المحتوى الرئيسى

> «أقوي الرجال».. ما ضاع حق وراءه فتاة شجاعة

03/12 22:22

يمكن أن نعتبر الفيلم الأمريكي «true grit» الذي عرض تجاريا في مصر تحت اسم «أقوي الرجال» الدليل القوي علي ما كنت أراه دائمًا من أن أفلام الغرب الأمريكي قادرة علي الاستمرار واثارة الدهشة والاعجاب بشرط أن يصنعها المبدعون لا المقلدون، هذه النوعية التي صنعت مجد حفنة من النجوم والمخرجين تعطي مساحة واسعة لتقديم دراما قوية تجمع بين المغامرة والحركة، كما تسمح باستغلال امكانيات السينما في الصورة والمونتاج والموسيقي، وتستوعب أيضا التعبير عن أفكار إنسانية لا تنتهي كالبحث عن الحقيقة أو البحث عن العدالة أو مفهوم القوة والضعف، «أقوي الرجال» هو التجسيد الحي لكل هذه المزايا التي تمنحها هذه النوعية شبه المنقرضة بعد سنوات من المجد والتألق، ويرجع تميز «أقوي الرجال»، الذي رشح لعشر جوائز أوسكار من بينها المنافسة علي أوسكار أفضل فيلم، إلي الثنائي الموهوب الأخوين «جويل وإيثان كوين» اللذين كتبا الفيلم للسينما عن رواية لـ«تشارلز بورتير»، ثم اخرجاه بهذه الصورة اللامعة، فأثبتا من جديد أنهما لا يكتفيان فقط، بالتجول بين أنواع مختلفة من الأفلام في تجاربهما المتنوعة، ولكنهما يضيفان إلي كل نوع يقدمانه حيث يضعان بصمتيهما الساخرة، ويقومان بتعميق موضوعهما لكي يستوعب قضايا إنسانية ووجودية وفلسفية في بعض الأحيان. هناك أفكار كثيرة يطرحها «أقوي الرجال» أهمها بالتأكيد التمسك بالحصول علي الحق، والتمسك في نفس الوقت بأن يكون ذلك بأقصي قدر ممكن من العدالة، ما ضاع حق وراءه مطالب، ولكن الشرط الأول لتحقيق هذه المعادلة أن يتحلي الإنسان بالشجاعة الحقيقية ليست القضية في شجاعة المغامرة التي ستوفرها الرحلة لمطاردة خارج عن القانون قتل والد بطلتنا التي لا يزيد عمرها علي 14 سنة ولا شجاعة امتطاء الخيول وإطلاق الرصاص واجتياز الصحاري والوديان، وكلها من «أيقونات» أفلام الويسترن التي لا غني عنها، ولكنها شجاعة مواجهة الشر بالعدالة وشجاعة عدم التراجع في سبيل تحقيق هذا الهدف، وفي شجاعة الاستعداد لتحمل خسائر هذه المواجهة الصعبة، ليست العدالة في «أقوي الرجال» مفهومًا مثاليا، ولكنها فكرة قابلة للتحقيق بقدر ما تسمح لنا إنسانيتنا، نعم سيتحقق هدف الانتقام في النهاية، وستكون هناك خسائر، وسيكون هناك ضحايا، ولكن الشجاعة الحقيقية في الرحلة والسعي وليس في النتيجة التي يضمن تحقيقها نوع أفلام الويسترن أكثر ربما مما يضمن تحقيقها الواقع، سيموت الأشرار كما هو متوقع، ولكنك ستخرج أقل ارتياحًا من أفلام الويسترن التقليدية ذلك أن الأخوين كوين جعلا الشجاعة في رحلة الدفاع عن الحق والعدل وليس في النتيجة، وجعلا الثمن الذي دفعته بطلتنا مزعجًا، وفي المشاهد الأخيرة، ورفعا شعارًا مهمًا هو مفتاح الفيلم كله يقول: لا يوجد شيء مجاني في الحياة. إلا نعم الله، ويعني ذلك أن التصرف الشرير لابد أن يواجه بالعقاب وأن يدفع صاحبه الثمن، ولكنه يعني أيضًا أن الدفاع عن الحق والعدل له أيضا ثمن، وعلينا أن نكون مستعدين لدفعه في كل الأوقات. تقول الخطوط العامة للحدوتة، إن الفتاة الصغيرة «ماتي» «هايلي ستيفيلد» قررت أن تأخذ حق والدها فرانك روس الذي قتله مجرم أمام أحد الفنادق في مدينة بعيدة، وسرق منه قطعة ذهبية وحصانًا، كان يمكن أن تسكت «ماتي»، وأن تعيش مع أمها واخويها الصغيرين، ولكنها اختارت أن تستعيد حقها، وبأقصي ما تسمح به ظروف العدالة، ذهبت إلي البلدة التي وقعت فيها الجريمة، ولجأت أولاً إلي المارشال الذي أخبرها أن القاتل المعروف واسمه «توم تشيني» «جوش برولين» هرب ولجأ إلي قبيلة هندية بعيدة، وأدركت بالتالي أن العدالة الرسمية قاصرة فاختارت اللجوء إلي العدالة غير الرسمية من خلال صائد المجرمين ونائب الماريشال السابق «رستو كوجبرن» «الرائع جيف بريدجز» الذي وافق بعد جهد علي مهمة اصطياد «تشيني» مقابل 100 دولار يدفع نصفها مقدمًا، ثم انضم إلي «ماتي» حارس من تكساس هو «لابيف» «مات ديمون» يستهدف أيضا الوصول إلي «تشيني» لمحاكمته علي جريمة قتل أخري لأحد أعضاء الكونجرس، ولأن «ماتي» اختارت أن تتابع قضيتها بنفسها، لذلك صممت علي أن تصطحب «كوجبرن» و«لابيف» في رحلة البحث عن الحق والعدالة. اللافت أن الإطار العام للأحداث لا يخرج عن التيمات التي تعالجها أفلام الويسترن، ولكننا نلاحظ اختلافات مهمة خاصة في رسم الشخصيات التي قدمت بعيدًا عن المثالية المألوفة في أبطال هذه الأفلام، صحيح أن «ماتي» تبدو أكبر من سنها في شجاعتها وعقلها وذكائها، ولكن الشخصية مقنعة، بالنظر إلي ارتباطها بأب كان يدربها علي رحلات الصيد، وأثناء الرحلة ستعاني «ماتي» وستخاف وستصرخ، يكاد الفيلم يقول لنا إن هذه البيئة التي لم تستقر فيها بعد مؤسسات قوية تحقق العدالة تحتاج جيلا جديدًا من هذا النوع، «ماتي» لا تملك في الحقيقة إلا شجاعتها واصرارها علي استعادة حق والدها، إنها حتي لا تعرف كيف تطلق النار، أما البطلان الآخران فهما أقل مثالية من أبطال الويسترن الكبار «جاري كوبر» أو «جون وين»، «كوجبرن» سكير لم يحترف مهنة اصطياد المجرمين إلا بعد أن فشل في حياته العائلية، وبعد أن فشل في أن يكون محاميا أو صاحب مطعم، بل إنه يعترف أنه سرق بنكًا اسرف في رفع سعر الفائدة، الرجل أيضًا بعين واحدة، وشديد الشراسة لدرجة أنه قتل 23 مجرمًا خلال اربع سنوات بعضهم هاجموه بأدوات بسيطة جدًا، «لابيف» بالقطع أكثر وسامة إلا أنه لا يخلو أيضًا من الاستعراض الكاذب، كما أنه كان علي وشك الموت وتحطمت أسنانه، أي أننا في جميع الاحوال أمام شخصيات ابعد ما تكون عن الصورة المثالية التي تقدمها كلاسيكيات الوسترن، حتي علي جانب الشر، فإن شرير الفيلم الأصلي القاتل «توم كشيني» يبدو غلبانًا جدًا مقارنة باشرار أفلام «الويسترن» بل إن لقاء «ماتي» به يتم بالصدفة وبشكل مفاجئ، ونري تشيني وهو يتعرض للإذلال من زعيم العصابة «ندبير» وربما يكون مقصدوًا أن يكون الشر باهتًا بهذه الطريقة للابتعاد عن اللون الأسود القاتم في «الويسترن الكلاسيكي، ولكنه بلا شك اضعف قليلاً من قوة الدراماخاصة في الجزء الأخير من الفيلم لدرجة أن ثعابين الصحراء كانت أكثر خطرًا علي «ماتي» من «توم تشيني». لكن الفيلم الذي اراد ما هو ابعد من الحدوتة بمناقشة فكرة التمسك بالعدالة من خلال كلام «ماتي» الدائم عن محاميها، وعن لجوئها إلي صائد مجرمين تعترف به المؤسسات الرسمية وتستطيع محاسبته، رغم ذلك فإن الفيلم لا يتنازل عن كل تفصيلات أفلام الويسترن الساحرة هنا مجتمع يقع في منتصف المسافة بين التحضر والبدائية، محكمة منظمة ومحامون جنبًا إلي جنب مع حياة برية متوحشة تمتلئ بالجثث المشنوقة، بنادق ومسدسات جنبًا إلي جنب مع السكاكين، ورغم أن «ماتي» لم تكن تمانع في القبض علي «تشيني» واعدامه بالطريق القانوني كما حدث لبعض المجرمين في بداية الفيلم، إلا أن الحكاية تنتهي بقيامها بقتل «تشيني» بالرصاص دفاعًا عن نفسها، هنا نهاية تنتمي أكثر لعالم الويسترن التقليدي، ولكن ما هو غير تقليدي فعلاً أن نكتشف أن «ماتي» التي تروي الأحداث بصوتها فقدت ذراعها في نهاية المغامرة بسبب التسمم نتيجة لدغة ثعبان، ثم نعرف أن كوجبرن مطارد المجرمين انتهي به الأمر في نهاية حياته بالعمل في سيرك، وأن بطلتنا لم تتزوج أبدًا، وهذا هو معني الثمن الذي يجب أن ندفعه طالما أن الهدف هو العدالة. «جويل» و«إيثان كوين» استاذان في قيادة الممثلين وفي خلق الجو وفي فهم طبيعة أنواع الأفلام وفي اختيار أماكن التصوير وفي بناء المشهد بصورة متماسكة، وهناك روح عالية من السخرية الخفيفة المعلنة في افلامهما، هناك مشاهد بأكملها تمتزج فيها الجدية والسخرية إلي درجة واضحة مثل مشهد المحكمة، ومشهد شنق المجرمين الثلاثة في أول الفيلم، ومشهد محاولة «كوجبرن» إتقان التصويب وهو سكران، ومشهد محاولة «كوجبرن» انقاذ حياة «ماتي» بعد أن لدغها الثعبان، عالم الغرب الذي احببناه يعود هنا بلمسات خاصة في الصورة والايقاع، استغلال مدهش لكل مفردات المكان، في مشهد المحكمة مثلاً، يبدو «كوجبرن» في الظل ولكن في الخلفية شلال من الضوء يكاد يعبر عن أنه طاقة النور التي ستقود «ماتي» إلي حقها، «جيف بريدجز» رشح عن دوره في الفيلم للاوسكار بعد أن فاز بالجائزة في العام الماضي عن دور المغني السكير في فيلم «قلب مجنون».. لقد نجح هنا في التعبير عن شخصية فظة ولكنها لا تخلو من الطرافة بل والأبوة «هايلي ستيفيلد» رشحت عن جدارة لأوسكار افضل ممثلة عن أدائها لدور «ماتي».. تمتلك «هايلي» الحضور والقبول، وقد كانت ممثلة راسخة تمامًا في مواجهة الغول «بريدجز» بعكس «مات ديمون» الذي كان باهتًا وغريبًا عن المكان والنوع أيضًًا. هناك أخيرًا خيط رفيع بين فيلم «لا وطن للعجائز» للأخوين كوين، وبين فيلمها «أقوي الرجال» العملان يناقشان مفاهيم الحق والعدل والخير والشر، ولكن لا وطن للعجائز يتحدث عن هذه المفاهيم بمعناها المطلق، لذلك ينتهي نهاية متشائمة تمامًا بل وعبثية أيضًا، أما «أقوي الرجال» فهو يتفاعل أكثر مع الواقع وكأنه يقول في النهاية أننا نستطيع الحصول علي الحق والعدل بقدر ما تسمح انسانيتنا وقدراتنا، وأن الشجاعة في الارادة والسعي وعدم التراجع وليس في أن نحقق كل ما نرجوه، وعلينا ألا ننسي دائمًا أنه لا يوجد شيء مجاني إلا النعم الإلهية وأولها العقل الذي لولاه لما كانت لدينا القدرة علي الاختيار الحر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل