المحتوى الرئيسى

كارم يحيى : حوار ” البريجات ” والتعديلات الدستورية

03/13 11:45

يخطئ من يظن أن الثورة هي ميدان التحرير بقلب القاهرة وحسب . وهذا لا يعنى إنكار رمزية ومركزية الميدان في هذه الثورة . لكنني أدعو لأن نستمع إلى أصوات الناس خارج العاصمة. وهم يشكلون أكثر من نصف تعداد مصر. و بالأصل هم مهمشون ومستبعدون من اهتمام وسائل الإعلام ، مع أنهم  شاركوا في أحداث الثورة وقدموا الشهداء والجرحى .يوم الجمعة 11 مارس 2011 قمت بتلبية دعوة كريمة من القاضي المحترم ” محمود عبد اللطيف حمزة” لزيارة قريته ” البريجات ” ( مركز كوم حمادة بمحافظة  البحيرة ) . و للرجل منزلة خاصة في قلبي  وقلوب المصريين، بعدما تحول إلى رمز من رموز حركة استقلال القضاء النبيلة ، ومنذ أن امتدت إليه أيدي جهاز الأمن المجرمة و اعتدت عليه اعتداءا وحشيا أمام مقر نادي القضاة في إبريل 2006 . و لحركة استقلال القضاء فضل غير منكور على الثورة . فقد كانت في ظني واحدة من الحلقات الممهدة لها . وهي حلقات تضم في عقد فريد “حركة كفاية ” و حركة ” 6 إبريل ” و ” الجمعية الوطنية للتغيير ” و انتفاضة عمال المحلة و غيرها من الاحتجاجات السياسية والاجتماعية التي تعرضت لقمع شديد من الدولة البوليسية خلال السنوات الماضية .” البريجات ” قرية مهمومة بمشاكل ما قبل الدولة الحديثة مثل الحرمان من  الصرف الصحي و مياه الشرب النقية فضلا عن مخاطر المياه الجوفية .وفي كل ذلك هي لا تخرج عن حال مئات القرى في بلادنا المحرومة من جهود التنمية الحقيقية جراء حكم أضاع عليها فرص التقدم بين نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين . لكن ” البريجات ” التي زرتها بصحبة كوكبة من شباب الثوار و زملاء المهنة و المستشار “حنفي موسي” ، أصبحت تتنفس سياسة وتناقش ببساطة أكثر القضايا تعقيدا.وفي قاعة بجمعية تنمية المجتمع امتلأت عن آخرها بالمئات من أهل القرية وشبابها، تحاورنا حول التعديلات الدستورية المقرر التصويت عليها يوم 19 مارس الجاري . وحقيقة كنت شخصيا أفضل أن نستمع أكثر مما نتحدث . لكن رغبة أهل “البريجات” كانت أن يسمعوا قبل أن يناقشوا . ولست هنا في وارد استعراض ماذا قيل ومن قال . واكتفى بأن ملاحظات المستشارين  “حنفي موسى”و “محمود حمزة” جاءت كفيلة بالكشف عن عوار التعديلات الدستورية ، وقد شددت على الحاجة إلى دستور جديد لأن الثورة وشرعيتها أطاحا  دستور 1971 الذي يركز السلطات والصلاحيات بين يدي رئيس الدولة . كما أن منطق إمساك المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالسلطة في البلاد خلال هذه المرحلة الانتقالية لا يستقيم من دون إلغاء الدستور تمهيدا لوضع دستور جديد يترجم عقدا اجتماعيا جلبته الثورة .وهذا لا يعنى انه لا يوجد من يؤيد التعديلات الدستورية . فالدكتور”ياسر إبراهيم حمزة” ـ وهو أكاديمي متخصص في القانون ومن أبناء القرية ـ وقف مدافعا عن التعديلات .و إن بدا منطقه ضعيفا في مواجهة ما أشار إليه المستشار “محمود حمزة” من عوار وبخاصة المادة 189 مكرر وخطورتها على فرص مولد دستور جديد يلبي طموحات المصريين في الديمقراطية والجمهورية البرلمانية . ولقد شارك في الحوار فلاحون من أجيال عدة كشفوا عن وعي سياسي رفيع . وعلى سبيل المثال فهناك من استحضر التجربة التركية في علاقة العسكر بالدولة وطرح تساؤلات عن كيفية تأمين مسار الديمقراطية في ظل نفوذ المؤسسة العسكرية. وهناك أبضا تساؤلات عن الحكمة في رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة تسليم السلطة إلى مجلس رئاسي أغلبيته من المدنيين.وفي حوار ” البريجات ” ثمة هواجس مشروعة في الشارع المصري حول معضلة العسكر والديمقراطية وعن مخاوف سرقة الثورة .  ولقد خرجت من زيارة “البريجات ” ولدي أنا الآخر تساؤلات عن تشكل تحالف مؤيد للتعديلات الدستورية . ويظهر في صفوف هذا التحالف كل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ،و جماعة الإخوان المسلمين القوة السياسية المنظمة في البلد ، و فلول الحزب الوطني ، والسلفيين الذين ينشطون وبخاصة في الريف كقوة محافظة تقف ضد الديمقراطية  والتغيير وأي مشروع لبناء دولة حديثة .ما لمسته في حوار ” البريجات ” يدعوني للاعتقاد بصحة ما أراه و غيري في أن الوقت المخصص للنقاش حول التعديلات الدستورية غير كاف مطلقا . فقد صفق غالبية الحضور لمواقف ضد التعديلات ومعها . وإن كنت لا أدري هل تأثر التصفيق بان المتحدثين بهذه المواقف المتناقضة من رموز البلد أم لا . لكنني لاحظت إن الاتجاه السائد يميل نسبيا إلى رفض التعديلات . وبالأصل فان المدة الزمنية التي تفصل بين إعلان التعديلات والتصويت المقرر عليها لا تتجاوز ثلاثة أسابيع .  كما إنني أتساءل عن أي مشروعية سياسية في طرح تعديلات دستورية على المواطنين فيما وسائل الإعلام بما في ذلك الصحف غير مؤهلة بعد لأن تكون منابر لحوار خلاق متعدد الرؤى . فالقيادات الإعلامية والصحفية هي ذاتها الموروثة من نظام الاستبداد والفساد، ولا تزال تحتكر مساحات النشر ومعها من تنتقيه بعناية. و النظام الإعلامي الصحفي برمته لا يزال مركزيا سلطويا لا يلتفت لهموم وآراء المواطنين في الريف والمصانع.مرة أخرى ، حوار قرية ” البريجات ” يحمل أكثر من دلاله يجب إن يلتفت إليها أهل الحل والعقد في القاهرة .فمحافظة البحيرة التي تنتمي إليها القرية قدمت للثورة 12 شهيدا . وباسم هؤلاء الشهداء والمئات منهم من أبناء الريف يحق التساؤل : كيف يمكن لسلطة ما أن تتجاهلهم ؟.12 مارس2011مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل