المحتوى الرئيسى

مصطلحات ودلالات (البلطجية) بقلم:ياسين السعدي

03/12 17:48

هدير الضمير مصطلحات ودلالات وتعليقات – 13 !! (البلطجية) ياسين السعدي تردد مصطلح (البلطجية) على نطاق واسع منذ قيام الثورة التونسية والثورة المصرية ثم الثورة الليبية في وسائل الإعلام العالمية عامة والعربية خاصة. ولكنه كان أكثر ترديداً خلال الثورة المصرية؛ حين اقتحم هؤلاء ميدان التحرير مسلحين بالبلطات والهراوات والسكاكين راجلين أو يركبون الخيول والجمال ويثيرون الرعب بين المواطنين المتواجدين في الميدان. (البلطجية) مصطلح مأخوذ من اللغة التركية، وهي للجمع، واحدها (بلطجي). والبلطجي هو الذي يتسلح بالبلطة. ونعرف البلطة التي تستعمل في تقطيع عظام الذبيحة عند الجزارين، ويستعملها العمال في تقطيع الأخشاب أو تشذيب الأشجار، وغير ذلك من استعمالات مماثلة. وكانت البلطة أداة قتالية وسلاحاً من الأسلحة التي تستعملها الجيوش القديمة. ويبدو أنها كانت من ضمن التقسيمات التي كانت قائمة في الجيوش، حيث نعرف كيف كان يسمى الذين يحملون سلاح القسي والنبال ب (النَّبَّالة) والذين يحملون السيوف ب (الَّسيَّافين) وأصحاب الرماح ب (الرًّمّاحين) والذين يستعملون ما نسميه اليوم (المقاليع) لقذف الحجارة بعيداً لمسافة أبعد من قذفها باليد، كان هؤلاء يسمون ب (العَيّارين)، ومن هنا جاء المثل الذي يقول: (إلحق العَيّار لباب الدار). ومما يدل على وجود فرقة (البلطجية) في الجيش، ما نعرفه من وجود اسم عائلة البلطجي في العهد العثماني في تركيا، كما نعرف من أسماء العائلات عندنا، التي تدل على مهنة الجد الذي تنسب إليه العائلة في المجتمع العربي، مثل عائلة النجار والحداد والقزاز واللحام والمهندس والبناء (البنا) والخياط وغيرها من المهن. وإلحاق حرفي (جي) بصاحب المهنة صيغة لا تزال مستعملة عندنا منذ العهد التركي فنقول: مكوجي لمن يكوي الملابس، وقندرجي لمن يبيع أو يصلح الأحذية، وموسرجي لمن يقوم بتمديدات المواسير في البيوت، والطوبرجي للبنّاء الذي يقوم بأعمال الطوبار، أي صف الخشب عند صب السقف باٍلإسمنت أو بناء الجدران. وكانوا يقولون لمن يعمل على المدفع مدفعجي ولمن يستعمل العربة عربنجي، ولمن يعزف على آلة الكمان الموسيقية الكمنجي أو الكمنجاتي وهلم جرا. أما في العهد العثماني فإن (بلطه جي باشا)، هو الذي يحمل البلطه في حضرة السلطان إذا أراد السلطان أن يؤدب له أحد العصاة. ليس بالضرورة أن يتحلى بلطجي باشا بالذكاء والحكمة والنزاهة. ولكن من أهم مواصفات وظيفته أن يكون قويا البنية ضخم الجسم، طويلا عريض المنكبين؛ لكي يستطيع أن يحمل بلطة السلطان الثقيلة. بعد أن سيطر العثمانيون على الوطن العربي ودخلوا مصر في سنة 1517م بعد معركة الريدانية، هاب عامة المصريين البلطجي باشا هيبة عظيمة، وتطور الأمر وانتشر المصطلح في الحواري والأزقة فكان بعض الأشقياء يحمل بيده بلطة أو ساطورا أو هراوة غليظة تشبهاً وتقليداً للبلطجي، يرهب بها البسطاء ويفرض عليهم الإتاوات فاقترن اسم (بلطجي) بهذا النوع من البشر الأشقياء. وفي عهد السلطان العثماني، أحمد الثالث بن محمد الرابع (1703م -1730م)، قام الصدر الأعظم (رئيس الوزراء)؛ محمد بلطه جي باشا، بقيادة القوات العثمانية وهزم الروس بقيادة القيصر بطرس الأكبر، وكانت معه زوجته كاترينا وحاصر القوات الروسية، ولكن ما لبث أن أمر برفع الحصار بعد أن أعطته كاترينا الداهية كل ما معها من أموال وجواهر ووقَّّع معهم معاهدة (فلكزن) في 1711م، ولذلك أمر السلطان العثماني أحمد الثالث بعزل محمد (بلطه جي) باشا من منصبه في الصدارة العظمى، ونفيه إلى جزيرة لمنوس. وتفيد بعض المصادر التاريخية أنه تمت محاكمته بتهمة الخيانة العظمى، وكانت عقوبته صهر الذهب وصبه في حلقه تطبيقاً لمبدأ: الجزاء من نفس العمل. وتسود حالة البلطجية عندما يغيب القانون وتضعف قبضة الدولة، وينتشر الفساد وتسيطر على البلاد ظاهرة (الانفلات الأمني)، فتكون المرحلة مواتية ل (البلطجية) كي يمارسوا أعمالهم من السطو والسرقة وفرض الخاوة، أو ما نسميه الإتاوة. حتى في المجتمعات المتقدمة فإن (البلطجية) موجودون، بما يعرف ب (الجريمة المنظمة) والعصابات التي تمارس العنف والسطو المسلح وتقوم بأعمال الخطف والمطالبة بدفع الفدية التي تبلغ ملايين الدولارات أحياناً، حسب المكانة الاجتماعية أو السياسة للمخطوفين. ولعل أشهر قضية سطو مسلح أو (بلطجة) هي حادثة السطو على قطار البريد في بريطانيا سنة 1964م المثيرة، والتي استولى اللصوص خلالها على 3,6 (ثلاثة وستة أعشار) مليون جنيه إنجليزي في حينه وتساوي قيمتها اليوم ما يعادل 75 مليون دولار حسب تقديرات القوة الشرائية للمبلغ. في إيطاليا مثلاُ، تم اختطاف رئيس الوزراء الإيطالي، ألدو مورو، نفسه سنة 1978م من قبل منظمة (الألوية الحمراء)، وتم إعدامه بعد أن رفض طلب الخاطفين. وفي ألمانيا منظمة (بادر ماينهوف) وفي اليابان منظمة (الجيش الأحمر)، وفي الولايات المتحدة عصابة (ويذر من) الأمريكية، وغير ذلك من المنظمات التي تمارس أعمال البلطجة. أما في المجتمعات العربية القديمة فقد كانت ظاهرة (البلطجية) تسود عندما تضعف قبضة الدولة وتحدث الفوضى وتنتشر ظاهرة (البلطجية) بما كان يطلق عليه (قُطّاع الطرق) الذين كانوا يتربصون بقوافل التجارة والمسافرين، وحتى قوافل الحجاج حيث، يغير قطاع الطرق عليهم ليسلبوهم ما يحملون من أموال ومتاع. وتغير سلاح البلطجي من حمل البلطة الثقيلة لاستعمالها في ترهيب الناس وسلبهم، إلى استعمال الوظيفة والمنصب لاستغلال حاجات الناس بدفع الرشوة، التي يتقاضاها بعض المسئولين الذين لا يقضون حاجات الناس لدى الدوائر الرسمية إلا إذا دفعوا الرشوة عبر سماسرة يستخدمونهم، أو حتى بدفعها لهم مباشرة بدون واسطة أو سمسار. ونطالع أحياناً في الصحافة أو نسمع عن ظاهرة السطو المسلح على البنوك، أو محلات الصياغة والصرافة، أو حتى الأشخاص العاديين الذين يتم السطو عليهم وسلب الأموال، ولا نحتاج إلى سرد الأمثلة لأننا كلنا نعرف كثيراً منها. قلنا إن (البلطجية) أشقياء ولصوص امتهنوا أسلوب السطو واستعمال العنف وبث الرعب بين الناس في تحقيق أهدافهم. وهم في سبيل ذلك قابلون لبيع خدماتهم، كما يحدث أحيانا لاستئجارهم من قبل أفراد أو حتى جهات مسئولة لتنفيذ أعمال إجرامية مقابل ما يدفع لهم من المال، كما حدث عندما فاجأ البلطجية المحتجين ودخلوا ميدان التحرير في القاهرة خلال ذروة المظاهرات والاحتجاجات ضد نظام الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، ومارسوا أسلوبهم المعروف. (البلطجة) مهنة من لا مهنة له، يلجأ إليها الفاشلون الذين لا يستطيعون تحقيق ذاتهم وطموحاتهم بالأسلوب السوي، ولذلك فهم يفرضون إرادتهم على المجتمع عندما تغيب السلطة أو تتواطأ معهم، كما حدث في ميدان التحرير في القاهرة، أو كما حدث في ليبيا واستئجارهم كمرتزقة، سواء كانوا من خارج البلد، أو من المنحرفين والبلطجية المحليين، وذلك دليل إفلاس النظام الذي يلجأ إلى هذا الأسلوب لمواجه الشعب الغاضب والثائر على النظام. نشرت في جريدة القدس الفلسطينية يوم الأحد بتاريخ 6/3/2011م؛ صفحة 44 yaseenalsadi@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل