية أخري. هل يمكن أن تستمر السفينة علي هذا النحو غير المتوازن؟! ما الذي يعنيه أن يتظاهر أو يعتصم مجموعة من العمال والإداريين في شركة أو مصنع، مصرين علي تحقيق ما يرونه حقًا مشروعًا، مع الرفض القاطع لفكرة الحوار والتفاهم والاقتراب من حل وسط؟! المعني الوحيد أنهم يمارسون الابتزاز ولي الذراع، ويزيد الطين بلة أن قاموس المحتجين لا يحتوي إلا علي كلمة «الحقوق»، بغض النظر عن معقوليتها وشرعيتها، دون إشارة واحدة إلي «الواجبات»! لا تكتمل الديمقراطية السياسية بمعزل عن العدالة الاجتماعية، ولاشك أن التفاوت الضخم في الأجور لا يطاق، والخلل الفادح الفاضح بمثابة الاستفزاز الذي يسمم أجواء العمل، لكن علاج المرض المزمن المتراكم لا بد أن يبدأ وينتهي بالحوار والتفاوض، وأن يعتمد علي الاحتجاج المنظم والتصعيد المحسوب. علاقات العمل في مصر تحتاج إلي ثورة حقيقية، والثورة الناجحة لا يمكن أن تقوم بالمهام المطلوبة في يوم وليلة، وعلي الذين عانوا طويلاً أن يتحملوا فترة قصيرة أخري حتي تستقر الأوضاع، وخلال فترة الانتظار هذه لابد أن تستمر مساعيهم السلمية الحضارية للمطالبة بكل ما ينشدونه من التغيير والإصلاح، شريطة الابتعاد عن التخريب والفوضي والمبالغة التي قد تقود إلي نهاية مأساوية. عند قطاع لا يستهان به من المحتجين، يسود الشعور بأن اللحظة الراهنة هي الأنسب لفرض إرادتهم، وأن كلمة «لا» لن تصدر عن الذين أصابهم الذعر في ظل الانفلات والهياج، لكن الابتزاز لا يحقق انتصارًا مضمونًا، ولا يفضي إلي سلام حقيقي، وقد تترتب عليه ــ في مرحلة تالية ــ جولات من الحرب والعنف والطموح إلي ممارسة الابتزاز المضاد، وعندها تقع الكارثة!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل