المحتوى الرئيسى

عمر أميرلاى.. فارس المعارضة السينمائية فى سوريا

03/12 00:30

فقدت السينما التسجيلية العربية واحداً من أكبر رموزها وأهم مخرجيها.. المخرج السورى عمر أميرلاى، الذى توفى قبل أسابيع قليلة، إثر إصابته بأزمة قلبية عن عمر يناهز 66 عاما بعد مشوار حافل برصد الواقع المجتمعى فى بلده وأفلام امتازت ببلاغتها البصرية ولغتها الفكرية، التى تقتحم بسلاسة جوانب من الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية داخل سوريا، ما يجعلها قابلة للطرح والتعبير عن نظيرتها فى بلدان العالم الثالث خاصة العالم العربى. أميرلاى من أصل عثمانى من خليط قومى شركسى كردى تركى وعربى عام 1944، ولد على مرمى حجر من مقام الشيخ الصوفى محيى الدين بن عربى، وهو ماقال عنه: ولدت معطرا بروحانيته مباركا باسمه وكنيته، وقد عاهدت نفسى مذ صرت مخرجا أن أنذر له ذبيحتين على روحه الطاهرة، كلما رزقت فيلما. قضى أميرلاى طفولته فى حى الشعلان على بعد خطوات من المقر التاريخى لحزب البعث، الذى أصبح فيما بعد دكانا لبيع الألبسة الجاهزة، هذا الاقتراب من مقر الحزب ومتابعة رجاله يدخلون ويخرجون يوميا ساهم فى أن يجتذب ذلك الكيان السياسى القوى ذلك الطفل المثقف، ليصبح فيما بعد من أبرز معارضيه، خاصة وقد تشرب فى دراسته تعليما يقوم على تمجيد الحزب وتحفيظ الأطفال شعاراته ورؤاه، وانعكس هذا فيما رصده فى فيلمه «طوفان فى بلاد البعث»، الذى أخرجه عام 2003، وعرضته قناة «العربية» بعدها بعامين، ما أغضب الحكومة السورية، لانه لم يعرض منفصلا، بل ضمن مجموعة أفلام وتقارير تنتقد الحكومة السورية ونظام الحكم، وهو ما أغضب أميرلاى ذاته، وعنه قال: أخرجت فيلما عام 1970 عن سد الفرات، وعندما انهار سد «زيزون» فى سوريا، خطرت بذهنى تلك التجربة، وقررت أن أزور السد بعد 33 عاما فوجدت بحيرة وراء السد وكل الأماكن الأثرية والقرى التى أعرفها، وتاريخ سوريا القديم أصبح فى قاع الغمر، فقررت أن أصور ماتبقى من القرية، وبالفعل صورت فى قرية «الماشى»، وقدمت شخصيتين مختلفتين، وهما شيخ العشيرة النائب فى البرلمان وشخصية ابن اخيه، مدير المدرسة ومسؤول الحزب فى القرية، وأكثر من نصف الفيلم يدور حول النظام شبه العسكرى الذى يطبق فى المدارس السورية ويخضع فيه الأطفال الأبرياء لعملية غسيل أدمغة، وتلقين شعارات حزب البعث، إضافة إلى نوع من تجريع المعلومات بالقوة والترديد. قدم «أميرلاى» 20 فيلما خلال 35 عاما من مشواره السينمائى، وكانت أفلامه دوما تخضع للرقابة الصارمة، ففيلمه «طوفان فى بلاد البعث» مثلا اشترطت السلطات الأمنية فى سوريا مشاهدته قبل التصريح بعرضه، خاصة أن اسمه الأول كان «15 سببا لكراهية حزب البعث»، وعن ذلك قال: قضيت يومين فى جلسة نقد فنية «طريفة»، كانوا يتابعون المشاهد لقطة لقطة، لدرجة سؤالى عن الهاتف مثلا لماذا وضعته فى هذا الجزء من الكادر وبهذه الطريقة، ورغم أن اللقاء تم فى إطار غير استفزازى، إلا أننى لم أعتد مناقشة أفلامى فى أجواء أمنية. عُرف «أميرلاى» بمعارضته للفساد فى سوريا وللنظام الحاكم، ومنعت أفلامه من العرض فى بلده، بعدما شن مسؤولون الهجوم ضده ومنعوا تمويل أفلامه التى تهاجم النظام، ووجد له متنفسا فى المهرجانات الفنية الدولية، ولعل هذا ما غيب أياً من رموز الدولة فى جنازته، كما تعامل الإعلام الرسمى فى سوريا بكثير من التجاهل لخبر وفاته. شارك فى مظاهرات الطلاب عام 1968، وهو ما ساهم فى تشكيل توجهه المعارض، حيث سيطر فيما بعد مع عدد من زملائه من المخرجين السوريين ممن عرفوا بتوجههم اليسارى منذ منتصف السبعينيات على ما كان يسمى النادى السينمائى عبر انتخابات ديمقراطية، ومن زملائه محمد ملص ونبيل المالح وقيس الزبيدى، وكان بمثابة خلية سينمائية نشطة مواقفها المعارضة علنية داخل الحياة الثقافية والاجتماعية، خلال الفترة من عام ١٩٧٤ وحتى ١٩٨١، بعد صراع ضد التيار الشيوعى البكداشى الذى كان يسيطر على النادى قبلها، لكن اضطر النادى إلى تعليق أنشطته بالكامل بسبب أحداث الإخوان المسلمين الدامية فى سوريا، واشتداد القمع من قبل النظام الحاكم. فى فيلمه الأول «سد الفرات» 1970 قدم أميرلاى تحية لمحاولات بناء السد، لكنه تحول تحولا جذريا فى فيلميه التاليين «الحياة اليومية فى قرية سورية» 1974 و«الدجاج» 1977 ليصبح أبرز المخرجين معارضة للنظام، خاصة وقد حمل العمل الأول انتقاداً واضحاً لما أحدثه بناء سد الفرات من تأثير سلبى لمعيشة القرويين. من أبرز أفلامه أيضا «وهناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء» الذى أخرجه عام 1997، وتعرض خلاله لمعالم وأحداث كبرى من التاريخ العربى مثل نكسة 1967، والانتفاضة الفلسطينية الأولى، وزيارة السادات لإسرائيل، وصولا إلى حرب الخليج.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل