المحتوى الرئيسى

مرة أخرى وليست أخيرة: «مصريون لا طوائف»

03/12 08:17

لا أحد يستطيع أن يستبعد احتمال أن يكون وراء الأحداث الطائفية، التى وقعت فى الأسبوع الماضى، عناصر من الثورة المضادة، تنتمى إلى النظام السابق، وتتكون من بقايا جهاز مباحث أمن الدولة، وفلول الحزب الوطنى، على الرغم من أن الذين يجزمون بذلك يسوقون تحليلاً سياسياً، لا يستند إلى وقائع محددة، ولا يتهم أشخاصاً بالاسم، بل ينطلقون من رؤية تاريخية تقول إن كل ثورة لابد أن تتلازم معها ثورة مضادة، وهى قاعدة صحيحة من الناحية النظرية، ولكن تطبيقها على حادث بعينه - مثل حادث تدمير كنيسة الشهيدين بقرية «صول» وما تبعه من تداعيات لايزال بعضها قائماً - يظل مجرد احتمال وارد، لا يجوز لأحد أن يعتبره حقيقة يبنى عليها مواقفه، إلى أن يكشف التحقيق فى الحادث عن وقائع تؤيده. وحتى لو صح هذا التحليل، أو تأيد بوقائع تؤكده، فلابد أن تتوقف قوى الثورة أمام حقيقة أن المسألة الطائفية هى نقطة ضعف خطيرة فى جبهتها، نجح أعداء الثورة فى اختراقها، وأن من واجبها أن تقوى دفاعاتها عند هذه النقطة، حتى لا ينجحوا فى اختراقها مرة أخرى، وحتى لو لم يصح أو يتأيد، فإن المسألة الطائفية فى مصر حقيقة معقدة، تتطلب التفاتاً أكثر، ورؤية أعمق، من مجرد الاستنامة إلى التحليلات المتفائلة، التى ذهب أصحابها إلى أن 18 يوماً فى ميدان التحرير قد قضت على عوامل التوتر الطائفى، أو إلى الاستنتاجات النظرية بأن ما جرى فى «صول» هو مجرد مؤامرة نفذها أزلام النظام السابق. باختصار ووضوح.. ومن الآخر: ما جرى فى «صول» هو تكرار لمئات الحوادث الطائفية التى استهدفت الكنائس وجرت خلال الأعوام الأربعين الماضية، كان أولها هو حادث كنيسة الخانكة عام 1972، ولم يمض على آخرها - وهو حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية - سوى أقل من ثلاثة أشهر، وفضلاً عن حرق الكنائس فإن هذه السنوات الأربعين قد شهدت أشكالاً أخرى من العنف الطائفى، كان من بينها القتل وحرق المساكن ونهب المتاجر، على نحو لم يكن له دلالة، إلا أننا - كما أشرت فى هذا المكان أكثر من مرة - قد تحولنا من مصريين إلى طوائف، ومن مجتمع سياسى يتوزع المواطنون فيه بين أحزاب سياسية تتنوع رؤاها للشأن العام، وتختلف حوله مصالح عامة إلى مجتمع طائفى ينقسم الناس فيه إلى مسلمين ومسيحيين، ويتعاملون مع بعضهم البعض بهذه الصفة الطائفية دون غيرها، ويمارسون كل شؤون حياتهم استناداً إليها، ولا يتذكرون أنهم مصريون إلا نادراً، بعد أن تحول الدين إلى قومية.. والطائفة إلى وطن! فى خلال عامين فقط، بين يناير 2008 ويناير 2010 - وطبقاً للتقرير الذى أصدرته «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» بعنوان «العنف الطائفى فى عامين» - شهدت مصر 52 حادث عنف أو توتر ذا طابع طائفى، بمعدل حادثين كل شهر، وقعت فى 17 محافظة من أصل 29 محافظة، تتوزع أنماطها - طبقاً للتقرير - بين 16 حادث شجار بين مسلم ومسيحى تطورت لمصادمات طائفية، و14 حالة من حالات الانتقام الجماعى تشمل عدوان طائفة على أخرى لأن أحد أفرادها ارتكب خطأ ما فى حق واحد منهم، من دون أن يكون المعتدى أو المعتدى عليهم مسؤولاً عن هذا الخطأ، و10 حوادث عنف ترتبط بإقامة الشعائر الدينية، و7 حوادث استهداف لكنائس، و3 حالات قتل لأسباب دينية. ولم يكن للمسألة الطائفية حل إلا بأن تتحول مصر إلى بلد ديمقراطى طبقاً للمعايير الدولية، يقوم نظامه السياسى على التعددية السياسية والدينية ويفصل بين ما هو «دينى» وما هو «سياسى» ويصون حرية العقيدة وحريات الرأى والتعبير والتظاهر السلمى ولا تنحاز حكوماته فى تشريعاتها أو إجراءاتها أو وظائفها إلى اتباع دين معين من رعاياها، ويقوم دستورها على قاعدة أن المساواة فى التكاليف العامة هى أساس المساواة فى الحقوق العامة، وبالتالى فكل من يدفع الضرائب ويخضع للتجنيد الإجبارى، له من الحقوق العامة، ما لغيره من المواطنين على قدم المساواة من دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو الرأى السياسى. أما وقد قامت الثورة لكى تبنى نظاماً ديمقراطياً، فإن من واجبها أن تقلب فى صفحات الملف الطائفى بحثاً عن الحقيقة، عبر الواقع والوقائع، بعيداً عن التفكير الرغبوى الذى يصور للبعض أن هذا الملف قد أغلق بمجرد قيام الثورة، وعن التفكير التعبوى الذى يتصور أصحابه أن تعليق فأس المسؤولية فى عنق أزلام النظام السابق، الذى كان هو نفسه يعلق فأس التوترات الطائفية فى عنق أزلام الأطراف الخارجية، هو الحل الموفق السعيد الذى سيحول مصر - بين عشية وضحاها - من مجتمع طائفى.. إلى مجتمع سياسى. وقد لا يكون الوقت ملائماً لذلك فى ضوء حقيقة أن الأولوية الآن لإطفاء حريق «صول» ووقف تداعياته، ولكن ذلك لا ينفى أن علينا أن نشرع فى حوار وطنى مسؤول حول المسألة الطائفية، يوقف اشتعال مزيد من الحرائق الطائفية لنعود مصريين لا طوائف.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل