المحتوى الرئيسى

الهند.. التقدم وليد الإصرار

03/13 14:46

«يتجاهلونك، ثم يحاربونك، ثم يحطمونك.. وفي الأخير تنتصر». تتمثل هذه المقولة ومقولات أخرى غيرها للمهاتما غاندي الفيلسوف صاحب الثورة السلمية في الهند، على هيئة أفعال، بل يشعر الزائر للمرة الأولى أنها تُرجمت فعلا في الحياة العامة. ويتجول عمران يوسف عمران، وهو شاب يعمل حامل حقائب في فندق متوسط بمدينة حيدر آباد، بصحبة فتاة قدمت للسياحة التعليمية، مصرا على إيجاد ما تطلبه، وهو كوب قهوة من مقهى «ستاربكس» الشهير في مدينة حيدر آباد (جنوب الهند)، وهو مالا يستطيعه فعلا، بل يستحيل ذلك. إذ يوضح الموقع الإلكتروني للمقهى العالمي خلو الهند من أي فروع. اكتفى عمران بالذهاب إلى مقهى يدعى «كوفي دي» وهو اسم لسلسلة مقاه محلية في الهند. «اللافت في ما يحدث أن الهنود يصرون على إنجاز المهمة بأفضل الأشكال»، تقول الفتاة الأسترالية سارا إنس التي قدمت لدراسة دورات متقدمة في الشبكات بمدينة حيدر آباد، مضيفة أن «الشخصية الهندية تطحن الحياة عبر العمل.. المحترفون كغيرهم من البسطاء يتساوون في جودة الإنجاز، فالإصرار الذي تراه في عيون الهنود باختلاف طبقاتهم وأعمالهم يفسر التقدم الذي تعيشه البلاد». وتضيف سارا: «لا تقتصر التعددية لدى الهنود على الدين والثقافة والفكر.. بل تمتد حتى في الأشكال محتوية الطبقات والتصنيفات الأخرى.. كنت أتوقع أن الأشخاص العاملين في المعهد لهم ملامح شرق آسيوية من دول مجاورة، لكنني اكتشفت أنهم من شمال شرقي البلاد». ويتجلى تقدم البلاد في دعم المنتج المحلي بوجود سلسلة مقهاه محلية رغم عدم تفضيل الهنود للقهوة في ظل وجود المنافس العنيف «الشاي»، وإصرار عمران على إيجاد مقهى للسائحة الأجنبية، فهو لم ينفك باحثا في أكثر من موقع ويسأل المارة دون يأس، وتقول إنس: «توقعت وجود المقهى من شدة حرص الشاب المسلم عمران». من جانب آخر، بلد المليار و200 مليون نسمة (يسود فيها الهندوس بنسبة 82 في المائة والمسلمون 13 في المائة، وتمثل الأديان الأخرى من بوذية وسيخ ومسيحية 5 في المائة)، تعد بحسب تقارير صندوق النقد الدولي الدولة رقم 12 من حيث القوة الشرائية. لكن الهند في المقابل، تعد ثاني أكبر دولة تستوعب المسلمين بعد إندونيسيا، حيث يبلغ عددهم نحو 200 مليون نسمة، والجانب الرسمي في الهند يقول: «مشكلتهم الكبرى هي التعليم»، بحسب سلمان خورشيد وزير الدولة لشؤون الأقليات، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، بعد أن أشار إلى دعم ما وصفه بـ«الواسع» لمسلمي الهند: «إن التركيز على التعليم حاليا هو الهاجس الذي ترنو إليه الوزارة بالضغط على الحكومة لتخصيص نحو 5 في المائة من كراسي التعليم للمسلمين». وحول سؤال «الشرق الأوسط» للوزير حول محاربة الإرهاب الفكري، قال الوزير: «هناك من يحاول أن يزعزع التعايش الذي تنعم به البلاد.. لن نسمح لهم أبدا». وفي الجانب غير الرسمي التقطت كاميرا «الشرق الأوسط» صورا لشبان صغار أقاموا مسيرة في حيدر آباد نفذها الشبان المتبعون لمذهب أهل السنة والجماعة لتوعية المسلمين مما أسموه «بدعة الاحتفال بالمولد النبوي»، وأمام ذلك احتفل جانب من المسلمين في حيدر آباد بالمولد النبوي بادئين بالطبول، ومن ثم دعوة الجيران والأقارب إلى وليمة «برياني» التي توزع بدورها على المارة حتى غير المسلمين منهم. وتتطابق الحياة الداخلية للأحياء في بعض المدن الهندية، مع حياة القرى في بعض البلدان العربية، وكعادة الدول التي تستوعب التعددية، يتجاور أتباع الأديان المتنوعة في مناطق قريبة بعضها من بعض، ولا يعني ذلك أبدا عدم وجود منتمين في الأحياء الأخرى، بل يقاسمونهم كما هو معتاد، «لكن التجاور يساعد الجيران على التعايش بشكل أفضل، خصوصا في الاحتفالات أو المآتم وغيرها من المناسبات الاجتماعية»، يقول الشاب عبد العظيم أحد سكان منطقة بانجرا هيل في حيدر آباد: «الاحتكاكات تطفو بين فينة وأخرى، وتتقد وقت المشكلات التي تطال الأنفس أو الاعتداءات». لكن عبد العظيم الذي يعمل على جلب قوته عبر «الركشة» يشير إلى أن انشغال الناس بأعمالهم وتربية أطفالهم وتعليمهم يطغى على المشكلات الأخرى. إلى ذلك، يفصل الهنود حياتهم بشكل يدعو إلى التأمل، وحينما تكون الحاجة أم الاختراع في أي مكان في العالم، فإن رفاهية العيش هي كل ما يجلب الاختراع في الهند، لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بالأمور الترفيهية، رغم تدني الإمكانات، وإن لم تكن أحيانا تبدو في نظر غيرهم خاوية. ينعكس ذلك عبر المنتجات الاستهلاكية التي يتداولها الهنود. فعندما تهم بالذهاب إلى أحد المطاعم المتوسطة لشراء وجبة ساخنة، سيعطيك الفتى الذي يرتدي قبعة، في الغالب تكون حمراء أو صفراء، وجبة في كيس أغلق بشكل محكم. ما إن تدفع الباب خارجا يستقبلك الازدحام الشديد، تذوب وقتها كل التساؤلات المتعلقة بإحكام إغلاق المغلف المحتوي على الطعام، فصاحب المطعم يعرف تماما أن وصولك إلى منزلك أو إلى من ينتظر غداءه أو عشاءه، سيستغرق كحد أدنى نحو 30 دقيقة، حتى وإن كان على بعد كيلومترات بسيطة. أمام ذلك يبيع أصحاب الدكاكين الصغيرة في الأحياء الفقيرة على جانب مدينة حيدر آباد شامبو الاستحمام في أكياس صغيرة، وقال صاحب أحد الدكاكين بإنجليزية ركيكة: «نبيع الشامبو بهذه الطريقة نظرا لضيق مساحات الحمامات في بيوت الحي، وهي طريقة مثلى في حال عدم وجود ما يحمل الشامبو داخل الحمام». تفصيل الحياة لا يتوقف عند المنتجات الاستهلاكية فقط، حتى طريقة التواصل مع الأهل والأصدقاء تختلف في الهند كما تختلف جوانب واسعة في الحياة، إلى جانب الولائم التي تحبذها الأوساط الشعبية في الهند والأفراح والمآتم التي يتفرغ لها شبان وفتيات يأتون من أماكن متعددة ويضرمون الإصرار فوق كل شيء سعيا وراء لقمة العيش. كذلك مديرو الفنادق والمشرفون على المطاعم والمحلات التجارية، تبرز طريقتهم في تسويق منتجاتهم وحرصهم على أن تحوز على الأقل رضاك دون أن تشتريها، لتعكس لك صورة البلاد التي لم تتقدم لولا أنها كانت وليدة إصرار متقد.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل