المحتوى الرئيسى

الاغتراب والمنفى والنسيان بقلم:آمال إبراهيم أبو خديجة

03/13 13:24

الاغتراب والمنفى والنسيان لمبعدي كنيسة المهد إنها القصة التي كادت أن تطوى صفحاتها، وتنسى من ذاكرة الأيام، ولم تبقى ذكراها تحفر ألمها إلا في قلوب أصحاب القضية من المبعدين وأهليهم، قصة أشرفت على العشر سنوات وما بانت لها نهاية، ولم تلح إليها بعد، فهؤلاء الذين حوصروا بنيران العدو يوم أن كانت أرض الضفة الغربية كلها تحترق بنيران المحتلين، عندما لم يجدوا ملجأ للاحتماء من لهيب ما يقذفون، إلا تلك الكنيسة القابعة في وسط التاريخ، فاندفعوا نحو أبوابها، هاتفين بالنجاة من كيد الأعداء المتربصين، ففتحت الكنسية لهم أبوابها، لتضمهم بين جدرانها، وتدفئهم في حجراتها المتلاصقة، إنها اللحظة التي ما يجول في خاطر أي منهم، أن يذهب متأملا بتلك الجدران والبنايات القديمة، ليعيش مع التاريخ القديم، ويتذكر ما كانت عليه فلسطين في تاريخها، من حب الأخوة والدعوة للمحبة الإنسانية والمسامحة بين الأديان، فما بال أبناء صهيون لا يقبلون للوجود على الأرض سوى وجودهم، ولا يريدون لأحد حياة إلا لنفوسهم، فتتراكض أقدامهم تلاحق خطوات من تخفوا في سراديب الكنيسة، وبين جدرانها وأزقتها، بحثا عن إحساس يلفهم بالأمن والسكينة، تتقدم خطوات الصهاينة لتحاول اقتحام تلك الأبواب، ولكن شجاعة الثوار الصامدين تصدهم، لتعلن قوة ثباتها وكرامتها، فيتراجع العدو مدحورا، وتبقى المحاولات تتكرر دوما، إلا أنها تخيب في كل مرة لتعود صاغرة ذليلة، وتبقى أقدام المحاصرين ثابتة بقوة الإصرار والإيمان، تمضي الأوقات بأيامها ولياليها على أمل أن يفك الحصار، وأن يعود كل من حوصر في داخل الكنيسة إلى داره وأهله، لكن الانتظار طال، ومضت 40 يوما تحت سماء الكنيسة، وهم يستظلون بظلها، تحاول أن تغمض جفون الأمل، أو تأخذ قليلا من سكرة نوم، ولكن سهرها يطول ، وجرحها يمتد لزمن مفتوح لا يعلم قدره إلا من خلق . استمر الحصار في تلك الأيام الأربعين، لا يجدون أي مقوم من مقومات الحياة من طعام وشراب، ولم يسمح الصهاينة المتربصين بهم من كل جانب، بأن يحضر أحدا شيئا من الطعام أو الماء، حتى مُدت أيديهم لقطف تلك الأعشاب الخضراء، المنتشرة تحت الأشجار في حديقة الكنيسة، فيصبح ذلك العشب حساءهم مع مرارة طعمه وغصته، ورغم محاولات كثيرة ممن حاولوا أن يفكوا الحصار، وأن يقدموا لهؤلاء المحاصرين من الطعام والعلاج وإنهاء تلك المعاناة، إلا أن العدو الظالم استمر في عناده وطلبه أن يسلم المحاصرين أنفسهم مقابل ذلك الغذاء، وأن يعلنوا الاستسلام ورفع راية الخنوع، ولكن أنّا لهم ذلك، وهم أشد عناداً وحرصاً على كرامتهم وعزتهم، لقد فضلوا الموت أعزاء على الخروج أذلاء لأجل لقمة طعام أو شراب، وبقيت المحاولات، إلى أن وصل الأمر بالاتفاق الشفهي ما بين الصهاينة والجانب الفلسطيني، أن يتم إبعاد المحاصرين لعدد من الدول الأوروبية وغزة، لمدة عام واحد أو اثنان، ثم يعود هؤلاء المبعدين إلى ديارهم، وكانت تلك الكارثة والمصيبة التي ما وعى لها أحد منهم، إلا بعد أن مرت سنوات وسنوات ولم يعد منهم أحد إلى دياره، إلا من عاد محمولا على الأكتاف في صندوق الموت. لقد تم إبعاد 39 مبعدا إلى خارج الوطن، منهم 26 أبعد إلى مدينة غزة و13 إلى دول أروبية مختلفة، ومنذ لحظة الإبعاد الأولى لهم، انتظر هؤلاء المبعدين عن الأهل والديار، حلول لحظة العودة والشعور بالأمن والاستقرار، فأصبحت الأيام كأنها سنوات طوال ليست لها نهاية، وعندما انتهت الفترة التي وعدوا بها، يفاجأ جميع المبعدين، أن لا حق قانوني بعودتهم، ولا قرار يكفل حقهم بدوام المطالبة بالعودة، فهم مطالبين بالبقاء في الإبعاد إلى أجل غير مسمى، وعندها ازدادت معاناتهم النفسية والاجتماعية، وارتفع الشعور بالقهر والإذلال، فهم مشتتون في أماكن لا وجود فيه للانتماء، ولا إحساس بالأمن بجميع جوانبه، فكان شعور المنفى الذي فرض عليهم قصرا يزداد يوما بعد يوم، وأصبح الإحساس بالاغتراب هو ما ينازع أرواحهم ويرهقها، فأين الأولاد وأين الزوجة وأين الأب والأم والأخوة والأخوات، أين الأصدقاء والأحباب، أين الأرض والبيت والشارع الذي اعتدت عليه، أين الوطن، لما أنا بعيدا عن أهلي وأرضي، لما لا أملك ما يملكه الآخرون من حقوق إنسانية، وحق بالوجود والعيش بكرامة، لما محكوم علينا أن نبقى مشردين مقهورين، هل هذه النكبة الجديدة التي حلت علينا بعد أن سمعنا بنكبات فلسطين السابقة، هل هجرنا قصرا كما هجر أهل فلسطين منذ زمن طويل، هل سيكون مصيرنا كمصير لاجئ الشتات في كل مكان، لا بل سيكون أسوء مما هم عليه، كلها أسئلة تنازع النفس والروح لتبحث عن إجابة، فما من صدى يجيب سوى إجابة الصمت الطويل. لكن الأمل يبقى دوما ويطول، ولم يتسرب اليأس والقنوت لقلوب هؤلاء المبعدين، ولم يُمسح حلم العودة من أمام أعينهم، بل على العكس زاد الإصرار بالعودة، فطرقوا كل الأبواب حتى يجدوا من يجيب، فذهبوا لمنظمة الصليب الأحمر كي يضعوا قضيتهم على قائمة المظلومين، والقضايا الإنسانية التي يجب أن يُسرع بالنظر إليها، فكان الرد منهم بالغ القسوة، بالقول لهم أنكم غير مبعدين، فأنتم لا تملكون القرار من الجانب الصهيوني بذلك الإبعاد، وكان ذلك من الخطأ الذي وقع به من فاوض الأعداء في لحظات الحصار، أنه لم يوثق ما تم الإتفاق عليه، ولم يأخذ أحد من المبعدين قرار من المحكمة الصهيونية بذلك، ولم يتم الإبعاد بناءا على ذلك القرار، بل كان كل شيء كلام شفهي، فلا وثائق تثبت لهم حقوقهم للمطالبة بحق العودة، ومن المعاناة الأخرى التي وقعت على المبعدين، أنه تم ربط قضيتهم بمسار المفاوضات ما بين الجانبين الصهيوني والفلسطيني، فيبقى المبعدين معلقين أمالهم لحين العودة للمفاوضات، ووضع قضيتهم على طاولتها إن كان لها مكان على تلك الطاولة، ونحن نعلم أن الجانب الصهيوني يطيل المماطلة في أمر المفاوضات، ويحاول دوما التهرب منها، والزعم بوجود عراقيل لا تساعد على العودة إليها، وهذا ما يصعب على المبعدين في حل قضيتهم والتعجيل في أمر حلها. ورغم أن اتفاقية جنيف الرابعة وحسب المادة ( 49 ) اعتبرت أن الإبعاد أو النفي القسري من الأراضي المحتلة إلى أراضي الدولة التي تحتلها أو إلى أراضي أي بلد آخر، سواء محتلا أم لا ممارسة محظورة بصرف النظر عن دوافعه " وكثير من القوانين الدولية اعتبرت الإبعاد هو من جرائم الحرب، إلا أن الكيان الصهيوني قد تعدى كل الاتفاقيات والقوانين الدولية، ولم يلقي لها بالا، وقد تحدى كل الأعراف الأخلاقية والإنسانية، وهم من ادعوا على أنفسهم أنهم أصحاب الديمقراطية والحقوق الإنسانية، ولكن أنّا ذلك منهم، وهم من هجروا وقتلوا وذبحوا واحتلوا الأرض والإنسان منذ زمن طويل . ولم تقتصر معاناة هؤلاء المبعدين على الإبعاد عن الوطن والأهل، والذي كان دوافعه الكبرى حب الانتقام من كل فرد، ينتمي لفلسطين أو يعيش على أرضها، بل أصبحت بعض الدول التي أبعد إليها المبعدين وخاصة الأوربية، تسبب الضيق والمعاناة المتعمدة لهؤلاء المبعدين، فتضيق عليهم حركتهم واستقرار حياتهم، كما أنها تفرض الإقامة الجبرية عليهم، ولا يسمح لهم بتغير أماكن سكنهم، وإذا حاول أحد منهم أن يحضر الأهل لزيارته فكان ذلك من الأمل المستحيل، وخاصة العبور لمدينة غزة من خلال الحواجز الإسرائيلية والمعابر، وهناك الصعوبة في التواصل مع الأهل حيث لا يجد المبعدين إلا وسائل الاتصال، مما يثقل كاهلهم بالتكاليف الباهظة، والأكثر من ذلك قيام محكمة إيطالية بتقديم استدعاء لحق بعض المبعدين، من أجل محاكمتهم على خلفية قتل مستوطن إسرائيلي، فهل هؤلاء المبعدين في الدول الغربية لهم حقوق المواطنة، وهل لهم الحق في التعليم والصحة والكرامة الإنسانية، هل يتمتع هؤلاء المبعدين بما يسمى بحقوق الإنسان عندهم، أم هم مجرد رهائن وضعوا في داخل البيوت، ولا يسمح لهم بالتنقل والحراك والعيش الكريم . إن قضية المبعدين هي قضية وطنية وإنسانية أولى، ومن واجب الجميع العمل على الوقوف إلى جانبهم ودعم قضيتهم، وخاصة من مؤسسات السلطة والمسئولين، ومؤسسات المجتمع المدني على أشكالها، ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية والعالمية، كما أن هناك دورا يجب أن يفعل لجميع أفراد المجتمع، من خلال توعيتهم لهذه القضية وربطها مع قضية الأسرى في سجون الاحتلال، لذا حرصت الحملة الوطنية لعودة مبعدي كنيسة المهد "احياء" على التخطيط لمجموعة من الفعاليات التي تهدف للتعريف بقضية المبعدين، حتى يتم التسريع بعودتهم، وإطلاق سراح أسرانا في منفى السجون . إن هؤلاء المبعدين لا يجدون أملا إلا في عيون أهليهم ومن يدعمون قضيتهم، وهم يعيشون على أمل أن يقوم كل واحد من أبناء شعبهم، بتحريك تلك القضية والمدافعة عنها، حتى ترفع عنهم تلك المعاناة الدائمة واليومية،والتي لا يلوح في الأفق أي بصيص أمل في انقضائها ونهايتها، فكم من مبعد فقد عزيز من أب أو أم أو أخ أو أخت، ولم يستطيع أن يلقي نظرة الوداع الأخير عليه، وكم منهم ولد له طفل صغير فكبر وترعرع دون أن يسمع صوت والده، ولم يستطع والده أن يراه ويضمه إلى صدره، وكم من مبعد تزوج أبناؤه دون أن يقدر على أن يزفهم ويفرح بهم، وكم مرض منهم ولم يستطع أن يمسح دمعة الألم عن وجوههم، وكم تخرج من أبنائهم من المدارس والجامعات،دون أن يتمكن أن يلقي قبلة الفرح على وجوههم، وكم من مناسبات عديدة ما بين الفرح والألم، لم يستطع أي مبعد أن يشارك فيها، ويكون مع أهله وبين أحبته، فكم سيطول ذلك الانتظار، ومن سيفتح باب الأمل القريب للعودة والجلوس بين الأهل والديار، إنها مسألة إنسانية عميقة، يجب أن تؤثر في كل قلب إنساني حي، عرف معنى قيمة العيش الكريم، وحق الإنسان بأن يعيش عزيزا متمتعا بكل مقومات الحياة، ومن أهمها الحق في الوجود في الأوطان . إن الكيان الصهيوني يسعى لتكريس سياسة الإبعاد في أبناء المجتمع الفلسطيني، كما مارسه منذ لحظة الاحتلال الأولى لفلسطين عام 48، وإن هدف الاحتلال أن يفرغ أرض فلسطين من أهلها، وان يفرض عليهم التهجير والنفي القسري، حتى يُحقق حلم قيام دولته وكيانه على كل أرض فلسطين، وأصبح اليوم يمارس الإبعاد والتهجير القسري للفلسطينيين، ضمن القرار الإسرائيلي الأخير الذي يحمل رقم 1650 والرامي إلى إبعاد كل من تصفهم إسرائيل بالمتسللين والخارجين عن القانون من وجهة نظرها، فتقوم بإبعاد المواطن الفلسطيني عن مسقط رأسه". فكأن ذلك الكيان لم يقتنع ولم يحقق مبتغاة عندما هجر أكثر من مليون فلسطيني خارج أرضه ووطنه، وسيطر على كل ما يملكون من الأرض والحجر، وما زالت حتى اليوم قضية هؤلاء المهجرين واللاجئين المشتتين في بقاع مختلفة، تنتظر الحل وما من مجيب، وما زال أصحابها يرسمون الأمل كل جيل يورث لأبنائه حلم العودة لأرض فلسطين . الحملة الوطنية لعودة مبعدي كنيسة المهد "أحياء" آمال إبراهيم أبو خديجة 7-3-2011

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل