المحتوى الرئيسى

حتمية الثورة المصرية

03/13 01:17

من أمتع الدراسات التاريخية التي قرأتها في الآونة الأخيرة‏,‏ تلك الدراسة التي كتبها ولايزال يواصل فصولها في جريدة الأهرام الدكتور طه عبدالعليم وترجع أهميتها إلي أنها أنصفت الشخصية المصرية ونفت عنها مايشاع من افتراءات تدمغها بالرخاوة والسلبية والاستسلام لجلاديها‏, ‏ وبأنها لاتثور لكرامتها‏,‏ فإن ثارت فمجرد هبات كزعابيب أمشير سرعان ما تخمد كأن لم تكن‏,‏ أثبتت دراسة الدكتور طه عبدالعليم أن هذه محض افتراءات بنيت علي جهالات فاضحة بحقيقة الشخصية المصرية‏,‏ وأن استقراء التاريخ والواقع بنظرة فاحصة يثبت عكس ذلك تماما‏,‏ وأن تاريخ الشعب المصري كان سلسلة من صراعات لاتنتهي ضد الإحتلالات الأجنبية وضد عسف السلطة واستبداد الحكام‏,‏ ولولا ما انطبعت عليه الشخصية المصرية من روح المقاومة الصلبة والواعية‏,‏ بما في جيناتها الوراثية من تراكم حضاري تليد يتجدد في مختلف العصور بمرونة إنسانية تهدف إلي العيش في سلام واستقرار يليقان بطبيعة المجتمع الزراعي‏,‏ لولا ذلك مابقيت مصر منذ سبعة آلاف عام وإلي اليوم دولة ذات مكانة استثنائية‏,‏ ولما بقي الشعب المصري إلي اليوم مصدر إشعاع ثقافي سياسي وارف علي إفريقيا والعالم العربي‏.‏ وصحيح أن الثورات المصرية قد تفصل بينها مسافات زمنية تطول أو تقصر إلا أنها ذات حضور قوي في تعديل مسري التاريخ‏,‏ وذات أثر بالغ في الواقع المصري والإفريقي والعربي‏.‏ إن مصر الشعبية تعيش بمنطق‏:‏ اتق شر الحليم إذا غضب والشعب المصري بالفعل حليم إلي أبعد الحدود‏,‏ وفي المقابل فإن ثوراته كثيرا ماتكون عاصفة‏,‏ وأحيانا مدمرة إذا استنفرت الدهماء‏.‏ وها هو ذا الواقع المصري يتحول في لحظة عبقرية من مساء الخامس والعشرين من يناير ليصير وثيقة فعلية دامغة تؤكد ما ذهبت إليه دراسة الدكتور طه عبدالعليم بعد مضي أقل من شهرين علي نشرها بجريدة الأهرام‏.‏ وبهذا أكون قد تلقيت فرحتين في بحر شهرين اثنين‏:‏ فرحة لأن الدراسة المذكورة قد أيدت قناعتي الشخصية الراسخة بهذه الرؤية النفاذة بل لعلها أعادت صياغة قناعتي هذه ونابت عني في بذل هذا الجهد العلمي المشكور لتجميع الوثائق التاريخية والجغرافية الداعمة لإيجابية الشخصية المصرية التي لاتقبل الذل والهوان وإن طال صبرها‏.‏ وفرحة ثابتة لأن هذه الرؤية قد تحققت فعليا في ميدان التحرير وجميع ميادين العواصم الإقليمية المصرية مساء الخامس والعشرين من يناير‏1102‏ بقيام ثورة تحرير عارمة خلبت ألباب العالم كله بطهارتها وسلميتها وإصرارها علي اقتلاع جذور الفساد تمهيدا لإعادة صياغة مصر المعاصرة‏.‏ ولكن لماذا يتأخر انتفاض المصريين حتي ليبدو كأننا فقدنا الذاكرة‏,‏ بل كأننا أمة من الأغنام يسوقها أي صبي بخيزرانة‏,‏ إلي الحظيرة أو إلي القصاب؟ هنالك سببان‏..‏ السبب الأول ـ ولابد أن نعترف بهذا دون مواربة ـ هو فساد النخب‏,‏ أو من درجنا علي تسميتهم بالنخب وهذا اسم علي غير مسمي‏,‏ إنما هو قد أطلق علي الأدعياء الذين يتصدون للعمل العام معتمدين علي الفهلوة والبهلوانية والعلاقات العامة والذكاء الإجتماعي وأساليب الرشوة والمجالات والنفوذ العائلي أو المالي‏,‏ فيصيرون نقباء ووزراء وأعضاء برلمان وأصحاب نفوذ سياسي‏,‏ ولاؤهم كله لمصالحهم‏,‏ يؤازرون الشيطان لو حققها لهم‏,‏ ويلعبون أدوارا خطيرة في تضليل الشعب وخداعه وتخديره بشتي الأساليب‏,‏ يسنون القوانين التي تمكن لهم في الأرض وتكبل الطاقات الخلاقة‏,‏ ويخلقون للشعب مشاكل وهمية ينشغل فيها‏,‏ وملاهي هزلية لتمييع القضايا وتسخيف الجدية‏..‏ إلخ‏.‏ أما النخب الحقيقية فإنهم من أمثال طه حسين ورفاقه وتلاميذه ومن أسماهم صديقنا بهاء طاهر بأبناء رفاعة الطهطاوي الذين تفتح وعيهم علي الحداثة العربية فعملوا بجد وإخلاص علي إلحاق مصر بالعصر الحديث‏.‏ وقد حققوا بالفعل نهضة علمية وثقافية كرست لمصر الحديثة وأنجبت أدباء وشعراء وفنانين وصحفيين عمالقة‏.‏ وفي إشعاعهم قامت ثورتان خطيرتان احداهما في أوائل النصف الأول من القرن العشرين والثانية في أوائل النصف الثاني منه‏,‏ علي أننا يجب أن نلاحظ أنهم قد لاقوا الأمرين من الرجعية الدينية والانتهازية السياسية وهما قوتان محسوبتان علي النخب مع الأسف‏,‏ تتحالفان دائما في مواجهة العلم والثقافة المستنيره‏,‏ ترفعان سلاح التفكير والتخوين‏.‏ ولقد اتسع نطاق الانتهازية السياسية والرجعية الدينية‏,‏ إضافة إلي الإنتهازية الإجتماعية‏,‏ في ظل ثورة يوليو وانقلاب مايو الساداتي‏,‏ حيث بدأ انهيار التعليم بانفصاله عن التربية‏.‏ أصبح لدينا أعداد هائلة ممن حصلوا علي تعليم عال بغير أخلاق‏,‏ اقتحموا المهن النبيلة كالطب والمحاماة والصحافة والتدريس وكراسي الأستاذية في الجامعات التي باتت في توسع عشوائي دون وجود كوادر علمية ناضجة تصلح لشغل المناصب العلمية فيها فوضعت بدلا منها أشباحا وهياكل تحمل شهادات بغير كفاءة حقيقية‏.‏ لذلك لم يكن غريبا أن تمتليء كل هاتك الميادين بجرائم سياسية وإنسانية مروعة‏,‏ وبصراعات رخيصة بل وإجرامية حول المكاسب والمناصب‏.‏ احتشدت مقاعد مجلسي الشعب الشوري بفئات من الـكولاك ـ أي أصحاب المصالح ـ ينقصها العلم والوعي السياسي والوطني و‏...‏ الشرف‏.‏ أصبحنا نري ونسمع ونقرأ عن طبيب ينسي المقصات والمشارط في بطن المريض‏,‏ وأخر يسرق أعضاء مريض ليبيعها لمريض آخر‏,‏ وعن محام يسلك سلوك البلطجية فيتعارك بالسنج والسكاكين‏,‏ وأخرين يتاجرون بالقانون ويلوون أعناقه للدفاع عن الخونة والقتلة وتجار السموم وناهبي المال العام‏,‏ وعن إعلاميين يروجون للرأي‏.‏ وكان من المنطقي‏,‏ بل هي الحتمية التاريخية والاجتماعية أن يقوم بتفجير الثورة جيل الشباب المبرأ من كل هذه الملوثات التي دفعته للثورة عليها‏,‏ الذي انفتح علي ألوان من المعارف المبهرة عبر شبكة الانترنت‏,‏ فعرف كيف يتواصل ويتلاحم عبر الفضاء‏,‏ فإذا هم ينفخون الرماد عن جمرة اللهب المتقدة داخل الشعب المصري بأكمله‏,‏ فالتحمت الجمرة بالريح‏,‏ فإذا جموع الشعب الهادرة في ميادين القاهرة والسويس والاسكندرية والمنصورة ودمياط وطنطا والمحلة الكبري والمنيا وبني سويف وسوهاج وأسوان كالحطب الجاف تزغرد في أصلابه ألسنة اللهب البرتقالي اللون بأطراف مخضوضرة‏.‏ السبب الثاني وراء بطء الانتفاض المصري سبب تاريخي مبثوث في نسيج الشخصية المصرية مثقفة كانت أو أمية‏,‏ حتي وإن كان بعضها من أصول عرقية أجنبية بعيدة‏.‏ ذلك هو تقديس الشعب المصري للنظام باعتباره القضبان التي يمشي عليها قطار الحياة‏,‏ واحترامه الشديد للحاكم كرمز للدولة‏.‏ نعم هو ذاك وإن أثار استغراب البعض ممن بتصورون خطأ أنه شعب همجي لا يقبل الانضواء تحت نظام أو قانون‏.‏ يتصورون كذلك أن الأمية المثقفة تحول دونه والتقدم وتجعله غير صالح لممارسة الديمقراطية‏,‏ وأنه لابد له من أب أو أخ أو مستبد عادل يفرض وصايته عليه‏.‏ ولكن ماأكذبهم وماأعماهم‏..‏ إن الجوهر الانساني العظيم كامن في نفوس القاعدة العريضة من الشعب المصري يظهر في الأزمات‏,‏ إنه كالبخور تظهر ريحته الطيبة عندما تلامسه النار‏.‏ هذا الجوهر الإنساني هو التآخي والتآزر والتكافل والمودة مقرونة بأخوة المواطنة‏,‏ وحب النظام غريزة في المصريين‏,‏ نري شواهده كل يوم في الشارع حينما يتعطل المرور لسبب من الأسباب فيتطوع الكثيرون للمشاركة في تسيير الأمر والمساعدة في إزالة أسباب العطل‏.‏ إنه موروث حضاري‏,‏ قامت عليه أول دولة في التاريخ‏,‏ وهيهات أن يمحوه الزمن‏.‏ ومن قرأ كتاب فجر الضمير لعالم المصريات الأمريكي الشهير هنري بريستد يعرف قيمة الجوهر الحضاري الإنساني للشعب المصري‏,‏ كيف أقيم أول نظام لأول دولة علي ظهر الأرض حيث كان لابد من تنظيم إداري للسيطرة علي النهر المتوحش وتوزيع مياهه علي جميع أنحاء الأرض المصرية المترامية الأطراف التي هي في أصلها من طرح طميه وهذا معني قولة المؤرخ اليوناني هيرودوت إن مصر هبة النيل‏.‏ ومن رأي صورة ميدان التحرير أثناء الثورة لابد قد رأي ذلك كله مشخصا في ثورة نظمت نفسها بنفسها في سلاسة ونعومة لتدبير احتياجاتها من أكل وشرب وغطاء ودواء أنشئت من أجله ـ وفي الحال ـ مستشفيات ميدانية‏,‏ في إيثار وإنكار للذات الفردية‏,‏ وفي سلوك حضاري راسخ وتليد‏,‏ فرض عليهم ـ فور تحقيق مطالبهم ـ أن يقوموا بتنظيف الميدان من مخلفاتهم‏,‏ بل امتدت الأريحية الي تنظيف جميع الشوارع في جميع البلدان‏.‏ المزيد من مقالات خيري شلبي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل