المحتوى الرئيسى

أين انتفاضة الفلسطينيين؟!بقلم: جواد البشيتي

03/12 20:37

أين انتفاضة الفلسطينيين؟! جواد البشيتي أين الشعب الفلسطيني من حالة الانتفاض الشعبي العربي والتي يمكن ويجب فهمها على أنَّها دليل حي على أنَّ الأمَّة العربية قد استجمعت لاستيقاظها وبعثها التاريخيين الأسباب والوسائل والقوى؟! أوَّلاً، وقبل كل شيء، لا بدَّ من أن يشحذ الفلسطينيون (والشباب منهم على وجه الخصوص) أذهانهم (وخيالهم السياسي الثوري الواقعي) لإجابة السؤالين الآتيين: "ما المطلوب فلسطينياً الآن، أو ما الذي يمكن، وينبغي للفلسطينيين، أن يريدوه الآن؟"، و"كيف (أي جملة الوسائل والأساليب) يمكنهم التوصُّل إلى هذا الذي يريدون، وتحقيقه؟". أنْ يؤكِّد الشعب الفلسطيني وجوده السياسي المباشِر والقوي؛ هذا هو، على ما أحسب، أوَّل، وأهم، شيء ينبغي للفلسطينيين فعله من الآن وصاعداً. وهذا إنَّما يعني، من الوجهة العملية والواقعية، أنْ يبدأ الشعب الفلسطيني (والشباب منه على وجه الخصوص) فعله وعمله لتأكيد وجوده وحضوره السياسي المباشِر والقوي، من كل مخيَّم فلسطيني، في داخل، وفي خارج، فلسطين؛ فالشباب في المخيَّمات، ومهما كانت اتِّجاهاتهم السياسية والفكرية، مدعوون إلى بدء الحراك الشعبي بالاحتشاد والتظاهُر (وأشباهه) في داخل كل مخيَّم، واختيار وانتخاب مجالس تمثِّل اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم ومطالبهم السياسية القومية (والإنسانية) وقضيتهم بأبعادها كافة. إنَّ هذا الضغط الشعبي (للاجئين) الدائم والمنظَّم، والموحَّد المطالب والشعارات، هو وحده الكفيل بدرء المخاطر عن القضية القومية للشعب الفلسطيني، وبالتأسيس لوحدة ديمقراطية فلسطينية لا تتسامح مع القوى التي لها مصلحة (فئوية ضيِّقة) في بقاء حالة الانقسام الحزيراني الفلسطيني، وبإصلاح ما أفسده الفاسدون، وبإحباط مساعي التوطين كافة، ما ظهر منها وما استتر، وبتمكين اللاجئين أنفسهم من أنْ يتواضعوا، عبر الجدل والحوار، على تعريف (أو إعادة تعريف) قضيتهم، وعلى تعيين تصوُّرهم هُمْ لكيفية حل مشكلتهم "حلاًّ عادلاً واقعياً"، بعيداً عن (وضدَّ) الألاعيب وأساليب الاحتيال التي تتسربل، مع أصحابها، بعبارة "الحل الإبداعي الخلاَّق"؛ فإنَّ أهل مكة أدرى بشعابها؛ وإنَّهم قد نضجوا، وعياً وتجربةً، بما يجعلهم في غنى عن وصاية الأوصياء، من الأقربين والأبعدين. إنَّ من الأهمية بمكان أنْ نرى حالة الانتفاض الشعبي الفلسطيني في كل مخيَّم، في داخل فلسطين، وفي خارجها، وأنْ نرى تلك الحالة تتمخَّض عن إنشاء وتطوير مجالس تمثيلية، تتَّحِد جميعاً على هيئة هرم، حتى إذا قال قائل إنَّ اللاجئين (أو بعضهم) سعداء في منفاهم هذا، أو ذاك، أوضحوا له، وأكَّدوا، عبر مجالسهم هذه أنَّهم ليسوا كما زَعَم، وأنَّهم لا يَعْرِفون من الشعر العربي كله إلاَّ البيت "وطني لو شُغْلُ بالخلد عنه..". كما أنَّ من الأهمية بمكان أنْ نرى العداء العربي للتوطين يتأكَّد فعلاً لا لفظاً من خلال احترام هذا الحق الديمقراطي البسيط للاجئين، والذي لا تتعارض ممارستهم له مع الحقوق السيادية للدول العربية التي يقيمون على أراضيها، ولا تضر بأمنها واستقرارها؛ فالأمر كله لا يتعدَّى أنْ يؤكِّد اللاجئون، في داخل حدود كل مخيَّم، وجودهم السياسي، وحقهم (الذي لا ريب فيه) في أنْ يقولوا مباشرَةً (بتظاهرهم واعتصامهم..) أو عبر ممثليهم المنتخبين منهم مباشَرةً: "هذا نريده، وهذا لا نريده". أمَّا بقاء اللاجئين جماعةً خرساء، أو صفرية الوزن السياسي، فهذا أمر لا يحرص عليه إلاَّ كل من له مصلحة في جعل التوطين جزءاً من "الحل الإبداعي الخلاَّق" لمشكلتهم (القومية والإنسانية). ولن ينال من قوَّة هذه الحقيقة زَعْم من قبيل أنَّ اللاجئين سيُدْلون برأيهم في أيِّ اتِّفاقية تتضمَّن حلاًّ نهائياً لمشكلتهم عبر "استفتاء شعبي"، أو بوسيلة أخرى إذا ما تعذَّر إجراء هذا الاستفتاء في دولة أو دول ما؛ فإنَّ لعبة أو حيلة "الاستفتاء الشعبي" ما عادت ممكنة النجاح في هذا الزمن العربي الشعبي الجديد والجيِّد، والذي من أهم سماته أنَّ أحداً من الزعماء والقادة والحكَّام ما عاد في مقدوره خداع أحد من الشعب. وقد يصح أنْ أضيف إلى هذا الزمن سمة مهمة أخرى هي أنَّ الشعوب العربية، ومنها الشعب الفلسطيني، ما عادت طوباوية في ثوريتها، تنأى في تفكيرها الثوري عن الواقعية السياسية الحقيقية، أي الواقعية السياسية التي ليست بلبوس تلبسه الروح الانهزامية. وإنِّي لمتأكِّد أنَّ اللاجئين الفلسطينيين الذين جعلوا في أيديهم زمام أمرهم سينظرون إلى ما اختلف من الواقع الموضوعي لقضيتهم القومية بعيون مختلفة، بعيون ترى الحقوق من غير أنْ تضرب صفحاً عن الحقائق، وترى الحقائق من غير أن تستذرع بها للتفريط في الحقوق؛ فاللاجئون هؤلاء سيُحدِّدون بأنفسهم معنى "الحل العادل الواقعي" لمشكلتهم بلا إفراط أو تفريط. هذه هي الحلقة الأولى في سلسلة الحراك الشعبي الفلسطيني الممكن والضروري الآن؛ أمَّا الحلقة الثانية فهي أهل القدس الشرقية الذين ينبغي لهم تأكيد وجودهم السياسي المباشِر والقوي، وتنظيم هذا الوجود بما يسمح لهم بالتحوُّل إلى قوَّة ضغط شعبي دائم، لا يمكن تخطِّيها، أو تجاهلها، في كل ما يخصُّ أمر المدينة المقدَّسة (والعاصمة المقبلة لدولة فلسطين) من حلول، أو مقترحات للحلول. والحلقة الثالثة هي الحراك الشعبي الفلسطيني في مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي يؤسِّس لحالة دائمة من الانتفاض الشعبي المنظَّم، ضدَّ الانقسام والذين لهم مصلحة في إدامته، وضدَّ الفساد بصوره كافة، وضدَّ كل تفاوض مع إسرائيل لا يلقى قبولاً شعبياً، وضدَّ كل تعدٍّ على الحقوق والحرِّيات السياسية والديمقراطية والمدنية للمواطنين، وضدَّ حالة الانفصال السياسي والتمثيلي المتزايد بين "الشارع" وبين من يمارسون السلطة، ويدَّعون أهلية وشرعية القيادة؛ فالتمثيل الزائف، أو المشكوك فيه، حان له أن ينتهي، وحان للقيادات جميعاً، وفي الشطرين معاً، أنْ تُثْبِت في الديمقراطية، وبالديمقراطية، أهليتها القيادية، وشرعيتها في التحدُّث باسم الشعب. وهذا الذي قُلْت إنَّما قُلْتُه لأُبيِّن أنَّ تصفير الوزن السياسي للشعب، وإقصاءه وتغييبه عن المعترك السياسي، هو ما تسبَّب، ويتسبَّب، في هذا الخلل الكبير، لمصلحة إسرائيل، في ميزان القوى السياسي (والتفاوضي) بينها وبين الفلسطينيين، فالشعب الفلسطيني إنَّما يريد أنْ يقود نفسه بنفسه، وأنْ يصبح، لجهة علاقته بقيادته، الرقبة التي تحرِّك الرأس كيف تشاء.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل