المحتوى الرئيسى

دراسات في الكنعانيات 2 : بعل بين الدلالات اللغوية والدلالات الأسطورية بقلم : محمد جرادات

03/12 18:47

بعل بين الدلالات اللغوية والدلالات الأسطورية إن تعدد دلالات مادة بعل في المعاجم وانفتاحها على معان كثيرة ، وكذلك اختلاف اللغويين في إعطاء المعنى الجامع المانع لها ، واستنباط معان لا تدل دلالة مؤكدة عليها ما يدل على غنى هذه المادة وأهميتها ، فبعل ، باء عين لام، تنفتح على معان متشابكة ومتداخلة فيما بينها وإن كان هنالك بعض المعاني القليلة التي لا تترابط مع غيرها من الدلالات ، ومن الملاحظ أن هذا الجذر موجود في معظم اللغات السامية ، ففي العبرية الأخت السامية الأقرب للعربية مازال الجذر الثلاثي (בעל ) حاضراً إلى يومنا هذا ، ويعبر عن دلالة مطابقة لما يدل عليه في العربية ، وهذا يقودنا لأهمية هذه المادة اللغوية في كثير من اللغات السامية . وعند رجوعي إلى المعاجم العربية المشهورة بشقيها التراثي والحديث ، وجدتُ تعدداً لدلالات بعل ومعانيها وأدركت اتفاق هذه المعاجم جميعها على معاني بعل وإن كان هنالك اختلافا في عرض هذه المعاني، وبعد إطلاعي على مجموعة من المعاجم شملت أكثر معاجم اللغة العربية شيوعاً ، أجملتُ المعاني العديدة واختصرتها، وسأقوم بعرضها بشكل مجمل نظراً لتعدد دلالاتها وتكرارها في معظم المعاجم التي عدتُ إليها . فالبعل هو : الأَرض المرتفعة التي لا يصيبها مطر إِلا مرّة واحدة في السنة(1)، ومثال على هذا من الشعر : إِذا ما عَلَونا بعل عَرِيضةٍ خَالُ عليها قَيْضَ بَيْضٍ مُفَلَّق وقد أنثها الشاعر على معنى الأرض . والبعل من النخل هو الذي يسقى بعروقه فسيتغني عن السقي ، ومنه حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( ما شرب منه بعلاً ففيه العشر ) والذكر من النخل ، وهو مجاز شُبه بالبعل من الرجال، ومنه قول عبد الله بن روحة : هنالك لا أبالي سقيَ نخل ولا بعلِ وإن عظم الإتاء وبعل الشيء ربه ومالكه وسيده (2)، وفي الحديث الشريف ( وأن تلد الأمة بعلها ) والمراد بالبعل هنا المالك. وورد أن ابن عباس مر برجلين يختصمان في ناقة وأحدهما يقول : أنا والله بعلها . أي مالكها وربها . وقولهم من بعل هذه الناقة ؟ أي من ربها وصاحبها ؟ . أي هو المالك والرئيس أي ما يزال رئيساً متملكاً . والبعل الزوج ، يقال : بعل يبعل بعلاً وبعولة فهو بعل مستبعل (3) ومنه قوله تعالى: ( وهذا بعلي شيخاً ) أي زوجي ، والبعل والتبعل : حسن العشرة من الزوجين والتباعل والبعال : ملاعبة المرء أهله ، وقيل البعال النكاح؛ ومنه الحديث ( إنها أيام أكل وشرب وبعال ) وقول الحطيئة : وكم من حصان ذات بعل تركتَها إذا الليل أدجى لم تجد من تباعله ويقال للرجل : هو بعل المرأة ، ويقال للمرأة هي بعله وبعلته . وباعلت المرأة اتخذت بعلاً ، وباعل القوم قوماً آخرين : تزوج بعضهم إلى بعض .( 1) وقيل بعل ملك من الملوك .(2) والبعل صنم سمي بذلك لعبادتهم اياه كأنه ربهم ، وقوله عز وجل: "أَتدعون بعلاً وتَذَرُون أَحسن الخالقين"(3) ؛ قيل: معناه أَتدعون ربّاً، وقيل: هو صنم؛ يقال: أَنا بعل هذا الشيء أَي رَبُّه ومالكه، كأَنه قال: أَتدعون رَبّاً سوى الله. وقد اشتهر بعبادة هذا الصنم قوم إلياس عليه السلام(4) . البعل اسم سامي معناه "رب أو سيد أو زوج". وكان غلة المزارع ورب الخصب في الحقول وفي الحيوانات والمواشي. (5) وبعد هذا الاستعراض السريع الموجز لدلالة بَعَلَ في معاجم اللغة ، نلحظ مدى تقارب هذه الدلالات وترابطها ، وإمكانية تأويلها ومقاربتها فيما بينها ، وبنظرة موجزة لهذه الدلالات التي تنسدح على المعاني المشتركة المتقاربة ، فالبعل : الأرض المرتفعة وهي الأرض التي لا يصيبها مطر إلا مرة واحدة ، ذكر النخل ، الرب الملك ، السيد ، الزوج ، الصنم العظيم ، المطر ، الخصب . وجميع هذه المدلولات ترسم لوحة ذات قاسم مشترك في اللاوعي الجمعي العربي ، فندرك فيها علائق متعددة مثل : الأرض ـ الخصب ـ المطر ،وعلائق أخرى ، الرب ـ السيد ـ الملك . وهذا إن دل على شيء إنما يدل على قداسة هذه المادة اللغوية وارتباطها بالأساطير العربية وغيرها . فالأرض المرتفعة تشمل كل ما ارتفع عن الأرض من جبال وتلال وهضاب ، فبين معنى الأرض المرتفعة التي لا يصيبها مطر علاقة أسطورية مترابطة ـ وفق ما جاء في أسطورة بعل ـ فالإله بعل كان يسكن أرضاً مرتفعة في أعالي الجبال ألا وهو جبل صفون ( جبل الأقرع حالياً ) ، وقد ورد ذلك في الأسطورة حين دعا بعل عناة إلى جبل صفون ليكشف لها سر الطبيعة وعندما كلفها أن تقنع إيل ببناء قصر له على جبل صفون ، ليسود على الوجود من هناك ، حيث أن بعل كان ينسب إلى صفون ( بعل صفون ) : (( ومضى بعل صاعداً إلى مرتفعات صفون وهناك التقى ببناته ...)) وعندما يخاطب عناة داعياً إياها المجيء إلى جبل صفون يقول : (( تعالي وسوف أكشفها لك في وسط جبلي ، الإله صفون في المحراب في جبل ميراثي في المكان الطيب على تل القوة )) ويظهر جبل صفون هذا كجبل مقدس ، ولعل ذلك يتناسب مع مكانة الإله بعل الذي يمطر على الأرض من الأعالي، ولا يخفى علينا قدسية الجبال والأماكن المرتفعة عند إنسان العصر القديم ، فالجبل حلقة الوصل بين العالم العلوي والعالم السفلي ،ويتضاءل الإنسان أمام الجبال بطلعتها المهيبة وعظمتها وجلالها وارتفاعها في عنان السماء فلا يكاد يكون بالقياس إليها شيئاً يذكر ، فقد قدسها البشر لا لذاتها فحسب أي باعتبار شخصها الماثل للعيان وإنما أيضاً باعتبارها رمزاً مقدساً، وقد شيدت الهياكل والمعابد على قمم الجبال ، وقرنت هذه الجبال بكل ما هو مقدس كما في أسطورة نزول آدم على جبل (نوذ )أو جبل (سرنديب) بالصين،أو في استواء سفينة نوح على الجودي ، أو في صعود عبد المطلب إلى جبل (أبي قبيس) للاستسقاء أو صعوده إلى جبل حراء للدعاء لما أراد أبرهة الحبشي هدم الكعبة،أو يتجلى عنده الرب كما تجلى لموسى في طور سيناء. (1) ولا ننسى أيضاً ما كان ينعت بها بعل من صفات العلو والارتفاع ، فهو بعل العلي وبعل عليان ، وتظهر هذه صفات في الألواح الأُوغاريتية : (( مزقه يا بعل العلي ، بعثره يا راكب الغيوم ..)) . (( ونقلت إلى البطل حبيب إيل رسالة عليان بعل جواب المحارب الشديد...)) (( ولكن في السنة السابعة نهض موت معلناً نفسه لعليان بعل )) (( اسجد أمامه وبجله وأعلن أمام الصانع الماهر رسالة بعل العلي رسالة علي المحارب ...)) وأما الدلالة التالية لبعل فهي تحمل معنى النخل الذي يسقى بعروقه فيستغنى عن السقي ، والبعل هو الذكر من النحل ، فربما تدل هذه الدلالة على قدسية النخلة أولا وعلى القوة الذكورية ثانياً ، فمن أشهر معبودات العرب شجرة الحياة ( النخلة ) وإلى عهد الإسلام كانت نخلة نجران تستقبل تحت سعفها المؤمنين والمتعبدين و(ذات أنواط) سمرات من الطلح الشائك لا يظل ولا يسمر ، ولا شك أن عمق وصلابتها أعطى انطباعاً مهولاً لها وتقديس العرب للشجر عموماً ليس بالأمر الغريب ،إذا اعتبرنا أنهم من الساميين ، وكانت النخلة شجرتهم المقدسة في مصر وبابل وفينيقيا والجزيرة ، فمن النخلة التمر طعاماً سائغاً وذخراً أو عدة للسفر والنبيذ ونشوة وانفتاحا على عالم لا يكدر صفوه الموت ، فلا غرو إن كانت شجرة ( عشتروت) . ولا بد أن خضرة النخل كانت تستلفت الانتباه بجذورها الضاربة في الأرض وقامتها المنتصبة شامخة وبأوراقها الخضراء الزاهية التي لا تكاد تسقط في عالم سمته الأساسية المحل والجدب، متصلة هكذا بالتراب والماء والهواء مرتفعة في عنان السماء . إذن فهي رمز التجدد والشباب الحي ونسغ الحياة التي لا ينضب معينها وهذا كله يتفق مع ما كان يمثله الإله بعل من تجدد وخصب مستمر . (1) وقد جاءت دلالة أخرى لبعل وهي الذكر من النخل ، فمن الطبيعي أن يكون هنالك ربط بين ذكر النخل والبعل ، فذكر النخل يلقح أنثاه مما يسهم في تكاثر النخل وزيادة إنتاجه، وكذلك الإله بعل يدعو عناة في الأسطورة للكشف عن سر للحياة وليرتبط معها في تجديد الخصب في الأرض والبشر والحيوان . (( إلي ... دعي أقدامك تسابق إلي ... دعي أرجلك تسرع لأن عندي كلمة أخبرك بها كلمة الشجر وهمس الحجر وصوت السموات للأرض والأعماق للنجوم ...)) وبعل الشيء ربه ومالكه وسيده، وتتفق هذه الدلالة المعجمية اتفاقاً وثيق العروة ، فالإله بعل كان الرب الأكبر ـ بعد إيل ـ في مجمع الآلهة الكنعانية ، وكان سيد الأرض وسيد الدورة الزراعية ، و مالك الخصب والحياة في الكون ،وتصوره الأسطورة الكنعانية بأنه المهيمن على أمور الحياة والموت والخصب والتكاثر، وقد استخدم فيما بعد كلمة بعل للدلالة على كل إله عظيم ، وفي ألواح أوغاريت تظهر شخصية بعل العظيمة المهيمنة ، وتصف سيادته وربوبيته وملكوته المطلق : ((ملكنا عليان بعل قاضينا الذي لا أحد فوقه...)) وحين انتصار بعل على يم تقول عشتارت محتفلة بانتصار بعل : (( لقد مات يم وقضى نحبه فليسد بعل ويحكم ...)) وعندما يصرع ( موت ) بعل فيسقط على الأرض قتيلاً تصيح حبيبته عناة وتجلجل : (( لتفرح عشيرة وابنها وأقاربها فقد مات بعل وهلك سيد الأرض )) والبعل الزوج ، فكل بعل هو زوج وكل بعلة زوجة ، فقد كان رابط وثيق بين دلالة بعل لغوية ودلالتها الأسطورية ، ولأن الزواج ميثاق مقدس ورابط أبدي لدى جميع الديانات السماوية والوثنية ، ولأنه ثنائية الخصب ،ولأنه أساس التكاثر والحفاظ على الجنس البشري وديمومته ، فقد كان الكنعانيون يرون في الحب والزواج تاثسراً على قوة إخصاب الطبيعة وحفزاً لها على القوة والنماء ،وكانت المرأة تحظى بنوع من التقديس عند الكنعانيين ولها كل أنواع الاحترام ، وفي أسطورة بعل كان بعل زوج عناة وعشيقها ، وكانت الإلهة عناة راعية الخطوبة والزواج وطقوسها تكرس القران الزوجي الشرعي .(1) ونلحظ رابطة الزواج التي كانت تربط بعل وعناة ، فقد كانت علاقة عناة ببعل علاقة وثقى لا تنفصم ، وكان حبهما الأبدي ووثقاهما الجسدي ضرورة لا غنى عنها للحياة الزراعية .(2) وكيف تخصب الطبيعة وتجري الحياة في عروقها حين يجتمع كل من بعل وعناة ، وحين دعا بعل عناة لزيارته لكشف سر الطبيعة ، دعاها لتأتي له ليضعا في الوجود خصباً وتجدداً وتكاثراً : (( ضعي في الأرض خبزاً وضعي في التراب لفاحاً واسكبي في الأرض قربان السلام والتقدمات في وسط الحقول ...)) فتجيب عناة رسولي بعل متلهفةً : (( سأضع في الأرض خبزاً وساضع في التراب لفاحاً وسأسكب في الأرض قربان السلام والتقدمات في وسط الحقول ...))

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل