المحتوى الرئيسى

حكاية سياسيةثورة يناير والمثلث الشرير

03/12 01:50

كان في العشرين من عمره‏,‏ عندما عمت ثورة الشباب أوروبا الغربية عام‏8691,‏ وانخرط يوشكا فيشر في غمارها‏,‏ فقد كان عضوا فاعلا ومؤثرا في جماعة ألمانية اسمها النضال الثوري‏. وقد توهج عقله وتألق وجدانه من فرط قراءات عميقة وواعية للفلاسفة الألمان‏,‏ وفي مقدمتهم هيجل وكارل ماركس‏,‏ وكان ما يسعي إليه مزيدا من الحرية والعدالة الاجتماعية‏.‏ ولم تكن حركة النضال الثوري التي ينتمي إليها فيشر تؤمن بالعنف‏,‏ وإنما كانت تجمح الي الاعتدال والحوار‏,‏ ولعل هذا ما حدا به للانضمام الي عضوية حزب الخضر عام‏2891,‏ وتمكن الحزب‏,‏ في ظل زعامة فيشر‏,‏ من الفوز في الانتخابات العامة الفاصلة والحاسمة لعام‏8991,‏ وهي انتخابات أطاح خلالها جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية بالمستشار هيلموت كول وحزبه المسيحي الديمقراطي‏,‏ الذي استمر في الحكم نحو ستة عشر عاما‏.‏ وشكل فيشر وحزبه مع المستشار جيرهارد شرودر وحزبه الاشتراكي الديمقراطي تحالف الحمر والخضر‏,‏ وصار وزيرا للخارجية الألمانية‏,‏ غير أن تحالف الخضر والاشتراكيين تصدعت أركانه بعد ثماني سنوات في السلطة‏,‏ ولذلك فاز الحزب المسيحي الديمقراطي في سياق التداول الخلاق للسلطة‏,‏ عبر صناديق الاقتراع‏.‏ غير أن يوشكا فيشر لم يبرح المشهد السياسي‏,‏ فهو يرقب عبر نافذة الحرية ما يحدث في الدنيا‏,‏ وقد احتفي احتفاء عظيما بثورة‏52‏ يناير المصرية‏,‏ ويقول عندما أطاحت ثورة تونس بالنظام القديم أصيب العالم بالدهشة‏,‏ وأضحت الدهشة يقينا عندما أسقطت الثورة المصرية نظام مبارك‏,‏ وكان معني هذا ولايزال‏,‏ أن يقظة العرب بدأت‏,‏ وصار انخراطهم في عالم القرن الحادي والعشرين وشيكا‏.‏ ويتذكر يوشكا فيشر‏,‏ وهو يرقب ثورة ميدان التحرير بقلب القاهرة‏,‏ ثورات الديمقراطية في أوروبا الشرقية عام‏9891,‏ ويشير الي أن هذه الثورات التي أطاحت بالنظم الشمولية‏,‏ كانت فترات انتقالها نحو الديمقراطية أطول مما كان متصورا‏,‏ وأصعب مما كان متوقعا‏.‏ وهذا صحيح‏,‏ غير أن هذه البلاد‏,‏ برغم النظم الكابوسية الاستبدادية التي كانت تكابد الشعوب من آثامها‏,‏ إلا أن عقدها انفرط تماما‏,‏ ولم تحاول فلولها التسلل للسلطة عبر أقنعة الثورة المضادة‏.‏ وهنا قد يمكن القول‏,‏ دون مبالغة أو غلو‏,‏ إن نظام مبارك كان أكثر تسلطا وفسادا من نظم أوروبا الشرقية الشمولية‏,‏ باستثناء نظام شاوشيسكو في رومانيا‏,‏ ويمكن أن نطلق عليه مثلث الشر شاوشيسكو وقرينته إلينا‏,‏ وابنهما نيقو‏..‏ الذي كان الديكتاتور يؤهله لاعتلاء العرش‏.‏ ويقول الراوي‏..‏ منذ تولي الديكتاتور السلطة عام‏5691‏ سام شعبه الذل والهوان‏,‏ فبينما كان الشعب يتضور جوعا‏,‏ كان شاوشيسكو يبني له ولزوجته وولي عهده قصرا جديدا من الرخام علي أنقاض مركز تاريخي‏,‏ وقد سمح لزوجته بأن تعيث في البلاد فسادا‏,‏ وانتهي أمرهما بإعدامهما رميا بالرصاص‏,‏ وكانت رومانيا بهذا المشهد الدموي الاستثناء الوحيد في ثورات أوروبا الشرقية‏.‏ ‏}}}‏ هذا المثلث الشرير للأسرة الحاكمة الطاغية‏..‏ الأب والزوجة والابن‏,‏ عندما تتقوض أضلاعه‏,‏ وتنكشف أسراره تضطرب الثورة المضادة وتتعثر فلولها وخلاياها المتربصة لإعادة إنتاج نظام الاستبداد والفساد‏.‏ ولكن تحركات فلول النظام السابق‏,‏ لن تكون سوي الزفرة الأخيرة لزمن بائس أطاحت به ثورة يناير‏.‏ المزيد من أعمدة محمد عيسي الشرقاوي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل